Take a fresh look at your lifestyle.

الشهادة

0 175

يا غريب الطفـوف يومك صـوت             يمـلأ الخافقيــن منـــه النـــــداء

فدماء الشهيـد تنطفئ الدنيـا                    ولا تنطـفــي لهـــــا أصــــــداء

يا غريبًا صــان الخلود شهيـــــدًا              فتــعــزّى بحبـــــه الغربــــــاء

وطــوى صفحـة الحــياة أبيـــــًا               عزمه فاقتدى بــــه الشهــــــداء

 

             الشهادة رمز علوي يكتب للشهداء في الحياة وهي عالم من النور يحيطهم بعد حياتهم، وليست كل تضحية شهادة، إنما الشهادة تضحية بالنفس للحق دفاعًا عن الوطن أو العقيدة أو المجتمع في وجه ظالم، وشهادة الإمام الحسين(عليه السلام) قدوة يقتدي بها الشهداء .

             تقف أحيانًا لحظةٌ من التاريخ في مفترق طرق، فإما النور أو الظلام، فمن اختار النور كان في مواجهة الظلام وهذه المواجهة ليست فردية إنما هي مواجهة معسكر يطلب الحق تجاه معسكر يصر على الباطل. وكانت قبل هذه المواجهة مواجهة الرسول(صلى الله عليه وآله) ودعوته الإسلامية تجاه معسكر ظلام الجاهلية ورموزه ثم تلاها مواجهة الإمام علي وقيادته تجاه رموز الفتنة والاستحواذ على الحقوق وإبعاد أهلها ثم استمرت هذه المواجهة للإمام الحسن(عليه السلام) واستعرت نارها بمعسكر الحسين(عليه السلام) تجاه معسكر يزيد بن معاوية.

              فإما قبول بالانحراف وما يقع فيه التاريخ والمجتمع والقيم الإنسانية، وإما التضحية لتقويم الانحراف لتتسلم الأجيال مسارها التاريخي، مسار الشهادة دفاعًا عن قيم الحياة الإنسانية والنظام الاجتماعي النبوي أو الرضوخ وقبول العودة إلى نظام التقاليد الجاهلية بعصبيتها القبلية وقيمها البالية التي جددها الإسلام بقيم إنسانية ونظام اجتماعي في العقيدة السمحاء ومفاهيم كتابه العزيز وأبعاد الفكر النبوي بعد غياب الرسول(صلى الله عليه وآله).

          هذا ما ينبغي أن نفهمه من هذه الذكرى لواقعة كربلاء. فالحسين(عليه السلام) ذلك الاسم العظيم والفكر العظيم، فالحسين تصغير (حسن) للتعظيم كما هو للتحبيب في تسمية الرسول الكريم(صلى الله عليه وآله)، فهو للتحبيب كصيغة في صرف العربية وللتعظيم كمفهوم جاء من مسميه، فتصغير التعظيم ينبغي أن نُفهِم الأجيال بذكر اسم الحسين(عليه السلام)وأن لا يقتصر الصرف على ذكر كلمة (دويهية) غير المفهوم معناها فقط .

             هذه العظمة تتصل بسيرته وقيادته للحظة التي وقف التاريخ فيها على مفترق طرق، كما ذكرت لقد ظل صوته مدويًا في التاريخ يعلن عن هدفه الذي ثار من أجله (.…وإني لم أخرج أشرًا ولا بطرًا ولا مفسدًا ولا ظالمًا وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي)(1) هذا الصوت وهذا الهدف تجاه المدعين وهم (الدين لعق على ألسنتهم يحوطونه ما درت معايشهم، فإذا محصوا بالبلاء قل الديانون)(2) إذن لدينا معسكران أحدهما الدفاع عن مسار الإسلام من التشويه والتحريف، والآخر اتخاذ الدين غطاء لتحقيق المصالح والمآرب، فإذا جَدّ الجدّ كشف الغطاء لتبين حقيقة الادعاء.

          هذا الصراع بين الحقيقة وادعائها أزلي يتخذ الوجوه والمسميات في العصور المختلفة وفي كل زمن يتجدد بشهداء يبعثون به روح الثورة، فالصراع بين الإسلام والشرك تجدد في حرب الجمل وصفين ثم توهج يوم الطف في ثورة أبي الشهداء(عليه السلام) ويظل العنوان واحدًا والأسماء تتغير، وقد رأيناه في العصر الحديث واضحًا، وما زلنا نعيشه مع التيار التكفيري كل ذلك يمكن أن نجعل ثورة الطف بصوت الحسين(عليه السلام) عنوانه الأصل وهذه أصداؤه.

