Take a fresh look at your lifestyle.

التسامح والتعايش السلمي في نصوص آيات القرآن الكريم

0 15٬493

         مفهوم التعايش السلمي مبدأ من مبادئ الإسلام، فهو قانون إلهي يهدف إلى صون حياة البشرية، وفق ضوابط تقوم على حق الاحترام والاعتراف بأحقية الآخرين في العيش الكريم. وهو عبارة عن قاعدة عقائدية ذات جذور إيمانية جاءت عبر سلسلة من الهدي الإلهي، فجاء الأنبياء والرسل يحملون نداء المولى عزّ وجلّ لنشر دعوة التوحيد، وتوجيه الشعوب والقبائل بأن الغاية من خلقهم التعارف والتعايش، وليس الصراعات والحروب.

        ولأن الإنسان هو جوهر عملية التعايش والسلم، لذلك خصه الله تعالى بالاستخلاف في الأرض لإظهار قيمته الآدمية. فالتّعايش في ظلال القرآن الكريم يسعى إلى خدمة الأهداف الكلية.

         إن التعايش السلمي مع الذات ومع الآخرين يشكل قيمة راسخة في النفس الإنسانية عندما تدرك القواسم والقيم المشتركة بين الأديان السماوية.

         فالإسلام حريص على تقوية أواصر حسن الجوار مع كافة المجتمعات، كما يعتبر التسامح من خصائصه المهمة، وهذا ما يمكن ملاحظته من خلال أحكامه وتعاليمه الاجتماعية. ولذا فإن الشريعة الإسلامية تنظم روابط المسلمين فيما بينهم وأيضًا تؤكّد على ثقافة التسامح والتساهل مع أصحاب الأديان الأخرى. وقد جعل الله تعالى علاقات البشر فيما بينهم مبنيّة على أساس الأخوة والألفة: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) (الحجرات:10).

          كانت سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) مبنيّة على ذلك. كما يوصي القرآن الكريم المسلمين أن يتعاونوا فيما بينهم لحل الأمور العالقة، قال تعالى: (وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) (المائدة:2). وقد ورد في بعض الروايات (إنّ علياً لم يكن ينسب أحدًا من أهل حربه إلى الشرك ولا إلى النفاق، ولكنّه كان يقول: (هم إخواننا بغوا علينا).

          أقول: فانظر إلى سعة صدر الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) وأنّه كيف كان يحتمل مخالفيه وأهل حربه من المسلمين وأنّه كان يواجههم بالصفح والعفو وحسن العبارة)(1).

  التسامح والتعايش السلمي في سياق النصوص القرآنية:

         لقد تناول القرآن الكريم موضوع التسامح باعتباره من الصفات والخصائص اللازمة لكل فرد مسلم ودعامة أساسية من دعائم التعايش السلمي مع غيره، وذلك في آيات عدة عبّر عنه فيها بالعفو والحلم والصفح الجميل وألفاظ أخرى لها دلالتها كالنهي عن الصفات الذميمة من كذب وكبر وعجب وبخل وتفاخر ورياء وغل وحسد وغيرها مما يعكر صفو العلاقات الإنسانية.

      فلم يكتف الإسلام بالدعوة العامة إلى التحلي بالأخلاق الحميدة والتخلي عن الأخلاق الذميمة، وإنما فصل القول في الصنفين فبين أنواع كل صنف، والحكمة في هذا البيان المفصل هي توضيح معاني الأخلاق وتحديدها لئلا يختلف الناس فيها وتتدخل الأهواء في تحديد المراد منها.

  أنواع التسامح في القرآن

          باستقراء النصوص القرآنية نجد أن التسامح يمكن تقسيمه باعتبار دائرته إلى:

  1ـ التسامح بين الأفراد:

        وهو ما ينبغي أن تكون عليه علاقات الأفراد فيما بينهم بحيث يتبادلون الاحترام ويتعاملون بالحسنى ويتغاضون عن جهالات الآخرين، ومن الآيات التي تجسد هذا قوله تعالى: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ)(الأعراف: 199)، وروي أنه لما نزلت هذه الآية، سأل رسول الله (صلى الله عليه وآله) جبرائيل عن ذلك، فقال: لا أدري حتى أسأل العالم، ثم أتاه فقال: يا محمد! إن الله يأمرك أن تعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك(2).

2ـ التسامح بين الزوجين في الأسرة الواحدة

       وهذا النوع من التسامح من الأمور الواجبة شرعًا للوفاء بما التزمه الزوجان من المعاشرة الطيبة والألفة والمودة والتراحم والتواد، ويدل عليه قوله تعالى: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا) (النساء: 19)، أي طيِّبوا أقوالكم لهن وحسِّنوا أفعالكم وهيئاتكم بحسب قدرتكم كما تحبون ذلك منهن.

