Take a fresh look at your lifestyle.

المناهج التربوية في الإسلام

0 229

     التربية

          هي: (الجهود التي يبذلها الإنسان قصدًا لإحداث تغيرات مرغوب فيها في البيئة المادية والاجتماعية)(1).

         والتربية الإسلامية تعني (إعداد الفرد المسلم إعدادًا كاملًا من جميع النواحي في جميع مراحل نموه للحياة الدنيا والآخرة في ضوء المبادئ والقيم وفي ضوء أساليب وطرق التربية التي جاء بها الإسلام)(2).

          وينبغي أن تكون المناهج التربوية في الإسلام مبنية على القيم الإسلامية السمحة والعقيدة الإسلامية الحقة وفق المنظور الإسلامي الذي ينتج من تنفيذه إعداد الفرد المسلم كي يسلك سلوكًا يتفق وعقيدة الإسلام.

   أهداف المناهج التربوية الإسلامية:

         مما لا لبس فيه فإن المناهج التربوية الإسلامية جمعت بين تأديب النفس وتصفية الروح وتثقيف العقل وتقوية الجسم. دون تضحية بأي منها على حساب الآخر. وفي هذا يتضح أن هذه التربية قد وازنت بين حاجات المتعلم الروحية والمادية، فالفهم الإسلامي لهدف التربية، هو إعداد الفرد ليكون نافعًا في مجتمعه ونفسه وسعيدًا في دنياه وآخرته. فالأهداف العامة تتصف بأمرين(3):

 الأول:

           أنها تبدأ بالفرد وتنتهي بالمجتمع الإنساني عامة.

 الثاني:

          أنها تبدأ بالدنيا وتنتهي بالآخرة، بأسلوب متكامل متناسق.

          ففي الأمر الأول يتم إعداد الفرد المسلم في طريق التقدم، وفي نهاية الأمر يهيئ الفرد نفسه للحياة الاجتماعية السعيدة.
والثاني يتبنى تنمية وترسيخ العقيدة الإسلامية عند الفرد المسلم وتحقيق العبودية لله تعالى. ولذلك فإن الإسلام قد وضع لنا عناصر للمناهج في:

 المؤسسات التعليمية:

         وتمثل حجر الزاوية في العملية التعليمية.

        وقد تطرقت هذه العناصر لجميع التغيرات المتوقع حدوثها في جوانب النمو في الفرد المسلم. ونجد أن الإسلام اعتبر أن خطوة وضع الأهداف بصورة سليمة حسب متطلباته يساعد على تصميم معيار مناسب لاختيار المحتوى والخبرات وطرق التدريس ووسائله والنجاح بعد ذلك في التقويم، وبذلك يصل الفرد المسلم المتعلم إلى هدف التربية الأساس ألا وهو سعادته في الدنيا والآخرة.

       وأحسب أنه في عصرنا هذا فإن المدارس والجامعات أصبحت غير قادرة على إعداد الشباب الناشئ للحياة في عالم سريع التحول والتغير. ولذلك فإن العمل المستمر الإضافي للتربية خارج النطاق المدرسي، يجب أن يكون متواصلًا في صورة نشاطات حية على جبهة عريضة واسعة في المستويات كافة.

        فالتربية الإسلامية تمتاز عن التربية الغربية الحديثة بالهدف البعيد الذي يحفظ للفرد المسلم سمو روحه وعزَّة نفسه ونشاط جسمه وسلامة نموه الفكري والعلمي والعقلي. فالهدف البعيد يرنو إلى العلاقة الاجتماعية بين أفراد المجتمع وبينهم وبين الخالق عز وجل وبالتالي يكون الهدف هو الراعي المسلم في جميع أجزاء تكوينه الجسمي والعقلي والروحي والنفسي.

        وبالتالي السلوك السوي. كما أن استمرار تطور سبل حياة الإنسان وازدياد المعرفة أو انفجارها أدى إلى تطور معنى المنهج، مما أدى إلى تطور المفاهيم التربوية الأخرى. وقد اختلف المربون في التفاعل مع المنهج تبعًا لذلك ارتكازًا على عدة عوامل منها(4):

    التطور الذي حدث في مفهوم المعرفة، مما أدى إلى التغيير الواسع الذي طرأ على فلسفة التربية في المجتمعات المختلفة. وحسب درجة تطور المعرفة في المجتمع المعلوم وضعت فلسفة التربية لذلك المجتمع.