 

            كان الحسين(عليه السلام) قائد جبهة الحق قد استخدم كل وسيلة للاحتجاج والنقد للسياسة المنحرفة في زج يزيد لعالم غير عالمه، إذ هو لا يصلح للقيادة، فعدم توافر شروط القيادة الحق واضحة في حياته وسلوكه، لكن إصرار قوى التسلط على زجه من دون روية ولا فكر أضاعت الحقيقة وعكّرت الجو بحيث أرادت حجب خطوط النور بظلام دعاتها وإعلامها متوهمة أنها خبطة وينتهي كل شيء، وصاح داعي الحق قاصدًا الكوفة من مكة سرى قبل الغدر الذي أصاب سفيره في الكوفة، أسرع وهو يشعر بأن انطباق الظلام على الأرض لا ينجلي إلا بدمه الشريف، فلم يؤخره قول الناصح بأنه ذاهب إلى المدينة التي لقي أبوه وأخوه ما لقياه فيها، فالحق أمامه أبلج ناصع يدعوه لنصرته، ولقي الفرزدق(3) عند خروجه إلى العراق .

 

            قال أبو مخنف عن أبي خباب.. عن عبد الله بن سليم والمذري قالا: أقبلنا حتى انتهينا إلى الصفاح(4) فلقينا الفرزدق، فواقف حسينا(عليه السلام) فقال له: أعطاك الله سؤلك وأمَّلك فيما تحب، فقال الحسين(عليه السلام): بيِّن لنا نبأ الناس خلفك: فقال الفرزدق: من الخبير سألت، قلوب الناس معك، وسيوفهم مع بني أمية، والقضاء ينزل من السماء، والله يفعل ما يشاء، فقال الحسين(عليه السلام): صدقت، لله الأمر، والله يفعل ما يشاء، وكل يوم ربنا في شأن، إن نزل القضاء بما نحب فنحمد الله على نعمائه، وهو المستعان على أداء الشكر، وإن حال القضاء دون الرجاء فلم يعتدّ من كان الحق نيته والتقوى سريرته، ثم حرك الحسين (عليه السلام) راحلته فقال: (السلام عليك، ثم افترقا)(5)،

           ورواية الأغاني أن لقاء الفرزدق الحسين(عليه السلام) متوجهًا إلى الكوفة خارجًا من مكة في اليوم السادس من ذي الحجة(6) هذا أول فأل يسمعه الحسين(عليه السلام) عند توجهه إلى الكوفة. كل ذلك لم يثبط من عزيمته وتوجهه إلى غايته، وقد قال للفرزدق في رواية الأغاني: (ويحك معي وفر بعير من كتبهم يدعونني ويناشدونني الله).

             فالحسين(عليه السلام) كان واعيًا كل الوعي غايته التي قصد، لأنه كان يرى أنّه لصد تيار الانحراف وتشويه الحقيقة لابد من تضحية، هذه التضحية كانت نجماً لا يخبو في وسط ظلام كاد يطمس الحقيقة، وهذا ما عبر عنه أبو العلاء المعري بقوله:

وعلى الأفق من دماء الشهيدين               عـلــي ونجلـــــه شاهـــدان

 

             شاهدان لتاريخ الإنسانية، يخبر كيف أن الأجيال تحفظ الحقيقة وكيف يكون طريق الشهادة لحفظها

                         فدماء الشهيـد تنطفـــئ الـــــدنـ            ـيا ولا تنطفــي لهــــا أصـــــداء

            قد يرد هذا السؤال في أذهان كثير من الناس ليزدادوا معرفة بنهضة الحسين (عليه السلام)، نهضة على الرغم من مرور ما يقارب أربعة عشر قرنًا.

