Take a fresh look at your lifestyle.

واختلفوا !! في تاريخ وفاة سيد الجميع (صلى الله عليه وآله) بين شهري صفر وربيع

0 524

           ليس ثمة من خلاف في كون الرسول الأعظم محمد بن عبدالله (صلى الله عليه وآله) هو خير خلق الله قاطبة، وقد أقرَّ بذلك القاصي والداني، وشمل ذلك أصحاب الديانات ومن لا يدينون بدين. إنّه أعظم عظماء البشرية وأشرف الأنبياء والمرسلين، منقذ الإنسانية من الجهالة، الهادي المتفرّد باقتران اسمه الشريف باسم الله جل جلاله، يردد اسمَه يوميًا ولخمس مرّات في اليوم في الأذان والإقامة والتشهد أكثرُ من مليار مسلم في أنحاء المعمورة.

           ولقد تبارى الوصّافون في ذكر صفاته الخِلقية والخُلقية والسلوكية حتى الدقائق والمتفرقات، والتي لم يفعلوها مع غيره من الأنبياء والمرسلين والملوك والحاكمين والناس أجمعين.

           وخير من وصف فأوجز الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) أبيض اللون مشربًا حمرة، أدعج العين، سبط الشعر، كث اللحية، سهل الخد، ذا وفرة، دقيق المسرّبة كأنَّ عنقه أبريق فضة، له شعر من لبته إلى سرّته يجري كالقضيب ليس في بطنه ولا صدره شعر غيره، شثن الكف والقدم، إذا مشى كأنما ينحدر من صبب، وإذا التفت التفت جميعًا، كأن عرَقُه في وجهه اللؤلؤ، ولَريحُ عرقِه أطيب من المسك الأذفر، ليس بالقصير ولا بالطويل..(1).

           وقد أحصى المسلمون لرسول الله (صلى الله عليه وآله) جُلَّ حركاته وسكناته ومعاناته والكثير الكثير من شريف سنته ومفردات حياته. ومن ذلك ما ذكره محمد بن سعد في كتابه (الطبقات الكبير) بادئًا بصفة كلامه (صلى الله عليه وآله): كان لا يسرُد سردكم هذا، يتكلم بكلام فصلٍ يحفظه من يسمعه، وفي صفة مشيه:

          إنه كان لا يلتفت إذا مشى ولا أحد أسرع منه (صلى الله عليه وآله) في مشيه كأنَّ الأرض تطوى له، وفي كيفية أكله: إنه كان لا يأكل متكئًا وكان (صلى الله عليه وآله) يقول: آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد، وفي ذكر محاسن أخلاقه (صلى الله عليه وآله)

           قال أنس: خدمت رسول الله (صلى الله عليه وآله) عشر سنين فما رأيته قط أدنى ركبتيه من ركبة جليسه، ولا صافحه إنسان فنزع يده من يده حتى يكون هو الذي يفارقه، ولا قاومه إنسان فانصرف عنه حتى يكون هو الذي ينصرف، ولا أصغى إليه رجل فنحّى رأسه حتى يكون هو يتنحّى عنه …(2).

          وذكر ابن شهر آشوب المازندراني جملة من صفات رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: كان النبي قبل المبعث موصوفًا بعشرين خصلة من خصال الأنبياء، لو انفرد واحدٌ بأحدها لدل على جلاله، فكيف مَن اجتمعت فيه؟

            كان أمينًا صادقًا حاذقًا أصيلًا نبيلًا فصيحًا عاقلًا فاضلًا عابدًا زاهدًا سخيًا قانعًا متواضعًا حليمًا رحيمًا غيورًا صبورًا موافقًا مرافقًا لم يخالط منجّمًا ولا كاهنًا ولا عيّافًا؛ وكان فيه خصال الضعفاء، ومن كان فيه بعضها لا ينتظم أمره، كان يتيمًا فقيرًا ضعيفًا وحيدًا غريبًا بلا حصار ولا شوكة، كثير الأعداء؛ كما كان ثابتًا في الشدائد وهو مطلوب وصابرًا على البأساء والضراء وهو مكروب محروب، وكان زاهدًا في الدنيا راغبًا في الآخرة(3).