 3ـ التسامح بين الجماعات:

         والمفروض في هذا النوع أن الجماعة قد تتعرض للضغط والظلم والتغليظ بالقول من قِبَل جماعة أخرى، فالمطلوب في هذه الحالة كخطوة أولى تفادي أضرار المواجهة بالقوة، وهذا من كمال التسامح لهذا الدين فلم يأمر أتباعه بالقتال والمواجهة الساخنة أول الأمر بل فتح بابًا للموادعة وتهدئة الأوضاع كما في قوله تعالى: (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)(البقرة: 109)، أي: فاسلكوا معهم سبيل العفو والصفح عما يكون منهم من الجهل والعداوة(3).

 4ـ التسامح بين الشعوب والدول:

          وهذا النوع من التسامح هو الذي يركز عليه القرآن الكريم في رؤيته لخريطة العالم العقدية والسياسية، ففيما يتصل بالعقيدة يؤكد أنه لا سبيل لفرض العقيدة بالقوة كما في قوله تعالى: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ)(البقرة:256)، أي لا تُكرهوا أحدًا على الدخول في دين الإسلام، فإنه بيِّن واضح جلِيٌّ دلائله وبراهينه.

           وقد هيّا القرآن أتباعه نفسيًا لقبول التعدد والتنوع الديني بذكره مرارًا وتكرارًا لقصص السابقين من الأقوام والملل وأنه لا يتوقع هداية كل الناس وأن الاختلاف بينهم أمر طبيعي وكائن، كما في طائفة من النصوص لعل من أصرحها قوله عز وجل: (أَفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ الله لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا)(الرعد:31)،

          جاء ذلك في سياق تأكيده على إعجاز القرآن وكفايته في الدلالة على سبل الخير والفلاح لكل من تدبر فيه ولم يتمادَ في اتباع الهوى، فإذا وجدنا مع قوة هذا القرآن المعجز في منطقه الواضح واستدلاله الناصع أقوامًا لا يدينون به ولا يتخذونه مرجعًا وإمامًا فهذا أمر طبيعي لا ينبغي أن يصيبنا بفتور أو إحباطٍ في الدعوة إلى الحق.

    مرتكزات التسامح والتعايش السلمي في القرآن

          ويتدرج النظام الأخلاقي القرآني بدءًا بالفرد ومرورًا بالأسرة والمجتمع والدولة وانتهاءً بالمجتمع الإنساني الدولي، وفي كل دائرة من هذه الدوائر يتميز التعليم القرآني بالتركيز على العلم والتزود بزاد الحكمة والتقوى.

          ومن أهم المرتكزات في هذه العملية طهارة النفس، في قوله تعالى: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا)(الشمس:7ـ10)، وقوله تعالى: (يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ*إِلَّا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ)(الشعراء:88ـ 89).

         وقوله عزّ من قائل: (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ)(ق: 31ـ 33)،

           وهذا يعني أن الإيمان يصقل شخصية المؤمن فيؤهلها لقبول الحق ونسيان الذات والتسامي على المطالب الدنيَّة، ولا ننسى في هذا المجال دعوة القرآن الكريم لكظم الغيظ: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)(آل عمران: 133ـ134).

          ولا يقف المؤمن الكامل عند هذا الحد بل يصل إلى مقام الإحسان بالتدرج من الكظم إلى العفو ثم إلى الإحسان مع المسيئين، فقد كانت (جارية لعلي بن الحسين (عليه السلام) تسكب الماء عليه وهو يتوضأ للصلاة فسقط الإبريق من يد الجارية على وجهه فشجه فرفع علي بن الحسين عليهما السلام رأسه إليها فقالت الجارية: إن الله عز وجل يقول: (وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ)، فقال لها: قد كظمت غيظي. قالت: (وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ) قال لها: قد عفا الله عنك قالت: (وَالله يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) قال: اذهبي فأنت حرة(4)..

  حرمة النفس الإنسانية وكرامتها:

         وحين نأتي إلى الفقه الجنائي الإسلامي كما يتجسد في القرآن الكريم نرى وبكل وضوح أن للنفس الإنسانية حرمتها وكرامتها وحقها في العيش الكريم بعيدة عن كل اعتداء وإكراه، قال تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا)(الإسراء:70).

           قيل في تكرمة ابن آدم: كرّمه الله بالعقل والنطق والتمييز والخط والصورة الحسنة والقامة المعتدلة وتدبير أمر المعاش والمعاد(5)، قال تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ)(الأنعام: 151،الإسراء: 33)، مما يدل بإطلاقه وعمومه أن النفس الإنسانية مصونة ومعصومة لاسيَما إذا كانت في دار المسلمين وتحت سلطتهم، قال تعالى: (أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا)(المائدة:32).

        أما إيذاء المؤمنين والمؤمنات دون داعٍ فمن الكبائر والأمور المحرّمة قطعًا، كما يدل عليه قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا)(الأحزاب:58)، فإن مجرد الإيذاء بالقول أو العمل يعدّ جريمة تستحق العقوبة التعزيزية على أقل تقدير، وفي هذا ضمان لكل مؤمن ومؤمنة أن ينعم بعيش رغيد يأمن فيه على كرامته ونفسه وماله وأسرته.

