Take a fresh look at your lifestyle.

منهج أهل البيت(عليهم السلام) في حفظ السنة الشريفة

0 162

           للحديث الشريف مكانة خاصة عند أهل البيت(عليهم السلام) باعتباره النص التشريعي الذي تقوم عليه المؤسسة الدينية الإسلامية،  فهو المعتمد في تلقي تفاصيل الأحكام التشريعية بجميع أبعادها العملية والعقدية، وهو المبين للقرآن الكريم والمفسر لآياته الشريفة يفصل بين عامه وخاصه ومطلقه ومقيده ويبين المحكم من المتشابه، فهو الضامن لمنع تسرب البدع ومحدثات الأمور إلى الحالة الإسلامية أفراداً وجماعات.

لقد بذل أئمة أهل البيت(عليهم السلام)، وهم أمناء الله على حلاله وحرامه، جهوداً كبيرة في حفظ السنة الشريفة وروايتها ودرايتها جيلاً بعد جيل، وحرصوا على تنقيتها مما أصابها من التحريف والتشويه والتردي في أحضان البلاطات الحاكمة عندما أضحت السياسة هي المحرك للنص والمتحكم به بدلاً من الرواية الصحيحة والنقل الصادق، كما وقف أهل البيت(عليهم السلام) بوجه الأحاديث الموضوعة التي أنتجتها الانحرافات العقائدية المنبثقة من رحم المؤسسة السياسية، مستغلة ضعف الحصانة الفكرية للمجتمع وسقوط المؤسسة الدينية الرسمية في وحل السياسة ودهاليزها.

لقد نال التراث الحديثي للشيعة قسطاً وافراً من الإرهاب الفكري والسياسي الذي مارسته الأنظمة الجائرة ضد أهل البيت(عليهم السلام) وشيعتهم، فكان رواة الشيعة يتناقلون الحديث وسط أجواء من التقية المركزة والحذر الشديد من عيون السلطة وجواسيسها، وربما ألجأتهم التقية إلى ترك التحديث والاكتفاء بتناقل الكتب سراً، فقد روى الشيخ الكليني (ت328) في كتابه الكافي عن محمد بن الحسن بن أبي خالد شَينولة قال: قلتُ لأبي جعفر الثاني(عليه السلام): جعلت فداك إن مشايخنا رووا عن أبي جعفر وأبي عبد الله(عليهما السلام) وكانت التقية شديدة فكتموا كتبهم ولم تروَ عنهم، فلما ماتوا صارت الكتب إلينا فقال: (حدثوا بها فإنها حق) (الكافي: 1/53)، ولعل كثيراً من تلك الكتب التي عبثت بها بوائق الدهر تلفت أما بيد السلطة بسبب المصادرة أو بيد أصحابها خوفاً من المصادرة وعواقبها! فقد حدثنا التاريخ أن المحدثة الشيعية (سعيدة بنت أبي عمير) شقيقة الثقة الجليل محمد بن أبي عمير (ت217) دفنت كتب أخيها سراً حتى أصابها التلف إثر أعتقال أخيها لأربع سنوات من قبل السلطات العباسية الغاشمة بعد استشهاد الإمام الرضا(عليه السلام)، فكان محمد بعد خروجه من السجن يحدث مما بقي في ذاكرته من أحاديث ويرسلها دون إسناد، وقد اشتهر بين المحدثين الاعتماد على تلك المراسيل (رجال النجاشي: 326).

إن من حق الشيعة اليوم أن يفتخروا بأئمتهم وبسلفهم الصالح من الرواة ممن حملوا على عاتقهم نقل الأمانة كابراً عن كابر حتى أوصلوا لنا هذا التراث الضخم من الكتب والأصول والمصنفات الحديثية وسط تلك الموجة الهوجاء من الإرهاب السياسي والفكري الذي مارستها السلطات الحاكمة ومؤسساتها الدينية بحق رواة ومحدثي الشيعة، وبالدرجة الأولى بحق الأئمة(عليهم السلام) الذين تعرضوا لحملة اغتيالات منهجية منظمة وهم في زهرة شبابهم مما اضطر إمامنا الثاني عشر للغيبة خوفاً من إن تناله يد الغدر التي نالت آباءه من قبل.
إن الذي يدقق في المنهجية التي اتبعها أهل البيت(عليهم السلام) في حفظ السنة الشريفة والإبقاء على تلك الثلة القليلة من الأصحاب المخلصين ليجد بعين الحق والحقيقة أنها لم تكن لتنجح لولا التأييد والعلم الذي منَّ به الله تعالى على الأئمة(عليهم السلام)، ولولا صبر وثبات المخلصين من أصحاب الأئمة الذين نفذوا تلك الإستراتيجية بدقة متناهية رغم صعوبتها وشدتها بحيث لا يتحملها إلا نبي مرسل أو ملك مقرب أو عبد امتحن الله قلبه للإيمان، ويمكن تلخيص المنهجية التي اتبعها أهل البيت عليهم السلام في حفظ السنة الشريفة بالنقاط التالية:

أولاً: الحث على رواية الحديث ونشره
1ـ عن أمير المؤمنين(عليه السلام)، أنه قال: (تزاوروا وتذاكروا الحديث، أن لا تفعلوا يدرس). (مستردك الوسائل: 17/288).
2ـ عن عبد الله بن ميمون القداح، عن أبي عبد الله(عليه السلام) عن آبائه(عليهم السلام) قال: جاء رجل إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله) فقال: يا رسول الله ما العلم؟ قال: الإنصات، قال: ثم مه؟ قال: الاستماع، قال: ثم مه؟ قال: الحفظ، قال: ثم مه؟ قال: العمل به، قال: ثم مه يا رسول الله؟ قال: نشره. (الكافي: 1/48).
3ـ عن الفضيل بن يسار قال: قال لي أبو جعفر(عليه السلام): يا فضيل إن حديثنا يحيي القلوب. (خصال الصدوق: 22).
4ـ عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: سارعوا في طلب العلم، فوالذي نفسي بيده لحديث واحد في حلال وحرام تأخذه عن صادق خير من الدنيا وما حملت من ذهب وفضة. (المحاسن: 1/227).
5ـ عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله الصادق(عليه السلام)، قال: من حفظ من شيعتنا أربعين حديثاً بعثه الله يوم القيامة عالماً فقيهاً ولم يعذبه. (أمالي الصدوق: 382).
6ـ عن معاوية ابن عمار قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): رجل راوية لحديثكم يبث ذلك في الناس ويشدده في قلوبهم وقلوب شيعتكم ولعل عابدا من شيعتكم ليست له هذه الرواية أيهما أفضل؟ قال: الرواية لحديثنا يشد به قلوب شيعتنا أفضل من ألف عابد. (الكافي: 1/33).
7ـ عن عبد السلام بن صالح الهروي قال: سمعت الرضا(عليه السلام) يقول: رحم الله عبداً أحيى أمرنا قلت: وكيف يحيى أمركم؟ قال: يتعلم علومنا ويعلمها الناس. (معاني الأخبار، وسائل الشيعة).

وعلى هذا فليس عجباً أن يبلغ تلامذة الإمام الصادق(عليه السلام) الآلاف من الرواة (أحصى الشيخ عبد الحسين الشبستري في كتابه (الفائق في أصحاب الإمام الصادق(عليه السلام)) زهاء 3759 راوياً عن الإمام الصادق(عليه السلام) وترجم لهم في كتابه القيم) الذين أخذوا العلم عنه في المدينة والكوفة ونشروه في مختلف أصقاع المعمورة، وتحملوا في سبيل ذلك مختلف أصناف الطعن والتوهين وربما الاعتقال والقتل والتشريد، يروي النجاشي في رجاله عن أحمد بن محمد بن عيسى قال: خرجتُ إلى الكوفة في طلب الحديث، فلقيت بها الحسن بن علي الوشّاء فسألتُه أن يخرج لي كتاب العلاء بن رزين القلاء وأبان بن عثمان الأحمر فأخرجهما إلي فقلت له: أحب أن تجيزهما لي فقال لي: يا رحمك الله وما عجلتك اذهب فاكتبهما واسمع من بعد، فقلت: لا آمن الحدثان، فقال: (لو علمتُ أن هذا الحديث يكون له هذا الطلب لاستكثرت منه فاني أدركت في هذا المسجد تسعمائة شيخ كل يقول حدثني جعفر بن محمد) (رجال النجاشي: 40ـ41)، فإذا كان (الحسن بن علي الوشّاء) لوحده قد سمع (900) شيخ من شيوخ الرواية يحدثون عن الإمام الصادق(عليه السلام) في مسجد الكوفة وحده، فما بالك بالآخرين في بلاد الشيعة المنتشرة الأصقاع والمترامية الأطراف؟! بينما نجد في المدرسة الأخرى أن الحافظ الذهبي (ت748) يذكر أقصى إحصائية حصل عليها في عدد الرواة عن مالك بن أنس (ت179) في كتابه سير أعلام النبلاء (7/234) قائلاً: (ما علمتُ أحداً من الحفاظ روى عنه عدد أكثر من مالك، وبلغوا بالمجاهيل وبالكذابين ألفا وأربع مئة) فهم بالمجاهيل والكذابين 1400 في مختلف البلاد!!

