Take a fresh look at your lifestyle.

فاطمة الزهراء(عليها السلام) في صحيح البخاري

0 380

البخاري وصحيحه:
محمد بن إسماعيل البخاري شخصية لامعة في سماء المسلمين الذين يشهد لهم التاريخ بالذكاء والخبرة، في تهذيب الأحاديث النبوية الشريفة. وصحيحه أكبر شاهد عند المسلمين الذين اتخذوه بعد كتاب الله تعالى دستوراً في حياتهم، فقد قال عنه أبو عبد الله الحاكم: (محمد بن إسماعيل البخاري إمام أهل الحديث)(1) وقال عنه: محمد بن إسحاق بن خزيمة: (ما رأيت تحت أديم السماء أعلم بحديث رسول الله(صلى الله عليه وآله) وأحفظ له من محمد بن إسماعيل)(2).
وقال أبو عيسى الترمذي: لم أرَ بالعراق ولا بخراسان في معنى العلل والتأريخ ومعرفة الأسانيد أعلم من محمد بن إسماعيل(3).
هذا ما قاله مريدو البخاري فيه، وأما ما قالوه في صحيحه، بعد أن اعتبروه من أفضل الكتب التي نالت شهرة عظيمة في بلاد الإسلام وذلك لما امتاز به من جمع الأحاديث النبوية وتبويبها وتهذيبها حسب اعتقاد مؤلفه كي لا يذهب المسلمون يميناً أو شمالاً، ولكي يكون لهم مرجعاً يرجعون إليه، فكان لصحيحه الحظ الأوفر في المرجعية إليه.
فقد قال النووي: روينا من جهات عن البخاري (رحمه الله تعالى) قال: صنفت كتاب الصحيح لست عشرة سنة، خرجته من ستمائة ألف حديث وجعلته حجة بيني وبين الله عزّ وجل(4).
وقال النووي: قال البخاري: ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صحّ فتركت من الصحاح لحال الطول(5).
وقال النووي: روينا عن عبد القدّوس بن همّام: سمعت عنده من المشايخ يقولون: حول البخاري تراجم جامعة بين قبر النبي(صلى الله عليه وآله) ومنبره، وكان يصلي لكل ترجمة ركعتين(6).

السيدة فاطمة الزهراء والبخاري:
روى البخاري في صحيحه في حق سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء(عليها السلام) أحاديث عديدة،أهمها:
بسندٍ عن المسور بن مخرمة: أن رسول الله(صلى الله عليه وآله) قال: فاطمة بضعة مني، فمن أغضبها أغضبني …)(7) .
فذكرها البخاري في باب مناقب فاطمة، وفي مناقب رسول الله(صلى الله عليه وآله)
الحديث الشريف.
إن النبي(صلى الله عليه وآله) بيَّن في هذا الحديث أمرين ينبغي الاهتمام بهما ألا هما:
أولاً: إن السيدة الزهراء(عليها السلام) هي بضعةٌ من الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله) وهو جزءٌ لا يتجزّأ من النبوة.
ثانياً: غضبها هو غضبٌ للنبي
الأكرم(صلى الله عليه وآله).
ولأجل ذلك لابد من بيان أمور تتعلق بالحديث الشريف قبل معرفة هذين الأمرين.
1ـ إن النبي(صلى الله عليه وآله) اختاره رب العالمين من بين سائر البشر ليكون للعالمين بشيرًا ونذيرًا. قال تعالى (…إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً).
2ـ الاختيار الإلهي: حتى لا يدخل الشك أو الريب إلى أحد في اختيار تلك الشخصية ـ سواء كان من ناحية السلوك أم الوجود أم الأفعال أم غيرها.
3ـ إن كل ما ينطقه أو يفعله النبي
الأكرم(صلى الله عليه وآله) إنما هو بأمر من السماء ووفق ما تحتاج إليه البشرية.
4ـ إن ما ذكره النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) ليس لأجل عاطفة أو دافع خاص كأن يمدح شخصاً أو يذمه، وإنما يقول ما يستحقه الشخص من الثناء أو الذم.
5ـ إن ثمة من يطعن في شخصية الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله)، ظنًا منه أن هناك دوافع وأهواء تدفعه في سبيل إرضاء طرفٍ على طرف أو إنسان على آخر.

