Take a fresh look at your lifestyle.

الأصول العامة لمناهج التربية والتعليم فـي العـراق

0 486

              تشكل التربية والتعليم القاعدة الأساس في بناء الشخصية والبناء الاجتماعي. وأداة مهمة ومؤثرة في عملية التنوير الفكري، وتكوين ملاكات بشرية لإدارة الشؤون العامة والوظائف الإدارية بما يتناسب مع التطورات العلمية والتقنية الحديثة والمعاصرة حيث تضخ المؤسسات بالكوادر المتعلمة والقادرة على الإدارة والتطوير، ومن جانب آخر فإن التربية والتعليم تعيد صياغة فكر الفرد وبناءه الشخصي وهو ما يؤثر حتماً على سلوكياته وتصرفاته وعلاقاته ومواقفه ولذلك فقد جاء اهتمام الحكومات بما تحمله من أيدلوجيات متنوعة بهذه المسألة كل حسب عقيدته السياسية والدينية وترتيب أوضاع التربية والتعليم على هذا الأساس لتحقيق نوعاً من الانسجام والتوافق بين الفكر الخاص بالدولة أو الكيان السياسي والفكر المنبعث من خلال العملية التعليمية بما يخدم الأهداف التي تحاول تحقيقها هذه الدولة أو تلك وبهذا الإطار فمن الممكن الإشارة إلى مثال الدول ذات النظام الشمولي التي أخضعت التعليم والتربية بشكل مطلق إلى هيمنة أيدلوجية خاصة بها تحاول ترويجها بوسائل متعددة ومنها هذا القطاع الحيوي والفاعل وتشكيل وعي جمعي خاضع لسياستها وفكرها ومنقاداً إلى توجهاتها متبعاً

مواقفها مهما كانت وما أدت إليه من نتائج ولدينا في هذا المجال العديد من الأمثلة لعل أقربها إلينا وهو ما يدور في صلب موضوعنا السياسة البعثية القبيحة في العراق ولمدة خمسة وثلاثون عاماً نشط فيها البعث بالسيطرة والهيمنة على وسائل ومصادر الفكر والثقافة ومنها المؤسسات التعليمية والتربوية وما قرره من مناهج لاسيما في الدراسات الإنسانية التي جاءت متناغمة مع الفكر البعثي المقيت وأيدلوجيته المحطمة والطامة للشخصية والإرادة الحرة والهادفة إلى إخضاع الناس بشكل كامل إلى سياسة هذا الحزب وفكره المتناقض تماماً مع هوية العراق الدينية وجذوره الوطنية التاريخية والحقيقة أن هذه السياسات التعليمية ذات الجذور التاريخية ـ وهو ما سنشير إليه ـ قد سببت صدعاً في البنيان الفكري والثقافي وضياعاً في الهوية العراقية بين متاهات ومنحنيات متعددة ونستطيع القول إنها أثرت فكرياً في التكوين النفسي والهوياتي لأجيال متعاقبة ما زالت متأثرة إلى حد كبير بتنظيرات السياسة التعليمية البعثية وهو ما نراه ونشاهده من سلوكيات وتصرفات وتعاملات حياتية وفكرية عند البعض ممن خضعوا لهذا النموذج التربوي المشوه، والحقيقة أن الباحث والدارس للمناهج التعليمية لا يمكن له التعرف الكامل ومتابعة هذا الموضوع دون العودة للجذور الأولى لتشكل النظام التعليمي التربوي في العراق والذي ابتدأ مع تشكيل الدولة العراقية عام (1921).

كان تتويج فيصل بن الحسين ملكاً عن العراق بداية حقيقية لمرحلة جديدة في تاريخ العراق الخارج حديثاً من سيطرة الدولة العثمانية والواقع تحت سيطرة الاحتلال البريطاني، ولما كان النظام التعليمي العثماني قد امتاز بتخلفه وطائفيته المقيتة وتعامله البعيد عن المساواة في مسالة التعليم حيث الإقصاء المتعمد لشيعة العراق من دخول المدارس وتسلم الوظائف الحكومية مما دفع بالمدارس الدينية والحوزات العلمية وعلى رأسها المرجعية الدينية في النجف الأشرف أن تأخذ على عاتقها مهمة تعليم أبناء الطائفة وتزويدهم بالعلوم والمعارف سواء كانت الدينية أو العلوم الحديثة ثم جاء التطور الأبرز عندما نهضت مجموعة من المتنورين الشيعة في بداية القرن العشرين بواجب كبير حين تم تأسيس مدرسة لأبناء الشيعة في بغداد وهي مدرسة الترقي الجعفري(1).