           وذكر جوانب من معجزاته وآثار تصرّفاته، ولم يترك جزءًا من بدنه إلَّا وسجل له فضيلة وتفردًا، فبدأ بطيب ريحه، وظله الذي لا يقع على الأرض وقامته التي لا تدانيها قامة، ورأسه الذي تظلّه سحابة من الشمس، وعينه التي يبصر بها على جميع الجهات، وأنفه، وفمه، ولسانه، وأذنه، وظهره، وبطنه، وقلبه، وفخذه، ورجلاه، وقوّته ..(4).

            وأمعن آخرون في ذكر ما يمتُ إليه (صلى الله عليه وآله) بصِلة، فذكروا ثيابه وفراشه وفراش مصلاّه، ونقش خاتمه، ونعاله، وخفه، وسواكه، ومشط شعره، ومكحلته، ومرآته، وقدحه؛ وذكروا سيوفه ودرعه وترسه والرماح والخيل والدواب، وخدمه ومواليه، وحُجَر زوجاته …

            أليس من الغريب والغريب جدًا أن يختلفوا في تحديد يوم وفاته (صلى الله عليه وآله) وهو أعظم حدث وأهم أمرٍ تشهده الساحة العربية بل الإنسانية، ألم يكن بينهم من يحسن الكتابة وقد كتبوا القرآن المجيد في عهد النبي (صلى الله عليه وآله)؟

             وهل فقدوا القدرة على التذكر والحفظ وقد حفظوا المطوّلات من القصائد والخطب والمراسلات؟

            أليس بينهم من لبثوا أحياء بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقد شهدوا جنازته؟

            وهل للسلطات الحاكمة مصلحة في ذلك الاختلاف؟

           نعم: لو اختلفوا في تاريخ ولادته فلا لوم ولا استغراب في ذلك، فلم يكن شخص (محمد بن عبدالله بن عبد المطلب) إبان ولادته أكثر من يتيم فقير محسوب على العامّة، ثم إنّ مبدأ تسجيل يوم الولادة غير معمول به في تلك الحقبة ابتداءً، وربما يأتي بعد شروق شخصيته الفرد في أوساط المجتمع، أو أنّ الصدفة تحضر لبعضهم فيحظى بذكر تاريخ ولادته بالتحديد أو بالتقريب.

            في العصر العباسي الأول نشطت حركة التدوين والتأليف، فظهرت الأسفار والموسوعات لكثير من العلوم والآداب والأنساب والتاريخ والتراجم والحديث النبوي الشريف والفقه والفلسفة والمترجمات وما إلى ذلك. وكان بعض حكامهم ينظرون فيها ويعملون على تنفيذ ما يريدون ذكره من زيادة وحذف وتحريف وتبديل، وفق ما تمليه مصالحهم ومعتقداتهم، وسخرّوا أقلام جملة من الكتّاب والمؤرخين لخدمة دولتهم ورجالهم، وسمحوا للغرباء والمنحرفين عن محمد وآل محمد (صلى الله عليه وآله) بتدوين ما يربك أفكار المتلقين ويشوه الحقائق بالبتر والوضع وخاصة في السنة النبوية، ونسبة فضائل أهل البيت (عليهم السلام) إلى آخرين بغير وجه حق، فجاءت الأخبار والروايات قلقة غير مقطوع بها، يغلب عليها الاحتمال والقيل والقال.