مع الحديث الشريف:
ورد في الحديث الشريف قوله(صلى الله عليه وآله): (فاطمة بضعة مني…) فما المقصود من البضعة؟
ذكر الجوهري في الصحاح: أن البضعة هي القطعة من اللحم، هذا بحسب أهل اللغة لكن هل يا ترى ما قاله النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله)
أن السيدة الزهراء هي قطعة منه أم إن هنالك شيئاً آخر؟
يبدو أن من السذاجة بمكان أن يحدّث النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) أصحابه ويشاع بين المسلمين أن السيدة الزهراء هي قطعة منه، وإنما قد يكون قد رمى شيئاً آخر ألا هو: أن هذا الجزء لا يتجزأ منه بحيث ينبغي صيانته من الآلام والمحن والكروب ولعل ذلك ما كان ينبه عليه لأن كل من ينتمي إليه ينبغي أن لا يعرض عنه أو يتجاهل حقه. لأنه المبعوث رحمة للعالمين بحيث إن وجوده هو الأمان لأهل الأرض. قال تعالى (وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) كما أن وجود الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله) من الرحمة الموصولة والسبب بين السماء والأرض فإن مات أو قتل(صلى الله عليه وآله) فإن هناك جزءًا باقيًا ينبغي الحفاظ عليه والرجوع إليه والاهتمام به من ناحية التعاليم السماوية التي تتعلمها الأمة الإسلامية منها.
والأمر الآخر هو أن ذلك الجزء لا يتجزّأ من الوحي الإلهي. ولذا كان الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله) إذا همَّ بالسفر فكان آخر بيت يودعه بيت الزهراء(عليها السلام) وأول بيت يدخله في المدينة بيت الزهراء(عليها السلام) وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على الأهمية التي كان يوليها(صلى الله عليه وآله) لهذه البضعة الطاهرة التي نزل في حقّها وحقّ زوجها وولدها (…إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً).
فهي التي أبت أن يدنو إليها الريب والرجس الشيطان فكانت أعظم امرأةٍ عرفها التاريخ الإسلامي من فجر الإسلام إلى آخر الدهور.

غضب فاطمة(عليها السلام):
ما المقصود من الغضب؟ قال الجوهري في صحاحه عن ابن السكيت: الغضب: الأحمر الشديد الحمرة ويقال: أحمر غضب(8).
والظاهر من هذا الكلام هو آثار الغضب التي تظهر على محيّا المرء حينما تأبى نفسه السكون بسبب ما آثاره من الحفيظة.
لكن ما المقصود من الحديث الشريف (فمن أغضبها أغضبني) فهل المقصود في كل شيء يغضب السيدة فاطمة(عليها السلام) يغضب رسول الله(صلى الله عليه وآله) أم في الأحكام الإلهية؟
إن الحديث الشريف لم يشر إلى تخصيص شيء بحيث إذا غضبت فقط عليه أوجب غضبها غضب رسول الله الأعظم(صلى الله عليه وآله). وذلك لأن كل ما يوجب الغضب من السيدة الزهراء(عليها السلام) جاء نتيجة مؤثرات من قِبل الآخرين أوجب عليهم العقوبة، ولذا ينبغي تجنب كل ما يغضب هذه المرأة العظيمة التي هي امتداد للنبوة ورحمة للعالمين.

غضب السماء:
إن مما لا ينبغي تجاهله هو أن غضب الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله) هو غضب السماء وهذا واضح من الآية الكريمة. قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُّهِيناً).
ولذا فإن الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله) حينما منح السيدة فاطمة(عليها السلام) هذه الخصوصية لم تكن من دواعي المحبة فقط أو داعي الأبوة أو غيرها، وإنما لما استحقته من مكانة سامية بحيث كان غضبها هو غضب السماء.

