Take a fresh look at your lifestyle.

معالم التربية الروحية في فكر الإمـام الرضـا(عليه السلام)

0 195

           يتضح من خلال آيات الكتاب العزيز وأحاديث أهل البيت(عليهم السلام) أن الركيزة الأساسية التي تبتنى عليها المنظومة العقائدية في الإسلام هي الإيمان بالله تعالى ، وكان لأئمة أهل البيت(عليهم السلام)
مدرستهم الخاصة المتصلة بالسماء والتي تهدف إلى تربية الإنسان والمجتمع وتوجيهه نحو الكمال والرقي.
وسنكرس هذا المبحث حول معالم التربية الروحية في فكر الإمام الرضا(عليه السلام)
ثامن أئمة أهل البيت(عليهم السلام)، والتي هي انعكاس للإيمان، ولكن من جهة العبد نحو الخالق العظيم وبيان أثرها الوقائي في البُعد الروحي للإنسان، مع محاولة مقاربتها قرآنياً، وعلى النحو التالي:

أولاً: التوبة: معلوم أن التوبة هي أن يطلب الإنسان مغفرة الذنوب من الله تعالى، فالإنسان بطبيعته يخطئ ويقع في بعض الأخطاء، لأنه إنسان، وليس هذا عيباً بل العيب أن يُصرّ على الذنب. لكن الإنسان المتقي إذا ما أذنب لجأ إلى الله وأناب واستغفر، ومن ثم يرتقي هذا الإنسان في روحه ببناء تربوي غير منقطع، وهذا واضح جلي في فكر الإمام الرضا(عليه السلام) التربوي، إذ يقول(عليه السلام): (.. وأحب العباد إلى الله عزَّ وجلّ الموقنون التوابون)(1).

