Take a fresh look at your lifestyle.

ترجمة القرآن الكريم بين التأييد والمعارضة!!

0 406

د. عبد علي حسن الجاسمي
الكلية الإسلامية الجامعة

        أُنزل القرآن الكريم بلسان عربي مبين، وفيه من الألفاظ ما تعجز اللغات الأخرى عن الإحاطة بمعانيها بدقة ، لذلك من الخطأ القول: إن هناك ترجمات للقرآن الكريم بلغات أخرى. وسنستخدم عبارة ترجمة معاني القرآن الكريم كما يفهمها المترجم وليس كما أرادها الله في كتابه الكريم. لأننا مسلّمون بأن بلوغ المرامي التي حملتها مفردات القرآن الكريم وتراكيبه وأساليبه قد أعجزت كل من قرأ القرآن من العرب منذ نزول القرآن الكريم الذي اكتسح الدهور والأزمان من دون أن يتسرب إليه ما يجعله تحت دائرة الإمكان، وهو مستمر بقوته وحضوره وإعجازه حتى يرث الله الأرض ومن عليها، فكيف بنا إذا كان المطلوب منه الوصول إلى ضمير الأجنبي بالصورة التي وصلت إلى العربي فجعلته مبهورا مأخوذا بنظمه وأسلوبه؟
من المشاكل الخطيرة التي جابهت القرآن الكريم في طول الفترة العريضة أن يترجم إلى اللغات الأجنبية, فإذا صح ما روى من أن بعض آي القرآن قرئ بالفارسية في بخارى وسمرقند بحجة تقريب معانيه إلى أفهام الأعاجم, وذلك في صدر الإسلام فانه ضاق بذلك ـ إبان القرن السادس الهجري ـ حين صرح جار الله الزمخشري في كشافه باستحالة ترجمة القرآن الكريم: (لأنّ في كلام العرب خصوصاً في القرآن الذي هو معجز بفصاحته وغرابة نظمه وأساليبه من لطائف المعاني والأغراض ما لا يستقل بأدائه لسان من فارسية وغيرها)(1).
أما عند المعاصرين ففي الربع الأول من القرن العشرين جوز الأستاذ محمد فريد وجدي ترجمة معاني القرآن، وقد اندلعت ـ بسبب ذلك ـ خصومة عنيفة بينه وبين الشيخ محمد رشيد رضا صاحب (المنار). إذ لم يكد المرحوم وجدي ينشر (الأدلة العلمية على جواز ترجمة معاني القرآن) حتى انبرى له الشيخ رضا ناشرا رأيه المعاكس في ذلك(2).

ومنذ سنة 1936 فكرت مصر في تعريف الأجانب على القرآن من طريق الترجمة، واتخذت الأهبة لذلك، ففي السابع من نيسان تلك السنة أفتت جماعة (كبار العلماء) بما سمي بترجمة معاني القرآن، وفي الأسبوع الثاني وافق مجلس النواب المصري على مشروع تلك الترجمة، وفي تشرين الثاني 1936 قرر الشيخ محمد مصطفى المراغي شيخ الأزهر يومذاك تأليف لجنة لوضع التفسير الذي سيضيء الطريق أمام معاني القرآن عند ترجمتها إلى اللغات الأجنبية، وقد خططت اللجنة العمل وبدأته فعلا .. ثم ثار خلاف على ذلك حين أصدر الشيخ محمد سليمان عنارة، نائب المحكمة الشرعية العليا في القاهرة، كتابه: (حدث الأحداث في الإسلام الإقدام على ترجمة القرآن) فرقد المشروع، حتى يوم الناس هذا..
ويبدو أن دعوة الزمخشري لها من المناصرين ما هم خارج دائرة الدارسين العرب، فهذا جان سافاجيه (J.Sauvaget) يؤكد أن ليس للقرآن ترجمة مرضية في أية لغة أوربية(3)، وكذا كَب (H. A. R. Gibb) الذي يرى أن من المستحيل أن يترجم القرآن بأمانة(4)، ومثله آربري (A. J. Arberry) الذي سلّم في تواضع بتلك الفكرة الإسلامية القائلة بأن القرآن غير قابل للترجمة.
أما في العراق فلم تكن هناك دعوات لها شأن في هذا الموضوع، إلا ما كان من بحث تحت عنوان: (نماذج من الخلل في ترجمة القرآن الكريم) لعزيز عارف(5).