رغم كل ما وفرته السلطة العباسية لمالك من دعم إعلامي وسياسي ومادي حتى أن تأليف كتابه (الموطأ) كان بأمر من الخليفة أبي جعفر المنصور الذي انتهج سياسة تعميم الفقه المالكي في البلاد الإسلامية وحمل الناس قسراً على ما يرويه من حديث وما يراه من رأي، فقد روى مالك أن المنصور قال له: (لأكتبنَّ قولك كما تكتب المصاحف، ولأبعثن به إلى الآفاق، فلأحملنهم عليه) (سير أعلام النبلاء: 8/61ـ62).

ثانياً: الحث على كتابة الحديث وتدوينه
لا يكون المرء مبالغاً لو قال أن القدماء من رواة الشيعة هم الرواد الأوائل في عملية تدوين الحديث وحفظه عن طريق الكتابة عملاً بتوجيهات مباشرة وإشراف مستمر من قبل أئمة أهل البيت(عليهم السلام) ابتداءً برسول الله(صلى الله عليه وآله) الذي أسس لعملية التدوين مروراً بأمير المؤمنين ومن تلاه من الأئمة(عليهم السلام).
وليس سراً أن السلطة الحاكمة بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله) قد منعت تدوين الحديث (وحتى روايته) بحجج واهية، وأعذار سقيمة، اخترعوها لتمييع الحركة الروائية للمجتمع الإسلامي حتى تتمكن السلطة من فرض نظرياتها الفقهية والعقدية وفق أهواء الحاكم ونزعته النفسية، فكان لا بد من تحييد المنهج الروائي الذي يشكل عائقاً كبيراً أمام تسرب البدع وأفكار الضلالة، ولم تنتبه السلطة السياسية الحاكمة إلى خطورة هذا المنهج إلا بعد ما مضى قرن من الزمان حين قرر الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز (ت101) الإيعاز إلى والي المدينة البدء بكتابة حديث رسول الله(صلى الله عليه وآله) تحت إشراف ورقابة من السلطة حتى لا تهدد عملية التدوين شرعية الحاكم بما تنشره من حقائق تنقض الأصل الشرعي للحكومة القائمة. (أضواء على السنة المحمدية لمحمود أبو رية: 260).
والنماذج التالية تسلط الضوء أبرز ما وصل إلينا من مظاهر التدوين التي مارسها أهل البيت(عليهم السلام) وشيعتهم:

ـ كتاب علي(عليه السلام)
وهو بإملاء رسول الله(صلى الله عليه وآله) وخط أمير المؤمنين(عليه السلام)، ويبدو من وصف الروايات أنه كان موسوعة حديثية متكاملة في مختلف المعارف وأنه من الأهمية بمكان بحيث كان أئمة أهل البيت(عليهم السلام) يتوارثونه ويقرؤون منه للناس، واتفقت الروايات أن الكتاب كان بطول سبعين ذراعاً (بصائر الدرجات: 167)، يروي النجاشي عن عذافر الصيرفي قال: (كنت مع الحكم بن عتيبة عند أبي جعفر(عليه السلام) فاختلفا في شئ فقال أبو جعفر(عليه السلام): يا بني قم! فأخرج كتاب علي، فأخرج كتابا مدروجاً عظيماً ففتحه وجعل ينظر حتى أخرج المسألة. فقاله أبو جعفر(عليه السلام): هذا خط علي(عليه السلام) وإملاء رسول الله(صلى الله عليه وآله). وأقبل على الحكم وقال: يا أبا محمد! اذهب أنت وسلمة وأبو المقدام حيث شئتم يميناً وشمالاً، فوالله لا تجدون العلم أوثق منه عند قوم كان ينزل عليهم جبرئيل(عليه السلام)). (رجال النجاشي: 360).
وهذه ثلة من أحاديث ذلك الكتاب الجليل برواية أهل البيت(عليهم السلام):
1ـ عن أبي جعفر(عليه السلام)، قال: وجدنا في كتاب علي(عليه السلام)، قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): إذا كثر الزنا كثر موت الفجأة. (المحاسن: 1/107).
2ـ عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: قرأت في كتاب علي(عليه السلام) إن الله لم يأخذ على الجهال عهداً بطلب العلم حتى أخذ على العلماء عهداً ببذل العلم للجهال، لأن العلم كان قبل الجهل. (الكافي: 1/41).
3ـ عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: إن في كتاب علي (صلوات الله عليه): إنما مثل الدنيا كمثل الحية ما ألين مسها وفي جوفها السم الناقع، يحذرها الرجل العاقل، ويهوى إليها الصبي الجاهل. (الكافي: 2/136).
4ـ عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: إن في كتاب علي(عليه السلام) أن الهر سبُعٌ فلا بأس بسؤره وإني لأستحيي من الله أن أدع طعاماً لان هراً أكل منه. (الكافي: 3/9).
5ـ عن علي بن الحسين(عليهما السلام) أنه سئل عن رجل أوصى بشيء من ماله فقال: (الشيء) في كتاب علي(عليه السلام) واحد من ستة. (الكافي: 7/40).
6ـ عن علي بن جعفر عن أبيه
الصادق(عليه السلام) قال: سألته عن الجري، يحل أكله؟ قال: (إنا وجدنا في كتاب علي أمير المؤمنين(عليه السلام): حرام). (مسائل علي بن جعفر).

ـ كتاب أبي رافع
مولى رسول الله(صلى الله عليه وآله) وصاحب أمير المؤمنين(عليه السلام)، له كتاب السنن والأحكام والقضايا يرويه عن أمير المؤمنين(عليه السلام)، وكان لابنه علي كتاب آخر في أبواب مختلفة من الفقه.

ـ كتاب سليم بن قيس الهلالي (توفي بعد 72)
وهو كتاب مشهور اهتم بروايته أصحاب الأئمة في طبقات مختلفة.

ـ مصنفات الأصبغ بن نباتة (توفي بعد 100 ﻫ)
من خاصة أصحاب أمير المؤمنين(عليه السلام)،
له مصنفات عديدة، بعضها بإملاء مباشر من أمير المؤمنين(عليه السلام) (راجع: مجلة ينابيع: العدد 35، 36 ، ص83).
وعلى هذا فتدوين الحديث عند الشيعة بدأ في بواكير القرن الأول الهجري تحت إشراف مباشر من أمير المؤمنين(عليه السلام)، وقد اتخذت وتيرة التدوين في عهد الصادقَين(عليهما السلام) منحى متصاعداً وصار سمة بارزة من سمات الشيعة إبان تلك الحقبة،

والروايات التالية تلقي بعض الضوء على جهود أهل البيت(عليهم السلام) في حث أصحابهم وشيعتهم على الكتابة وحفظ الحديث:
1ـ عن حسين الأحمسي، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: القلب يتكل على الكتابة. (الكافي: 1/52).
2ـ عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام) يقول: اكتبوا فإنكم لا تحفظون حتى تكتبوا. (الكاف: 1/52).
3ـ عن عبيد بن زرارة قال: قال أبو عبد الله(عليه السلام): احتفظوا بكتبكم فإنكم سوف تحتاجون إليها. (الكافي: 1/52).
4ـ عن المفضل بن عمر، قال: قال لي أبو عبد الله(عليه السلام): اكتب وبث علمك في إخوانك، فإن مت فأورث كتبك بنيك، فإنه يأتي على الناس زمان هرج لا يأنسون فيه إلا بكتبهم. (الكاف: 1/52).
5ـ عن علي ابن أسباط، عن الرضا(عليه السلام)
في حديث الكنز الذي قال الله عز وجل: (وكان تحته كنز لهما)، قال: قلت له: جعلت فداك، أريد أن أكتبه قال: فضرب يده والله إلى الدواة ليضعها بين يدي، فتناولت يده فقبلتها وأخذت الدواة فكتبته. (الوسائل: 27/83).
6ـ وفي مهج الدعوات للسيد ابن طاووس عن أبي الوضاح عن أبيه قال: كان جماعة من خاصة أبي الحسن الكاظم(عليه السلام)
من أهل بيعته وشيعته، يحضرون مجلسه ومعهم في أكمامهم ألواح آبنوس لطاف وأميال، فإذا نطق أبو الحسن(عليه السلام) بكلمة أو أفتى في نازلة، أثبت القوم ما سمعوا منه في ذلك. (مستدرك الوسائل: 17/292).