  تربية المسلم على ثقافة التسامح والتعايش

          وفي الجانب الآخر من البعد التربوي الإسلامي ما يكفل للفرد ذاته وللمجتمع توازنه إشاعة روح التسامح والتراحم والتواد، كما في قوله التوجيهي الحنون: (ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ * أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ)(البلد: 17ـ 18)،

         وهذا يعني أن التعامل الأمثل في حالات التعدد والتنوع هو إما بالصبر على البلاء حين يكون المؤمنون في مستوى الأقلية العددية وإما بالمرحمة بمن هو دونهم في مستوى الحياة والسلطة، لا أن يحيفوا ويسدّوا عليه أبواب الحياة والحرية. بل عليهم المعاملة بالحسنى وبالإحسان: (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ)(البقرة: 215).

          والأخلاقيات التي يؤكدها القرآن الكريم لبسط ثقافة التسامح كثيرة منها التمسك بالحق بغض النظر عن قائله وصاحبه وإنصافه ما أمكن، كما قوله تعالى: (وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)(الأنعام:152).

       ومنها الإيثار البطولي بقوله تعالى: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)(الحشر:9)، وكذلك رد التحية بأحسن منها في التعامل مع الغير مما يؤدي لا محالة إلى إشاعة روح التفاهم والتعارف واستعمال أطيب العبارات بقوله تعالى: (وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا). وقوله تعالى: (وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا)(الإسراء:53).

        وعدم تمييز الناس وتفضيلهم على أساس العرق أو اللون أو القومية، كما في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ)، أما الرباط الإنساني فهو رباط مقدّس فوق اعتبارات الجنس و النوع.

        وما أكثر النصوص القرآنية التي تدعو إلى ترسيخ روح التسامح والأريحية بين بني الإنسان والتي إن تمت تربية الأجيال عليها في المدارس والمعاهد وعبر القنوات الإعلامية المختلفة ووفق خطط علمية وتربوية مدروسة حققت للشعوب والأمم ما تريد لنفسها من رخاء وسؤدد في أوطانها ومجتمعاتها الحافلة بالتعدد والتنوع والتي جاءت الشريعة الإسلامية السمحة من أجل إعمارها والرقي بها في مدارج الفلاح والنجاح.

         قال تعالى: (لَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)(الممتحنة:8)، والدين في المقام يتسع ليشمل العقائد فضلاً عن الأحكام والتشريعات، ذلك أن لفظ الدين في القرآن مقيد بقرائن المقام غير مطلق، فثمة أكثر من معنى لهذه اللفظة، لكنّ الملفت للنظر هو أن الآية لم تخصص جماعة بعينها، كأن يكونوا يهودًا أو نصارى أو صابئة أو مجوس أو مسلمين؛ بل المهم أنهم لم يقاتلوا المسلمين بالدين ولم يخرجوهم من ديارهم بالتهجير والإبعاد والإجلاء، فمثل هؤلاء لم ينه اللهُ المسلمين أن يبروهم ويقسطوا إليهم جزاءً لحسن سمتهم وجودة صنيعهم بالمسلمين الذين يجاورونهم.

          إذن القرآن يحث المسلمين على التعايش السلمي مع بقية الأقوام بصرف النظر عن عقائدهم التي يعتقدون بها.

 الخاتمة:

          ونختم بحثنا بثلاثة أسس اعتمدت عليها روح التسامح والتعايش السلمي:

  إشاعة ثقافة التسامح والتعايش السلمي بين مختلف أهل الأديان والطوائف، تلكم الثقافة التي أرساها القرآن العظيم كما وردت في الكثير من آياته المباركة..

  نبذ العنف والقتال الذي يوقعه مسلمون وغير مسلمين على المسلمين بدعاوى متنوعة، لإفشاء روح التسامح بين جميع المذاهب والأديان المختلفة في العقيدة والرأي.

  تأمين المسلمين في ديارهم، وذلك بعدم تعرّضهم إلى التهجير القسري الذي قد يقوم به مسلمون أو غير مسلمين.

  الإيمان بأن الله تعالى جعل الناس غير متكافئين في الإمكانات والاستعدادات والقابليات، فالوحدة التي يتحدثون عنها تخالف فطرة الناس التي فطرهم الله عليها. قال تعالى: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) (هود:118ـ 119)،

        إنّ الاختلاف الحاصل عند الناس فيما يتعلق بالعقائد التي يتبنونها، والثقافات التي يتخذونها لا توجب الشحناء والتباغض؛ بل توجب التعايش والتآلف.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1) نظام الحكم في الإسلام/الشيخ المنتظري/ص409.
2) تفسير مجمع البيان/ الطبرسي/ ج4ص415.
3) تفسير جوامع الجامع/ الشيخ الطبرسي/ج1ص139.
4) الأمالي/ الشيخ الصدوق/ ص269.
5) الكشاف/ الزمخشري/ ج2ص458.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.