           يقول محمد بن سعد الزهري البصري صاحب كتاب الطبقات الكبير: أخبرنا محمد بن عمر، حدثني أبو معشر عن محمد بن قيس، إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) اشتكى يوم الأربعاء لإحدى عشرة ليلة بقيت من صفر سنة إحدى عشرة، فاشتكى ثلاث عشرة ليلة وتوفي (صلى الله عليه وآله) يوم الاثنين لليلتين مضتا من شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة، وأخبرنا محمد بن عمر حدثني عبدالله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب عن أبيه عن جدّه قال:

           إشتكى رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم الأربعاء لليلة بقيت من صفر سنة إحدى عشرة وتوفي يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة مضت من ربيع الأول(5).

           ومثل ذلك قال خليفة بن خيّاط: سنة إحدى عشرة فيها توفي رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم الاثنين لاثنتي عشرة خلت من شهر ربيع الأول، ويقال لليلتين خلتا منه(6)،

          أما اليعقوبي فيقول توفي يوم الاثنين لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول (7).

          والطبري يقول: حدّثني أحمد بن عثمان بن حكيم قال: حدثنا عبد الرحمن بن شريك قال: حدثني أبي عن ابن إسحاق عن عبدالله بن أبي بكر بن محمد بن عمر بن حزم عن أبيه قال: توفي رسول الله (صلى الله عليه وآله) في شهر ربيع الأول في اثنتي عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول يوم الاثنين(8)،

          ومثله قال المسعودي (9)، أما حمزة بن الحسن الأصفهاني فيقول: اختلفوا في وقت موته بعشرة أيام فروى قوم إنه مات يوم الاثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول، وروى آخرون إنه مات يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول (10)

            وقال ابن الأثير: وكان موته يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول .. وقيل مات نصف النهار يوم الاثنين لليلتين بقيتا من ربيع الأول(11) وهو خروج على ما ذكره مَن سبقوه …

           ويأتي دور السهيلي (12) فيقول في (الروض الأنف): اتفقوا إنه توفي (صلى الله عليه وآله) يوم الاثنين، إلّا شيئًا ذكره ابن قتيبة في المعارف: الأربعاء. قالوا كلهم في ربيع الأول، غير إنهم قالوا أو قال أكثرهم في الثاني عشر من ربيع ولا يصح أن يكون توفي (صلى الله عليه وآله) إلّا في الثاني من الشهر أو الثالث عشر أو الرابع عشر أو الخامس عشر لإجماع المسلمين على إن وقفة عرفة في حجة الوداع كانت يوم الجمعة وهو التاسع من ذي الحجة فدخل ذو الحجة يوم الخميس فكان المحرم أمّا الجمعة وأمّا السبت، فإن كان الجمعة كان صفر أمّا السبت وأمّا الأحد فإن كان السبت فقد كان الربيع الأحد أو الاثنين، وكيفما دارت الحال على هذا الحساب فلم يكن الثاني عشر من ربيع يوم الاثنين بوجه، ولا الأربعاء أيضًا كما قال القتبي،

         وذكر الطبري عن ابن الكلبي وأبي مخنف إنّه توفي في الثاني من ربيع الأول، وهذا القول وإنْ كان خلاف أهل الجمهور فإنه لا يبعد إنْ كانت الثلاثة الأشهر التي قبله كلها من 29 يومًا فتدبره، فإنّه صحيح، ولم أر أحدًا تفطن له، وقد رأيت للخوارزمي: إنّه توفي في أول يوم من ربيع الأول وهذا أقرب في القياس بما ذكره الطبري عن ابن الكلبي وأبي مخنف. ويوم 12ربيع الأول سنة 11 هـ يوافق يوم السبت حسب تقويم أم القرى (13). وبهذا التحليل الزمني يكون تحديد اليوم الثاني عشر من شهر ربيع الأول تاريخًا لوفاته (صلى الله عليه وآله) غير صحيح.

         أمّا ما عليه الشيعة الإمامية في تحديد يوم وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) فهو يوم 28 صفر سنة 11 للهجرة وكان عمره الشريف 63 عامًا ولم يختلفوا فيه. قال الشيخ المفيد في حديثه عن مرض رسول الله (صلى الله عليه وآله)
ووفاته: …

         وكان ذلك في يوم الاثنين لليلتين بقيتا من صفر سنة إحدى عشرة من هجرته (صلى الله عليه وآله)(14)، وبمثل ذلك ذكر الشيخ الطوسي في تهذيب الأحكام(15).