أكد في بدايته اتفاق علماء المسلمين من القدماء والمحدثين على أن ترجمة القرآن الكريم ترجمة لفظية ضرب من المحال ولكنهم اختلفوا في جوازها وعدم جوازها. ثم استعرض آراءهم إزاء هذا الاختلاف. وبعد ذلك ذهب إلى مثال تطبيقي على تسرب خلل كبير في ترجمة القرآن الكريم من خلال عرضه كتاب انكليزي عنوانه: (القرآن ترجمة وملاحظات) لمؤلفه ن. جي. داود N. J. Dawood.. by: (The Koran- translated with notes) فقد وجد هذا الباحث أن هذا الكتاب كان بعيداً كل البعد عن ترجمة القرآن ومعانيه, وتفسيره, مع وجود حذف وإضافة , وتقديم وتأخير، وتحويل المفرد إلى جمع، والجمع إلى مفرد وتبديل المعرفة نكرة وبالعكس… وسواها من الأوهام والأغاليط، ولتوضيح ذلك لجأ إلى المقارنة بين الكتاب المعروض للنقد وترجمة مولانا محمد علي بالانكليزية، وترجمة بلاشير بالفرنسية. مع استئناسه بكتب معاني القرآن أحياناً. ومن النماذج التي أوردها للتطبيق، قوله تعالى: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً)(6) فقد جاء في ترجمة داود النص الآتي:
Those who surrender themselves to Allah and accept the true faith ,who are devout, sincere, patient ,humble, charitable and are chaste, who fast and ever mindful of Allah – on these, both men and women, Allah will bestow forgiveness and a rich reword.
ثم أورد نقده للترجمة مبينا المراد من الآية الكريمة بعرضه أقوال الفرّاء في (معاني القرآن)، والقرطبي في (الجامع لأحكام القرآن)، وخلص منهما إلى أن هذه الآية جاءت للتأكيد على (دور المرأة في المجتمع الإسلامي وأن شأنها فيه شأن الرجل ومكانته، ذلك هو المعنى الذي سعت إليه الآية الكريمة. أما ترجمة داود فما أبعدها عن هذا المعنى! لقد تصرفت بالنص فخرجت على قواعد الترجمة وتجاوزت أصول اللغة وأخلت بمعنى الآية الكريمة. وثمَّ من أدرك هذا المعنى من مترجمي القرآن ووعاه وأخذ به كما سنرى)(7). بعد ذلك أورد نص مولانا محمد علي بالانكليزية:
Surely the men who submit and the women who submit, and the believing men and the believing women, and the obeying men and obeying women, and the truthful men and the truthful women, and the patient men and the patient women, and the humble men and the humble women, and the almsgiving men, and the almsgiving women, and the fasting men and the fasting women, and the men who guard their private parts and the women who guard, and the men who remember – Allah much and the women who remember – Allah has prepared for them forgiveness and a mighty reward.
ويمكن تسجيل الملاحظات الآتية على ترجمة داوُد:
1ـ إنها تلخيص لمعنى وليست ترجمة، وهذا واضح بالمقارنة بين الآية الكريمة وترجمتها بقوله: أولئك الذين استسلموا لله، وقبلوا الإيمان، الذين هم: الورعون، المخلصون، الصابرون، متواضعون، الخيرون، العفيفون، الذين هم بعقل ممتلئ وبسرعة لله(8)، على هذه الصفات، من الرجال والنساء، فإن الله سوف يقدم لهم مغفرة وجائزة أو هدية غنية أو [دسمة]!.
2 ـ لم يكن المترجم دقيقا في اختيار الكلمات المتناسبة مع النص القرآني، فقد أعرض عن استعمال كلمة (Muslims) واستعمل ((Surrender التي تعني الخضوع والاستسلام الذي يمكن أن يكون خضوع بقوة معينة وإجبار معين، خارج نطاق الإيمان والاقتناع.
3 ـ لا يوجد في الترجمة الانكليزية ما يدل على كلمة (الورعون) في النص القرآني، وهناك معنى واضح محدد لهذه المفردة.
4 ـ في ترجمته (المؤمنون) ترجم (accept the true faith) أي: قبلوا الإيمان الحقيقي. وفي الانكليزية يستعملون (believers) للدلالة على كلمة (المؤمنون) أو (believing men) إذا كانت للرجال، و(believing women) للنساء.
5 ـ استعمل كلمة (devout) أي: ورع، للدلالة على كلمة (القانتين).
6 ـ استعمل كلمة (sincere) وهي في الانكليزية تعني: مخلص، استعملها للدلالة على كلمة (الصادق) وهي في الانكليزية: (truthful).
7 ـ استعمل كلمة (charitable) أي: الخيرون بدلا من كلمة (المتصدقون) التي يقابلها بالإنكليزية: (almsgiving) التي يضاف إليها (man) للمتصدقين من الرجال، و(women) للمتصدقات من النساء.
8 ـ إن تعبير (الحافظين فروجهم) يقابله في الانكليزية (who guard their private parts)، في حين استعمل المترجم (chaste) وهي تعني: العفيفون.
9 ـ استعمل مفردة (bestow) وهي وحيدة بل من غريب الانكليزية؛ للدلالة على كلمة (أعد) في العربية، التي يقابلها: (prepared) في الإنكليزية.
10ـ استعمل(a rich reword) للدلالة على الأجر العظيم، وهي تعني:جائزة غنية أو دسمة.في حين كان بإمكانه استعمال: (a might reword) لقربها من دلالة الأجر العظيم.
11ـ لم يتطرق لمفردة (صوم) أو (صيام) وهي في الانكليزية: (fasting).
وفي شأن صعوبة ترجمة القرآن يقول الدكتور غانم قدوري حمد: (…وتبلغ صعوبة الترجمة مداها في ميدان ترجمة القرآن لان نص القرآن صيغ باللسان العربي صياغة خاصة، وصار نظم القرآن العربي من وجوه إعجازه، إن لم يكن من أهمها على الإطلاق. وأي إنسان، مهما بلغ علمه، يمكنه أن يعيد صياغة آيات القرآن الكريم بلغة أخرى، ثم يحافظ على معاني القرآن الظاهرة، وما يمكن أن يستشفه المتأملون فيه من معانٍ أخرى ويحافظ على روعة الأسلوب وإعجازه؟!. إن ترجمة القرآن ترجمة وافية كاملة غير متيسرة من جانبيه الأسلوبي
والمعنوي)(9).