إذ التوبة أول مقامات الدين ورأس مال السالكين ومفتاح استقامة السائلين ومطلع التقرب إلى رب العالمين ومدحها عظيم وفضلها جسيم، وحُب الله عزَّ وجلّ للتوابين واضح في قوله تعالى: (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ)(2)،
فعودة هؤلاء التوابين المتطهرون إلى الحضرة القدسية تدلل بوضوح على عمق إيمانهم لما يختزنون في أعماقهم الإيمان بالله والمحبة له والالتزام بطاعته، من دون أية حالة للتمردّ التي تتنافى مع الإحساس بالعبودية، وهم الذين لم تنطلق معصيتهم في خطيئاتهم من جحود بالله، ولا استهانة بعقوبته، ولا تهاون بوعيده، ولا استخفاف بأمره ونهيه… بل انطلقت من غفلة العمل وثورة الغريزة.
وبعد أن اتضح حب الله سبحانه للتوابين، يتضح أيضاً أن لهذه التوبة شروطًا نصت عليها آيات الذكر الحكيم نلتمسها في قوله تعالى: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ للذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ ، وَكَانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً * وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ للذِينَ َيعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا)(3)، فعند رؤية بعض معالم الموت وتنكشف للمذنب عاقبة أمره في الآخرة، فهنا لا يتحقق قبول التوبة، وقد أشار الإمام الرضا(عليه السلام) إلى هذا المعنى عندما سُئل عن علة إغراق فرعون وقد آمن به واقر بتوحيده؟فقال(عليه السلام): (إنه آمن عند رؤية البأس وهو غير مقبول)(4).
إذ إن هذا الإيمان ليس إيمانًا حقيقيًا معتمدًا على الغيب الإلهي، بل على المشاهدة المحسوسة، وهذه المشاهدة الأخروية للمذنبين وحال مصيرهم، وهذا أشبه ما يكون فيه حال المذنبين اليوم (الذين شاهدوا أعواد المشنقة وأحسوا بالحبل على رقابهم ندموا على جرائمهم وأفعالهم القبيحة، فمن الواضح أن مثل هذه التوبة وهذا الندم لا يعد فضيلة، ولا مفخرة ولا تكاملاً، ولهذا لا يكون أي تأثير)(5) له في البناء الروحي للإنسان أو وقايته من الانحراف.
من خلال ما تقدم نلحظ البناء التربوي للروح وتهذيبها بمعايير الإيمان والتقوى، يجعل الإنسان المؤمن يتأمل جلياً في هذا المعاني وهذه المعالم المفيدة التي توجهه إلى الرجوع إلى الله تعالى بالاستغفار، والمسارعة إلى مغفرة الله وجنته الموعودة للإنسان المؤمن.
2- العبادة: تُعد التربية العبادية الدعامة الأساسية في توثيق الصلة بالله عز وجل، فآثار العبادات على الإنسان مما لا يخفى، إذ (لكل عبادة من العبادات وكل منسك من المناسك الشرعية، فضلاً عن أنَّ لها صورة أخروية وملكوتية، بها تقام عمارة الجنة الجسمانية وقصورها، وتهيئة الغلمان والحور طبقاً للبراهين والأحاديث(6) فإن لكلّ عبادة من العبادات أيضاً أثراً يحصل في النفس، مما يقوي الإرادة شيئاً فشيئاً ويصل بقدرتها إلى حد الكمال)(7).
والعبادة إذعان العبد، والخضوع والتذلل لخالقه عزَّ وجلّ بغاية المحبة والتعظيم (والخضوع له والتقرب إليه سبحانه والخلوص لوجه الكريم)(8).
فنلحظ أن من ألزم مقتضيات العبادة أن تكون خالصة لوجه الله تعالى، وقد صرح القرآن المجيد بعظمة العبادة بأن الله عزَّ وجلّ جعلها الغاية من خلق الخلق فكانت الغاية الكبرى والمهمة الجسيمة التي أمر الإنسان بتنفيذها على الوجه التي أرادها المشرع الحكيم، ورغب إليها سبحانه وحث على إتيانها.
قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ)(9)، والله سبحانه في غاية الخلق أراد الإكرام لعباده من خلال إثابتهم و(تعريضهم للثواب، لا يحصل إلا بأداء العبادات، فصار كأنه سبحانه خلقهم للعبادة، ثم إنه إذا لم يعبده قوم لم يبطل الغرض، ويكون كمن هيأ طعاماً لقوم ودعاهم ليأكلوا، فحضروا ولم يأكله بعضهم، فإنه لا ينسب إلى سفه ويصح غرضه، فإن الأكل موقوف على اختيار الغير، وكذلك المسألة فإن الله إذا أزاح علل المكلفين من القدرة، والآلة، إلا ليقروا بالعبودية طوعاً وكرهاً)(10).
فيبدو جلياً الحث القرآني على أهمية الإتيان بالعبادة والالتزام بها، ومن ذلك نلحظ قول الإمام الرضا(عليه السلام) وهو يربط نعمة الرزق بإتيان العبادة المفروضة مع الله سبحانه، وذلك عند تفسيره لقوله تعالى: (فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا)(11): إذ قال(عليه السلام) في تفسيرها: (الملائكة تقسم أرزاق بني آدم ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، فمن ينام فيها ينام عن رزقه)(12).