          ويمكن أن نستعين بتاريخ وفاة الصدّيقة الطاهرة فاطمة الزهراء (عليها السلام) للوصول إلى تاريخ وفاة أبيها الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) وذلك من رواية الـ 95 يومًا – في 3 جمادى الآخرة (16) في هذا اليوم 3 جمادى الآخرة سنة 11هـ شهادة سيدة النساء فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) بناءً على رواية أنها (عليها السلام) توفيت بعد أبيها (صلى الله عليه وآله) بخمسة وتسعين يومًا(17)،

           وفي هذه الرواية شيء من الثبات والمعوّل. فإذا رجعنا من هذا اليوم إلى يوم وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) فسوف نصل إلى اليوم المرجح والموثق في جملة من مصادر الشيعة الإمامية ومنها:

         (الإرشاد للشيخ المفيد، وبحار الأنوار للمجلسي، ومناقب آل أبي طالب لأبن شهر آشوب). وقال الطبرسي: قُبض رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقت الضحى من يوم الاثنين بعد خروج أُسامة إلى معسكره بيومين(18).

          وعليه: فإن اليوم الذي توفي فيه الرسول الأعظم محمد (صلى الله عليه وآله) هو يوم 28 صفر وليس غيره، لسلامته من القيل والقال.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ) إبن سعد / الطبقات الكبير/1: 120 – 121.
2 ) المصدر السابق / 1: 97، 102.
3 ) ابن شهر آشوب /مناقب آل أبي طالب/1: 123.
4 ) المصدر السابق/1: 125 – 126.
5 ) إبن سعد / الطبقات الكبير/ج2 قسم 2 ص57.
6 ) تاريخ خليفة بن خيّاط/1: 68.
7 ) تاريخ اليعقوبي/2: 103.
8 ) تاريخ الطبري/3: 217.
9 ) مروج الذهب/2: 287.
10) تاريخ سني ملوك الأرض والأنبياء/ص123.
11 ) الكامل في التاريخ/2: 323.
12 ) السهيلي: هو أبو القاسم عبد الرحمن بن الخطيب أبي محمد عبدالله الأندلسي المالقي النحوي اللغوي المحدث المفسر، صاحب … والروض الأنف شرح سيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله). ولد سنة 508 وتوفي سنة 581 هـ، انظر: الشيخ عباس القمي / الكنى والألقاب/2: 299.
13 ) شبكة المعلومات (الانترنت).
14 ) الشيخ المفيد / الإرشاد/ص128.
15 ) تهذيب الأحكام/الشيخ الطوسي/ج6ص2.
16 ) ذكرت عدة روايات أنها (عليها السلام) عاشت بعد
أبيها (صلى الله عليه وآله):
أولاً: ثلاثين يومًا أو خمسة وثلاثين (تاريخ اليعقوبي 2: 115).
ثانياً: عاشت بعد أبيها 40 يومًا (مناقب آل أبي طالب 2: 116).
ثالثاً: عاشت بعد فقد أبيها 75 يومًا (أصول الكافي، والإمامة والسياسة 1: 20).
رابعاً: عاشت بعد رحيل أبيها على حضرة القدس 95 يومًا. وهو الأقوى (بحار الأنوار 43: 156).
خامساً: عاشت بعد أبيها 6 أشهر، 8 أشهر (انظر: حسن فليح أبو صيبع / فاطمة الزهراء(عليها السلام) بين السائل والمجيب)/ ص515 – 516.
17 ) الذرية الطاهرة للدولابي 151 / 199، كشف الغمة 1: 503، بحار الأنوار 43: 196).
18 ) الطبرسي / الاحتجاج/1: 174.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.