غضب الرسول(صلى الله عليه وآله) حقاً:
فقد غضب رسول الله(صلى الله عليه وآله) حينما كان يأتي المسلمون إليه ويحاولون أن يجابهوه بأقسى الألفاظ والأفعال التي تنم عن الجهل منهم.
وبسندٍ عن أبي موسى الأشعري قال: سئل رسول الله(صلى الله عليه وآله) عن أشياء كرهها فلما أكثروا عليه المسألة غضب. وقال: سلوني. فقام رجل فقال: يا رسول الله مَنْ أبي؟ قال: أبوك حذافة، ثم قام آخر فقال: يا رسول الله مَنْ أبي؟ فقال(صلى الله عليه وآله): أبوك سالم مولى شيبة. فلما رأى عمر ما بوجه رسول الله(صلى الله عليه وآله) من الغضب قال: إنا نتوب إلى الله عزّ وجل(9).
وبسندٍ عن أبي مسعود قال: قال رجل: يا رسول الله إني لأتأخر عن الصلاة في الفجر مما يطيل بنا فلان فيها، فغضب رسول الله(صلى الله عليه وآله) ما رأيته غضب في موضع كان أشد غضباً منه يومئذٍ، ثم قال: (يا أيها الناس إن منكم منفرين، فمن أمّ الناس فليتجوّز، فإنه خلفه الضعيف والكبير وذا الحاجة …)(10).
إن هذين الحديثين يدلان على خوفه(صلى الله عليه وآله) ومحبته للمسلمين بحيث لم يرغب أن تتخذ تلك الأعمال مساراً لمشقة المسلمين، وهذا ما نبه عليه القرآن الكريم لما قال تعالى: (…يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ…).

غضب السيدة فاطمة(عليها السلام):
وقد غضبت السيدة فاطمة(عليها السلام) حينما لم يهتم بقضيتها المسلمون حتى استشهدت. فقد قالت عائشة: (إن
فاطمة(عليها السلام) بنت النبي(صلى الله عليه وآله) أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول الله(صلى الله عليه وآله) مما أفاء الله عليه بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر فقال أبو بكر: إن رسول
الله(صلى الله عليه وآله) قال: (لا نورث ما تركناه صدقة، إنما يأكل آل محمد(صلى الله عليه وآله) في هذا المال) وإني لا أغير شيئاً من صدقة رسول الله(صلى الله عليه وآله). عن حالها التي كان عليها في عهد رسول
الله(صلى الله عليه وآله) ولأعملنَّ فيها بما عمل به رسول الله(صلى الله عليه وآله) فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئاً، فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك فهجرته فلم تكلّمه حتى توفيت…)(11).
إن حديث السيدة عائشة أن السيدة فاطمة(عليها السلام) قد هجرت أبا بكر فلم تكلّمه وغضبت عليه نتيجة لما حصل من موقف منه اتجاهها يدل بصراحة أن ذلك الموقف لم يكن يوافق مع موقف النبي(صلى الله عليه وآله) لما قال: (فاطمة بضعة مني، يغضبني ما أغضبها).

نظـــرة:
إن ما قاله النبي(صلى الله عليه وآله) في حق سيدة نساء العالمين يعتبر من الأمور التي لا تقبل النقاش فيها أو التراجع عنها. كما أن ذلك يعدُّ من الذين يؤذون المؤمنات والسيدة فاطمة(عليها السلام) هي سيدة نساء المؤمنين الذين قال عنهم القرآن الكريم: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً).
ولأجل ذلك ينبغي التأمل في كل موقف وقفت فيه سيدة نساء العالمين(عليها السلام) وسلب حقها!!
كما ينبغي التنبه إلى ما يوحيه حديث النبي(صلى الله عليه وآله) من دلالات لا يمكن إنكارها لأن ذلك يوجب الطعن بالنبوة وما أمرته السماء من أوامر يجب على المسلين امتثالها.
والحمد لله رب العالمين والصلاة على محمد وآله الطاهرين .

نشرت في العدد 50


(1) تهذيب سير أعلام النبلاء ـ ج1ـ ص480.
(2) تهذيب سير أعلام النبلاء ـ ج1ـ ص480 .
(3) تهذيب سير أعلام النبلاء ـ ج1ـ ص480 .
(4) مقدمة صحيح البخاري ـ بقلم محمود حسن نصار ـ ص9.
(5) مقدمة صحيح البخاري ـ بقلم محمود حسن نصار ـ ص9.
(6) مقدمة صحيح البخاري ـ بقلم محمود حسن نصار ـ ص9.
(7) صحيح البخاري ـ ص678ـ ح3714ـ باب مناقب قرابة رسول الله(صلى الله عليه وآله).
(8) الصحاح الجوهري ص849.
(9) صحيح البخاري محمد بن إسماعيل البخاري ص766ـ ح4241.
(10) تاريخ الأمم والملوك ـ الطبري ج3ـ ص127.
(11) صحيح البخاري محمد بن إسماعيل البخاري ج5 ص82.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.