 

ثالثاً: تصحيح الكتب الحديثية وتوثيقها
وكان من الجهود البارزة للأئمة(عليهم السلام) تتبع الكتب المتداولة بين المجاميع الشيعية والمعمول بها في مدائن مختلفة وأمصار نائية، من أجل تنقية هذه الكتب من الوضع والدس أو التخليط والأوهام، وكان لهذا الدور الأثر الكبير في صنع مجموعة ضخمة الأصول الحديثية المعتمدة لدى الطائفة عرفت بالأصول الأربعمائة، وإذا لم يكن ثمة دليل أن جميع هذه الأصول قد عرضت على الأئمة فليس من شك أن هذه الأصول كانت متداولة لدى الثقات الأجلاء من رواة الشيعة وأصحاب الأئمة وعليها عول المحدثون في جمع موسوعاتهم الحديثية كثقة الإسلام الكليني والشيخ الصدوق وابن قولويه والمفيد والطوسي وغيرهم من الأفذاذ(رحمهم الله).
ومن الأمثلة على تلك الكتب المعروضة على الأئمة(عليهم السلام):
1. عن أبي هاشم الجعفري، قال: عرضت على أبي محمد العسكري(عليه السلام) كتاب يوم وليلة ليونس فقال لي: تصنيف من هذا؟ قلت: تصنيف يونس مولى آل يقطين، فقال: أعطاه الله بكل حرف نورا يوم القيامة. (وسائل الشيعة 27 /102).
2. عن يونس بن عبد الرحمن _ في حديث ـ قال: أتيت العراق فوجدت بها قطعة من أصحاب أبي جعفر(عليه السلام) ووجدت أصحاب أبي عبد الله(عليه السلام) متوافرين فسمعت منهم واحداً واحداً، وأخذت كتبهم فعرضتها بعد على الرضا(عليه السلام) فأنكر منها أحاديث. (وسائل الشيعة: 27/99).
3. كتاب عبيد الله بن علي الحلبي الذي عرضه على الإمام الصادق(عليه السلام)، فأقر الإمام بصحته وقال: (هل لهؤلاء مثل هذا)؟ ويقصد المخالفين. (رجال النجاشي: 231).
4ـ كتاب عبيد بن محمد البجلي الذي عرض على الباقر عليه السلام فأقره (فهرست الطوسي: 176).
5ـ كتاب الديات لظريف بن ناصح وهو من الأصول التي أقرها الأئمة أيضاً (خاتمة المستدرك 1 /106).