    التطور والتغير الذي حدث في أحوال المجتمعات في العصر الذي يعيشون فيه، مما أدى إلى وجود متطلبات متغيرة للمجتمع، تبعًا لميولهم ورغباتهم واهتماماتهم، للوصول إلى حاجاتهم.

    التطور الكبير الذي حدث في عملية التعليم والتعلم نتيجة التوسع في دراسة سيكولوجية الطالب وجوانبه المختلفة لربط مايتعلمه في مجتمعه بما يدرسه في المؤسسة التعليمية لمواكبة ما يحدث وما يتطلبه المجتمع لحياته.

    النتائج المستمرة يومًا بعد آخر والتي تتوصل إليها البحوث والتجارب العلمية في علم النفس التربوي خاصة والتربية عامة. وقد أظهرت هذه الدراسات أهمية نمو الفرد حسب متطلبات نمو المجتمع والتي تتغير حسب المجتمع المتغير باستمرار.

  عناصر المناهج في التربية الإسلامية:

         يمكننا بيان عناصر المناهج التربوية الإسلامية كما يلي(5):

   1ـ الطالب: هو مركز الاهتمام في هذا المنهج، وليست المادة الدراسية التي يجب أن تأتي في المرتبة الثانية. فالمنهج يجب أن يساعد الطلاب على النمو المتكامل من جميع الجوانب، كما يساعد على اكتشاف استعداداتهم وقدراتهم وميولهم ورغباتهم وتأهلهم بذلك للوصول إلى حاجاتهم. فالطالب يعيش في جو يوجهه فيه الأساتذة ويرشدونه، ويكون هذا الطالب إيجابيًا ونشطًا يختار ما يناسبه من المادة الدراسية التي يشعر أنه بحاجة إليها، إما أنه يتدرب على التعاون مع زملائه وعلى النقد البناء وتحمل المسئولية، وإما أن يعتمد على نفسه ويثق بها، كما أن هذا المنهج ينمي فيه الميل إلى البحث والاطلاع وينمي فيه أيضًا الإقدام والابتكار والتطبيق والاستنباط. ولا ننسى أن يراعي المنهج الفروق الفردية.

         فقد ورد عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) (مَنْهُومَانِ لَا يَشْبَعَانِ طَالِبُ دُنْيَا وطَالِبُ عِلْمٍ)(6) والذي يهمنا هو الأول دون الثاني.

  2ـ الموضوع: يجب أن يهيئ الفرصة أمام الطلاب للاستفادة من أوقات فراغهم فيما ترتضيه عقيدتهم الإسلامية كما يستفيدون منه في نموهم الاجتماعي الذي يشعرون فيه أنهم ينتمون إلى الجماعة التي تحترمهم ويحترمونها في أوجه النشاط الاجتماعي المختلفة.

        وهذا الشعور بالاطمئنان في المجتمع والشعور بالانتماء يقودان الطالب إلى الاتزان النفسي والنمو المتكامل الذي هو هدف التربية الإسلامية، فقد ورد عن الامام علي (عليه السلام): (خُذوا مِنَ العِلمِ ما بَدا لَكُم، وإيّاكُم أن تَطلُبوهُ لِخِصال أربَع: لِتُباهوا بِهِ العُلَماءَ، أو تُماروا بِهِ السُّفَهاءَ، أو تُراؤوا بِهِ فِي المَجالِسِ، أو تَصرِفوا وُجوهَ النّاسِ إلَيكُم لِلتَّرَؤُّسِ)(7).

  3ـ جميع الخبرات والمعلومات التي توضع على شكل مواد دراسية: يجب أن تبحث هذه الخبرات والمعلومات في جوانب حياة الأفراد المختلفة في المجتمع. مثل الحياة السياسية والاقتصادية والقانونية والأمنية والدينية والصحية والترفيهية…الخ. لذا وجب توضيح العلاقات التأثيرية المتبادلة بينها جميعًا من جانب، وبينها وبين التربية من جانب آخر.

         ولا بد أن يوضع كل ذلك على شكل مترابط ومتصل ترابطًا واتصالًا منطقيًا لبيان هذه العلاقات التأثيرية المختلفة بين هذه النظم جميعًا.