نشرت في العدد 37


(1) الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل،أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري / تحقيق : عبد الرزاق المهدي/ دار إحياء التراث العربي / بيروت:284.
(2) ظ: مجلة الأقلام /ج2/ السنة الثانية / جمادى الآخرة 1385هـ/ تشرين الأول 1965م: 150.
(3) رائد التراث العربي, ترجمة الدكتور صلاح الدين المنجد / بيروت /1947 /:84 / وينظر: مجلة الأقلام ج2/ السنة الثانية / جمادى الآخرة 1385هـ ـ تشرين الأول 1965م: 150.
(4) الاتجاهات الحديثة في الإسلام, ترجمة عن الفرنسية كامل سليمان/ بيروت 1954)/ الصفحات:29 ـ32، وينظر: مجلة الأقلام /ج2/ السنة الثانية / جمادى الآخرة 1385هـ ـ تشرين الأول 1965م: 150.
(5) مجلة المورد/العدد الخاص بالدراسات القرآنية/مج17 / ع4 /1409هـ – 1988م/ الصفحات:115- 124.
(6) سورة الأحزاب: 35.
(7) نماذج من الخلل في ترجمة القرآن الكريم، عزيز عارف: 118.
(8) كأنه يريد أن يقول: يذكرون الله بملء الفم ومن دون انقطاع، ولكن يبدو أن التعبير خانه.
(9) علوم القرآن الكريم، د. غانم قدوري حمد / مطابع دار الحكمة / بغداد / 1990: 207.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.