رابعاً: نقد الروايات وتصحيحها
لم يأل الأئمة(عليهم السلام) جهداً في نقد وتصحيح الأحاديث التي كانت متداولة سواء في أدبيات المدرسة المقابلة أو حتى في الأوساط الشيعية ضمن جهودهم في تنقية السنة الشريفة من شوائب التحريف وتسييس النصوص التشريعية، وقد تلقى رواة الشيعة هذه الخصلة من أئمتهم فكانوا يمحصون ما يرد عليهم من روايات ويعرضونها على الأئمة أو يتبعون في تمحيصها القواعد التي سنها لهم أهل البيت(عليهم السلام) من عرض الحديث على كتاب الله إجماع السنة أو الأخذ بما خالف العامة أو تخير أحد الخبرين أو التوقف عند الشبهة وعدم التمييز، وكلها قواعد مأثورة عن أهل البيت(عليهم السلام) الهدف منها تربية الشيعة على الطريقة المثلى للتعامل مع النص دون اللجوء لمدرسة المخالفين لاستجداء النظريات والقواعد الحديثية خصوصاً في عصر غيبة الأئمة(عليهم السلام)، والروايات التالية تعطي مثالاً على جهود الأئمة وشيعتهم في هذا المجال:
1ـ روى الشيخ الصدوق في التوحيد 153: عن الحسين بن خالد، قال: قلت للرضا(عليه السلام): يا ابن رسول الله إن الناس يروون أن رسول الله(صلى الله عليه وآله) قال: إن الله خلق آدم على صورته، فقال: قاتلهم الله، لقد حذفوا أول الحديث، إن رسول الله(صلى الله عليه وآله)
مر برجلين يتسابان، فسمع أحدهما يقول لصاحبه: قبح الله وجهك ووجه من يشبهك، فقال(صلى الله عليه وآله): يا عبد الله لا تقل هذا لأخيك، فإن الله عز وجل خلق آدم على صورته.
2ـ قيل للصادق(عليه السلام): إن الناس يروون عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) أنه قال: إن الصدقة لا تحل لغني ولا لذي مرة (أي قوة) سوي، فقال(عليه السلام): قد قال لغني ولم يقل لذي مرة سوي. (من لا يحضره الفقيه: 177).
3ـ عن الفضيل بن يسار قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): إن الناس يقولون: إن القرآن نزل على سبعة أحرف، فقال: كذبوا أعداء الله ولكنه نزل على حرف واحد من عند الواحد (الكافي: 2/360).
4ـ عن عبيد بن زرارة قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): إن الناس يروون أن
عليا(عليه السلام) كتب إلى عامله بالمدائن أن يشتري له جارية فاشتراها وبعث بها إليه وكتب إليه أن لها زوجاً فكتب إليه علي(عليه السلام) أن يشتري بضعها فاشتراه؟ فقال: كذبوا على علي(عليه السلام)، أعلي(عليه السلام) يقول هذا؟ !. (الكافي: 5/483).
5ـ عن محمد بن مسلم قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): إن عمار الساباطي روى عنك رواية قال: وما هي؟ قلت: روى أن السنة فريضة، فقال: أين يذهب أين يذهب! ليس هكذا حدثته أنما قلت له: من صلى فأقبل على صلاته لم يحدث نفسه فيها أو لم يسه فيها أقبل الله عليه ما أقبل عليها، فربما رفع نصفها أو ربعها أو ثلثها أو خمسها وإنما أمرنا بالسنة ليكمل بها ما ذهب من المكتوبة. (الكافي: 3/362).

خامساً: استخدام التقية للحفاظ على رواة الشيعة
وكانت (التقية) مفردة مهمة ضمن الخطة التحصينية التي انتهجها أهل البيت(عليهم السلام) للحفاظ على رواة الشيعة والثقات من أصحابهم وسط موجة العداء الفكري والسياسي للدول الحاكمة وحالة التصفية الممنهجة ضد رموز الشيعة وشد الخناق على البعد الجماهيري للطائفة، الأمر الذي هدد باستئصال مفردة الشيعة وشطبها من المعادلة السياسية والعقائدية في الأمة الإسلامية لولا انتهاج الأئمة عليهم السلام هذه السياسة الحكيمة وتنفيذها بدقة من قبل الكثير من أصحابهم النجباء ـ رغم حصول أخطاء ارتكبها البعض وأنكرها عليهم الأئمة وحذروا من تكرارها ـ.

وسائل التقية
أما وسائل التقية التي سلكها الأئمة(عليهم السلام)
فكانت كما يلي:
1ـ الإفتاء وفق مرويات العامة.
والهدف من ذلك إزالة التمايزات الفقهية التي تصبغ الحالة الشيعية في بعض مناطق الصراع الطائفي مما يساهم في تخفيف الأنظار الموجهة نحو الشيعة ودمج الشيعة في المجتمع السني للحفاظ عليهم من سطوة الجلاوزة، ولهذا السبب نجد عديد الروايات في الكتب الشيعية مما ينحو منحى التقية ويوافق مذهب عامة أو أبرز مذاهبهم، ولتمحيص هذه الروايات وفرزها وتنقيتها أوصى الأئمة عند اختلاف الرواية أن تعرض على (فقه العامة) فما وافق العامة يترك (لاحتمال التقية فيه) وما خالفهم يؤخذ به وبحسب تعبير الروايات (فإن الرشد في خلافهم)، عن الحسين بن السري قال: قال أبو عبد الله(عليه السلام): (إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فخذوا بما خالف القوم).