         إن النظام التربوي يجب أن يستمد أهدافه ومادته ووسائله من النظم الاجتماعية المختلفة منفردة ومجتمعة، ومن أهدافها ومن ثقافاتها ومن أنشطتها المختلفة وعقيدتها. وبما أن هذا الترابط مهم، فكان لابد من وضع المعلومات والخبرات على شكل مواد دراسية مترابطة ليس بينها فواصل ما دامت كلها تبحث في أمور حاجات المجتمع، فقد ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قوله: (لا فِقهَ لِمَن لا يُديمُ الدَّرسَ)(8).

  مما سبق نستنتج أن الاهتمام عند وضع الخبرات والمعلومات للطالب يجب أن ينصب على النواحي الاجتماعية والبيئية بالصورة التي تجعل من الطالب مرتبطًا بها ومدركًا لجميع ما يحيط بها.

   5ـ العلاقة بين المؤسسة التعليمية والمجتمع والأسرة: يجب أن تكون هذه العلاقة علاقة تعاون لأن الهدف واحد، هو تنمية الطالب التنمية الكاملة والمتكاملة من جميع جوانبه، فعن أمير المؤمنين (عليه السلام): (اعمَلوا بِالعِلمِ تَسعَدوا بِه)(9).

  6ـ طريقة التدريس: لتحقيق ما سبق كان لابد من إيجاد طريقة تدريس تناسب الوصول لهذا الهدف، والطريقة المناسبة هي أن تكون الدراسة من خلال نشاط الطلاب الذي يقوم على خبراتهم الذاتية المبنية على أفكار وخبرات لديهم اكتسبوها سابقًا بنفس الطريقة.

         هذا النشاط الذي يقوم به الطلاب يتيح لهم القيام بدور إيجابي وفعال إلّا أن الأمر السليم ألّا يُطلب العلم إلّا عن طريق أهل البيت (عليهم السلام)، فقد ورد عن الإمام الباقر (عليه السلام) قوله لِسَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ والْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ: (شَرِّقَا وغَرِّبَا فَلَا تَجِدَانِ عِلْماً صَحِيحاً إِلَّا شَيْئاً خَرَجَ مِنْ عِنْدِنَا أَهْلَ الْبَيْتِ)(10).

  7ـ الأستاذ: ويتميز دوره بالإرشاد والتوجيه للطلاب والعملية التربوية فضلًا عن التعليم. وأيضًا على الأستاذ أن يشجع الطلاب جميعهم على تقديم اقتراحات فيما يدرسونه، ويسمح لهم بحرية الحركة والكلام ما دام هذا لايؤدي إلى تعطيل سير النشاط والتعليم، ويدربهم على ما يناسبهم من أساليب النقد البناء. واستثمار المواهب، ومع كل ذلك يجب على الأستاذ أن لا يكون مغرورًا بنفسه فقد ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): (مَن قالَ أنا عالِمٌ فَهُوَ جاهِلٌ)(11).

  أسس المنهج التربوي:

           لكل شيء أساس، وأسس المناهج التربوية يمكن استخلاصها كما يأتي:

   1- الأساس المعرفي: الأساس المعرفي في الإسلام، ويعني النظرة الإسلامية لجميع أنواع معارف العلوم التي يجب أن يتعلمها الفرد المسلم أو الجماعة حسب فائدتها ودرجة نفعها لهم مع عدم معارضتها للتعاليم الإسلامية التي تنطلق منها.

          لهذا فطبيعة المعرفة التي تكوّن المنهج تكون مستلة من التعاليم الإسلامية المستندة إلى الكتاب العزيز والسنة الصحيحة للنبي (صلى الله عليه وآله) وآله (عليهم السلام)، فقد ورد عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله): (العِلمُ أكثَرُ مِن أن يُحصى، فَخُذ مِن كُلِّ شَيءٍ أحسَنَهُ)(12).

   2. الأساس الفكري: جاءت الشريعة مكتملة الجوانب لبناء الإنسان المسلم الذي يعمل لإسعاد نفسه ومجتمعه. فقد ضمنت تعاليم الإسلام العقيدة والعبادة وتشريع الحكم والفقه ونظام الأسرة والمجتمع وجميع ميادين الحياة وفق التصورالإسلامي.