كيف نقرأ نهضة الحسين(عليه السلام)؟

أو كيف ينبغي للمفكرين أن يقرؤوها؟

وهل ظلت جوانب فيها لم تصل إليها كتاباتهم وأقلامهم؟

             خصوصًا وهم يجدون أئمة أهل البيت(عليهم السلام) كأنهم وقفوا عند أمر الأمة بإقامة العزاء وإثارة الأتباع لتحريك العواطف مع حركة الطف بمقولة: (رحم الله من أحيا أمرنا)،

فهل إحياء الأمر فيه اكتفاء لمعرفة الحركات الإصلاحية في التاريخ وفيها قيام الرسل والأنبياء؟

فكيف نستطيع أن نفهم سنن التاريخ؟

            نريد أن نعرف ما بين أحداث كانت لا تخلو من أسرار إلهية منها خروج إبراهيم الخليل من بابل ونزوله بـ (بانقيا) (النجف)(7) ثم قصد الحجاز، فيبني الكعبة، وفي الكعبة كان مبعث الرسول(صلى الله عليه وآله) ودعوته الإسلامية، ومن مكة كان خروج الحسين(عليه السلام) إلى العراق ـ الكوفة ليقيم دين جده الذي هدّده الانحراف، والكوفة هي التي اتخذها والده أمير المؤمنين(عليه السلام) عاصمة الإسلام، وفيها استشهد وفي الكوفة ظهر الداعي للأخذ بثارات الحسين(عليه السلام).

             هذه أحداث لا تخلو من أسرار تربط بينها، فقراءتها قراءة تأمل وفكر تكشف معاني ذات صلة بفلسفة التاريخ وحركته ومنها ما كان في واقعة الطف. نعم نحن ينبغي لنا أن نواصل تحليل الأسباب، للوصول إلى قريب من الأسرار التي دفعت هذه الحركة التي كانت والتاريخ على مفترق طرق بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله)، والصراعات التي ذكرتها منذ بداية الدعوة الإسلامية وموقف المشركين من الرسول(صلى الله عليه وآله)

            ثم الصراع وموقف أبنائهم وإخوانهم من الإمام علي (عليه السلام) والآن موقفهم من الحسين(عليه السلام)، فالحركات متتالية متقاربة وذات هدف واحد من المعسكرين، فإحياء الأمر فيه إدامة الذكر وصورة المصاب، وبقراءة الثورة قراءة متعددة بتعدد الأجيال والعصور، فكما أن القرآن الكريم نص خالد تتعدد قراءته بتوالي الأجيال والعصور، وكل قراءة تتولد فيها معانٍ وصور كذلك الحدث الخالد كحدث الطف تتعدد قراءته وكل قراءة تتولد منها معانٍ وصور،

           فالتعرف على حركة الإمام(عليه السلام) وعلى أسبابها ودوافعها ثم غايتها بالرغم من فواجعها ووحشية معسكر الشر منها تلقي الأضواء على حركة التاريخ والمجتمع البشري عامة والمجتمع العربي خاصة، ويستخلص المفكر منها العبر والتجارب لتوضع في مناهج المجتمع، كما فهم ذلك بعض المصلحين من فلاسفة البشر مثل المهاتما غاندي الذي حرر قارة الهند من وحشية المستعمر البريطاني، كيف تعلم من مظلومية الحسين شجاعته الروحية .

             فمظلومية الحسين(عليه السلام) ليست مظلومية الخنوع، وإنما هي مظلومية الأنبياء والرسل في أداء رسالتهم.

 

نشرت في العدد 66


1) بحار الأنوار ج44 ص329
2) ن. م.ص383
3) الفرزدق: أبو فراس بن غالب بن صعصعة، وفد أبوه إلى الإمام علي(عليه السلام) عام الجمل فقال إن ابني هذا من شعراء مضر وكان صبيًا، فقال له ناصحًا (علّمه القرآن) فيقول الفرزدق: بقيت كلمات الإمام في قلبي، وأصر في عودته إلى البيت ليحفظ القرآن الكريم استجابة لنصيحة الإمام، وكان جده صعصعة يفدي الموؤودات قبل الإسلام، والآن هو يلتقي بنجله الحسين(عليه السلام)، وهو خارج إلى حرب أجيال الجمل وصفين.
4) الصفاح: موضع بين حنين وأنصار الحرم على مسيرة الداخل إلى مكة وهناك لقي الفرزدق الحسين بن علي(عليه السلام) لما عزم قصد العراق [معجم البلدان ياقوت 3/412].
5) تاريخ الطبري 5/386 ط دار المعارف بمصر، وانظر الأغاني 19/47.
6) الأغاني 19/34.
7) معجم البلدان – ياقوت 1/331 – 332.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.