فالإمام(عليه السلام) يوضح أن الله سبحانه غني عن العباد، وأنه لم يأمرهم بالعبادة لاحتياجه إليها، بل إن منفعة العبادة عائدة إلى الإنسان، وذلك بما تضفيه عليه من آثار دنيوية، ومصداق ذلك نلمسه في الحرمان الذي يصيب الإنسان الممتنع عن الإتيان بالعبادات، ولعل دقة تعبير الإمام(عليه السلام) عن الأمر المحروم منه بالرزق، يوحي بعموم هذه الكلمة، وسعتها الشاملة للدارين بكل ما يفهم من نعيم، وهكذا يخاطب الإمام(عليه السلام) النفس الإنسانية ويحثها على إتيان العبادات لتحقيق الصلة مع خالقها وتهذيب غرائزها وتقييد جماحها، ومن ثم تسمو عن رذائل الأخلاق، وتتحلى بشمائل الصفات، وتتجسد فيها تلكم الآثار المتنوعة التي تفضيها سائر العبادات الأخرى وتتكامل في صناعة الإنسان بعد أن يحدث التفاعل الحقيقي من حيث النسبة والقول والعمل.
فالواجب على كل إنسان مسلم إذا ما رام تربية نفسه أن يعلم أنه ما خُلق إلا للعبادة، وأن وقته يجب أن يكون في عبادة، سواء ما كان في الشعائر التعبدية أو ما كان منه في المعاملات أو في سائر سلوكياته وأفعاله و(السبيل الصحيح الوحيد هو أن تتحول كل الفعاليات الحياتية المختلفة في ظل القصد والنية إلى عبادة، وتمنح وجهة تكاملية، لكي لا تذهب أي طاقة من طاقات الإنسان هدراً)(13) وتكون قرب إلى الله تعالى.
ولكي تؤتي هذه العبادة أثرها التربوي وتجني ثمارها الظاهرية فبالإخلاص في النية لله سبحانه وتعالى، إذ الإخلاص هو(أساس الدين ودعامته التي يرتكز عليها في عملية تثبيت الإنسان في خط الإيمان والانفتاح على الله تعالى)(14).
وفي بيان أهمية تربية الإنسان الروحية وعظم ارتباط العمل بالنية، وأن العمل هو ترجمان النية يقول الإمام الرضا(عليه السلام): (لا عمل إلا بالنية)(15)، فلا يمكن أن تقبل الأعمال ويثاب عليها الإنسان إلاّ إذا كان قاصداً بهذا العمل القربة إلى الله تعالى، بل إن النية تكون أفضل من ذات العمل العبادي، وهذا ما نلحظه في قول النبي(صلى الله عليه وآله):
(نية العبد خير من عمله)(16).
فالعبادة تحتاج – كما تقدم – إلى خلوص في النية ولا يمكن أن يكون هناك عمل إلا ومعه نية تقرب إلى الله سبحانه وتعالى، وإذا ما تكاسل الإنسان عن بناء روحه وتجاهل النية وإخلاصها وقع في المحذور، وتحول أجر عمله من الثواب إلى العقاب مع كون العمل هو ذات ظاهر العمل، إلا أن النية أصابها الانحراف من أن تكون متوجهة إلى الله سبحانه والقرب منه إلى غيره ممن لا يضر ولا ينفع، وهذا ما قرره الإمام(عليه السلام) ونقرأه في فكره الشريف، إذ يقول محذراً من الرياء والسمعة: (اعملوا لغير رياء ولا سمعة فإنه من عمل لغير الله وكَّله الله إلى ما عمل، ويحك ما عمل أحد عملاً إلا أراد الله به إن خيراً فخيراً وإن شراً فشراً)(17).
ومن ذلك ما نلحظه في قوله تعالى:(يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللهَ إِلاَّ قَلِيلاً)(18)، فهذا ذم من الله سبحانه إلى الذين اختلط عملهم من جرّاء فساد نيتهم، وهذا الفساد ينم على أن إيمان هؤلاء إنما هو إيمان شكلي ظاهري غير نابع من ذات نفوسهم لما شاب النية من انحراف عن نية الإخلاص والقرب من الله سبحانه. يقول الشيخ الطوسي (ت460هـ) في تفسيرها: (يعني أن المنافقين لا يعملون شيئا من أعمال العبادات التي أوجبها على المؤمنين على وجه القربة إلى الله ، لأنهم غير موقنين بها ، ولا أن لهم عليها ثوابًا أو عقابًا)(19).
ونلحظ التأكيد على ضرورة إخلاص النية في القرآن المجيد في قوله تعالى: (فَادْعُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ)(20)، فهذا الإخلاص بالنية شرط لتحقق الدعوة إلى الله سبحانه – والدعوة إلى الله لا تقف على حد القول، فالأعمال أيضاً دعوة إلى الله سبحانه – وأن الإخلاص عامل أساس في قبول الأقوال والأعمال، كما أن عوامل الانحراف عن النية وخلوصها كثيرة كان التأكيد من (ربنا على ضرورة الإخلاص له في الاعتقاد بعيداً عن كل عوامل الشرك، ولأن الضغوط التي يواجهها المؤمن، الاجتماعية منها والسياسية والاقتصادية من قبل الآخرين من أهم تلك العوامل وأبلغها أثراً خصصها بالذكر)(21) للمحافظة على صلاح أعماله والانتفاع من ثمارها على صعيد حياته اليومية، فيعمل على مجاهدة نفسه وتلكم الضغوطات ويسمو بها.
إذن للعبادة ثمار تربوية على الإنسان، وإن هذه العبادة لا يتحقق الرجاء منها! إلّا إذا كانت خالصة النية لله تعالى، والنية تجعل من الأعمال المباحة أعمالاً عبادية يثاب عليها الإنسان إذا قصد من وراء هذا العمل القرب من الله تعالى وعبادته سبحانه، وقد أكَّد هذا المعنى الإمام علي بن موسى الرضا(عليه السلام)، وحث على وجوب هذا الترابط بين العمل والنية، وأن الأعمال وإن كانت موفية لشروطها في الظاهر تكون فاسدة عديمة الجدوى إذا كانت منحرفة النية، ومن ثم يعاقب الإنسان على أعماله المنصوص عليها، بما شاب هذا العمل من رياء أو نفاق وما شاكل ذلك، فكان(عليه السلام) (ينطلق في حلمه وعفوه وعطفه على المساكين والمعذبين من أصالة الخير التي انطوت عليها نفسه كان ينطلق منها ومن إحساسه بأن العطاء ليس معروفاً فقط يسديه الإنسان لسائله وللمعوزين بل هو بالإضافة إلى ذلك شكر للمعروف الذي حباه الله به)(22)،