          فالإسلام بهذه المفاهيم هو أيدلوجية المجتمع المسلم، وهو عقيدة الفرد والجماعة وهو توجيه وتشريع. وهذا هو الأساس الفلسفي للتربية الإسلامية الذي ينادي بعبادة الله – سبحانه وتعالى – والإيمان بوحدانيته وهو الذي خلق الإنسان وأكرمه، قال تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ)(الإسراء: 70)، واستخلفه في الأرض لتعميرها عالمًا بأن الأرض والكون جميعه مسخر للإنسان، كما أنه عامل هام وميدان واسع وأن يكون العلم لله تعالى،

          فقد ورد عن الرسول محمد (صلى الله عليه وآله): (من تعلم العلم لغير الله تعالى فليتبوأ مقعده من نار)(13).

   3- الأساس النفسي: اهتمت التربية الإسلامية بعلم النفس حتى تكتشف مقدرات واهتمامات وميول ورغبات المتعلم، كي تتوفر له الخبرات والمعلومات المناسبة له بغية أن يستفيد منها في العملية التربوية، وبهذا يوفر علم النفس أفضل الطرق لتعليم الفرد المسلم الذي يلبي حاجاته كافة في منظومة متوازنة.

 

         فعلم النفس يتعامل مع الإنسان ككائن حي يرغب ويحس ويدرك وينفعل ويتعلم ويتخيل ويفكر ويعبر ويريد ويفعل مع تأثيره بالمجتمع الذي يعيش فيه كما يؤثر هو أيضًا في ذلك المجتمع.

        واعتمادًا على هذا الأساس فإنه على الطالب أن لا يخوض في فن من فنون العلم دفعة واحدة، بل يراعي الترتيب، ويبتدئ بالأهم، فعن الإمام علي (عليه السلام): (لا يُحرِزُ العِلمَ إلاّ مَن يُطيلُ دَرسَهُ)(14).

       من هنا يتضح أن التربية يجب أن تقوم على أساس متكامل من القيم والمبادئ والأسس الإسلامية. والتي ينادي بها الإسلام والتي تسير شؤون الحياة. فعن الرسول (صلى الله عليه وآله): (خَيرُ العِلمِ ما نَفَعَ)(15).

 الخاتمة:

           بعدما اتضح مفهوم النظرية التربوية من منظور الحديث الشريف، وكنتيجة لكل مما تقدم نصل إلى ما يأتي:

   1ـ ضرورة أن يعالج كل من التربية والتعليم في ظل أهداف التربية الإسلامية التي تبني الفرد البناء الكامل المتكامل من جميع جوانبه بناءً متوازنًا، اعتمادًا على كتاب الله تعالى وسنة المصطفى (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته الأطهار (عليهم السلام) دون الاعتماد على نظريات الغرب، كونها قاصرة في بناء الفرد والمجتمع.

           قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا)(النساء:59)، وقد ورد في الحديث الشريف المتواتر: (إني مخلف فيكم الثقلين، كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض)(16).

   2ـ لابد من تشكيل لجان لإعداد المناهج التربوية والتعليمية وإقامة المؤتمرات وعقد الندوات لهذا الغرض، ووفق ما تقدم.

   3- يتضح أن هنالك توجهان لطبيعة المنهج، إذ أن التوجه الأول: هو مراعاة طبيعة الطالب، وهو توجه سيكولوجي، والتوجه الثاني: هو مراعاة طبيعة المجتمع وهو التوجه الاجتماعي، فالمنهج يجب أن يجمع بين الطالب والمجتمع دون فصل.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1) التربية والتعليم في الاسلام،67.
2) أسس التربية والتعليم في القرآن والحديث: محمد رضا فرهاديان، ص124.
3) م.ن/ص51.
4) التربية والتعليم في الإسلام/مرتضى المطهري، ص60.
5) م.ن.
6) الكافي/للكليني/ج1ص46.
7) الإرشاد/الشيخ المفيد/ ج1ص230.
8) عيون الحكم والمواعظ: الليثي الواسطي/ص537.
9) م.ن/ص89.
10) الكافي/للكليني/ ج1ص399.
11) البحار/للمجلسي/ ج2ص110.
12) تنبيه الخواطر/ورام بن أبي فراس المالكي/ج2ص334.
13) كنز العمال/المتقي الهندي/ ج10ص196.
14) عيون الحكم والمواعظ/ص450.
15) م.ن/ص237.
16) الأمالي/الشيخ الصدوق/ص616.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.