2ـ إفتاء الشيعة بفتاوى مختلفة لمسألة واحدة.
والهدف كسابقه، رفع التمايز الفقهي للتستر على الشيعة وحفظهم حيثما توجهت الأنظار حولهم، فعن زرارة بن أعين، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: سألته عن مسألة فأجابني ثم جاءه رجل فسأله عنها فأجابه بخلاف ما أجابني، ثم جاء رجل آخر فأجابه بخلاف ما أجابني وأجاب صاحبي، فلما خرج الرجلان قلت: يا ابن رسول الله رجلان من أهل العراق من شيعتكم قدما يسألان فأجبت كل واحد منهما بغير ما أجبت به صاحبه؟ فقال: يا زرارة! إن هذا خير لنا وأبقى لنا ولكن ولو اجتمعتم على أمر واحد لصدقكم الناس علينا ولكان أقل لبقائنا وبقائكم (الكافي: 1/65).

3ـ انتقاد بعض رواة الشيعة أمام الناس
وهو أسلوب آخر تزخر به الكتب الشيعية وقد استغله بعض السلفيين الجهلة للطعن على رواة الشيعة وتوهينهم وغفلوا أن الأئمة صرحوا أن ذمهم إنما كان للدفاع عنهم وحفظهم، فقد روى الكشي في رجاله 1/349 (عن عبد الله بن زرارة قال: قال لي أبو عبد الله(عليه السلام) اقرأ مني على والدك السلام. وقل له: إني إنما أعيبك دفاعا مني عنك فان الناس والعدو يسارعون إلى كل من قربناه وحمدنا مكانه لإدخال الأذى في من نحبه ونقربه، يرمونه لمحبتنا له وقربة ودنوه منا، ويرون إدخال الأذى عليه وقتله ويحمدون كل من عبناه نحن وأن نحمد أمره. فإنما أعيبك لأنك رجل اشتهرت بنا ولميلك إلينا وأنت في ذلك مذموم عند الناس غير محمود الأثر لمودتك لنا ولميلك إلينا، فأحببت أن أعيبك ليحمدوا أمرك في الدين بعيبك ونقصك ويكون بذلك منا دفع شرهم عنك يقول الله جل وعز (أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان ورائهم ملك يأخذ كل سفينة غصباً).
وعليه لا يبقى مكان للعجب من أمثال هذه الروايات الذامة وإن ورد بحق أوثق الرجال كزرارة هشام والمفضل ومحمد بن مسلم ويونس بن عبد الرحمن وأمثالهم من الأفذاذ المخلصين، ومثل هذه المنهجية (القرآنية) في حفظ الأفراد من سياط الجلادين والظلمة لن تجدها إلا عند أهل البيت(عليهم السلام).

وكان مما أفرزته هذه المنهجية تذويب المئات من رواة الشيعة في داخل مؤسسة الرواية والحديث السنية بحيث تزخر بمروياتهم كتب الحديث عند العامة لاشتهارهم بالصدق والوثاقة عندهم، ولو لا مسلك التقية لانكشف تشيعهم وانحرافهم عن بني أمية ومن على نهجهم ولتم رفض رواياتهم بحجة الغلو والرفض (وقد رفضت بالفعل روايات الكثير من رواة الشيعة بهذه الحجج الواهية)، إن المتتبع لروايات فضائل أهل البيت(عليهم السلام) الواردة في كتب وصحاح أهل السنة ليجد أن أسانيد تلك الروايات تنتهي في الغالب إلى جملة رواة الشيعة الذين استطاعوا ـ بإتباع منهج التقية ـ أن يخترقوا منظومة التحديث السنية ليتركوا البصمات الشيعية على كل صحيح وجامع ومسند، كل ذلك بفضل الأئمة(عليهم السلام) ومن كان حولهم من المخلصين فجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين وعن المؤمنين خير الجزاء والحمد لله رب العالمين .

نشرت في العدد 37

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.