وبهذا المعنى المفهوم من فكر الإمام(عليه السلام) تُهذب النفس الإنسانية، وتعنى بالنية التي هي أساس العمل، فأي عمل لا يبنى على أساس متين يكون هشًا ووبالًا على صاحبه ويحرم من الرزق بمفهومه الواسع الذي أشار إليه الإمام(عليه السلام).
وبكلمة.. التربية تمثل الركن الأساس لعملية الإصلاح ووسيلة مهمة لتحقيق أهداف المجتمع وفق فلسفته التي يتبناها، وإن القرآن الكريم وسنة المعصوم الركيزة الأساس لهذه الأهداف. وإن التربية الروحية واقعية في أهدافها التربوية لدى الإمام(عليه السلام)، ومنسجمة مع طاقات الإنسان وسهلة التحقق في الميدان العملي.

نشرت في العدد 51


(1) الكافي ، الكليني ، 1/496.
(2) سورة البقرة ، 222.
(3) سورة النساء ،17-18.
(4) عزيز الله عطاردي، مسند الإمام الرضا(عليه السلام)، 1/341.
(5) ناصر مكارم الشيرازي، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل ، 3/108.
(6) قال الإمام جعفر الصادق(عليه السلام): (قال رسول الله(صلى الله عليه وآله):
لما اسري بي إلى سماء إلى السماء دخلت الجنة فرأيت فيها ملائكة يبنون لبنة من ذهب ولبنة من فضة وربما امسكوا فقلت لهم مالكم ربما بنيتم وربما أمسكتم فقالوا تجيئنا النفقة فقلت لهم وما نفقتهم؟ فقالوا: قول المؤمن في الدنيا سبحان الله، والحمد لله، ولا اله إلا الله، والله أكبر. فإذا قال بنينا وإذا امسك امسكنا)، المجلسي، بحار الأنوار، 90/169.
(7) روح الله الخميني ، الأربعون حديثاً ، ص 162
(8) أبو القاسم الخوئي، البيان في تفسير القرآن، ص501، ظ: محمد حسين الطباطبائي،الميزان في تفسير القرآن، 18/315.
(9) سورة الذاريات ، 56-58.
(10) الطبرسي ، مجمع البيان في تفسير القرآن، 9/193.
(11) سورة الذاريات ،4.
(12) الصدوق، من لايحضره الفقيه، 1/504.
(13) محمد تقي مصباح اليزدي ، العودة إلى الذات، ص 89.
(14) ناصر مكارم الشيرازي، الأخلاق في القرآن، 1/232.
(15) المجلسي ، بحار الأنوار ، 81/37.
(16) المجلسي ، بحار الأنوار ، 67/210.
(17) المجلسي ، بحار الأنوار ، 15/43.
(18) سورة النساء ، 142.
(19) التبيان ، 3/348.
(20) سورة غافر ، 14.
(21) محمد تقي المدرسي ، من هدى القرآن ، 8/215.
(22) هاشم معروف الحسني، سيرة الأئمة الاثني عشر، 2/352.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.