وكان عدد كبير من الشخصيات ومنهم رجال دين قد ساهموا بفعالية في تأسيسها لنشر التعليم ولإيجاد كوادر علمية تعين في الأمور المالية والتجارية والحياتية، وأعتقد أن ذلك يشكل تحدياً واضحاً لسياسة الإبعاد والتهميش العثمانية المقصودة ضد شيعة العراق في وقت توفرت فيه الظروف وتهيأت لهذا النشاط المحدود عندما دب الضعف والخوار في جسد هذه الدولة، ولكن وصول فيصل إلى حكم العراق سجل نقطة تحول كبرى في السياسة التربوية والتعليمية وصياغة المناهج الدراسية فالملك فيصل قدم العراق تحفه حاشية كبيرة من الأتباع السياسيين والعسكريين والكثير من هؤلاء القادمين معه من العرب السوريين والفلسطينيين واللبنانيين والمصريين والحجازيين ومجموع الحاشية والطبقة السياسية الجديدة كانت اتجاهاتهم الفكرية والسياسية تنحو نحو الفكر القومي الطائفي المتشدد والمتعصب وهم أصلاً خريجي النظام التعليمي والتربوي العثماني فكان تشكلهم على هذا الأساس العثماني باعثاً على اتباع السياسة والنهج العثماني في بناء وقيادة الدولة الجديدة والاستمرار في السياسة السابقة القائمة على الإقصاء والتعامل بعقلية متماثلة للعقلية الإدارية والسلطوية العثمانية وقد تجلى ذلك في مظاهر ومواقف وسياسات متعددة شهدها التاريخ العراقي المعاصر(2).

ونتيجة لما سبق فإن النظام التربوي والتعليمي بتفاصيله وتفرعاته المنهجية خضع لأيدلوجية هؤلاء وتوجهاتهم المتناشزة مع الواقع الاجتماعي العراقي والتركيبة الديمغرافية العراقية بشكل أفقد النظام السياسي حسنه بناء ثقافة موحدة وقادرة على دمج العراقيين في بوتقة وطنية وتحقيق المساواة والعدالة وهذا ما أوجد شرخاً عميقاً في العلاقة بين الأكثرية الشعبية والسلطة الحاكمة ونوعاً من الخصام المستدام واحتدام الصراعات الفكرية والعقائدية التي سببها النظام التربوي التعليمي الجديد وكان البارز الأخطر في هذه التركيبة السياسية الفكرية الجديدة تبوء واحداً من أشرس القوميين المعادين لشيعة العراق المسؤولية الأولى في تنظيم وهيكلة التعليم والتربية وقيادتها ووضع مناهجها بروح متعجرفة وخطيرة حاولت ضرب الثقافة الخاصة بالأكثرية السكانية ضربات قوية وعنيفة بدعم وإسناد من المحتلين البريطانيين ومن الطبقة السياسية الجديدة وكان ذلك بتولي (ساطع الحصري) أمور التعليم والإشراف عليه والمعروف عن هذا الرجل السوري الأصل(3)

خدمته الطويلة في الإدارة العثمانية بوظائف متعددة وتأثره بالعقلية العثمانية المتعصبة ومن ثم تحوله الفكري باتجاه الفكر القومي وتأثره كذلك بالتنظيرات القومية الألمانية والفرنسية وصياغة هذا التأثر بكتب متعددة(4) عبر فيها عن توجهاته ورؤيته للقومية العربية ودولتها المثالية، وعندما أصبح فيصل ملكاً على سوريا عام (1920) عينه وزيراً للمعارف، وبعد طرد فيصل وإنهاء حكمه في سوريا من قبل الفرنسيين استقدمه معه إلى العراق ليتولى هذا المنصب الخطير والحساس.

اعتمد الحصري في وضع وصياغة المناهج الدراسية اعتماداً كلياً على مسألة ترسيخ الفكر القومي الطائفي وتأكيده عبر هذه المناهج ولاسيما ما يتعلق منه بمناهج التاريخ وهو الذي يشكل الركيزة الأساس في البناء الفكري والثقافي، حيث حاول الحصري تشكيل رؤية تاريخية موحدة لعموم العراقيين تستند عليها هوية وطنية كما يريدها هو والطبقة السياسية الجديدة معتمداً على الكتابة التاريخية(5) والمناهج العربية والجغرافية على إبراز الأصول العربية والدور التاريخي للعرب وحضارتهم يعاونه في ذلك عدد كبير من المدرسين والمعلمين العرب(6).

الذين تم استدعاؤهم لتلبية حاجة المدارس العراقية من الكوادر التعليمية المختلفة الاختصاصات والحقيقة إن هؤلاء قد أدوا دوراً خطيراً وتآمرياً إلى حد ما عند قيامهم بمهمات التدريس فقد شكلوا لوبياً مؤثراً سواء في السياسة العراقية أو في السياسة التربوية والتعليمية وكان الكثير منهم يتصرف وينشر فكره منحدراً من أصوله المذهبية والطائفية وبوقاحة نادرة دون اهتمام لمشاعر الأكثرية السكانية حيث وضعت المناهج ومقومات التدريس بما يتناقض تماماً مع المشاعر الدينية لشيعة العراق بل إن المناهج التاريخية تم صياغتها بروح طائفية بغيضة دون اعتبار لمشاعر العراقيين الدينية فكل ما فيها استفزازي ومدمر للبناء للاجتماعي ولعل هؤلاء الغرباء لم يبالوا بالوضع الاجتماعي العراقي وظروفه المختلفة عن البلدان التي قدموا منها فهم وبصلافة لم يترددوا في توجيه الاتهامات التاريخية الخطيرة إلى شيعة العراق واتهامهم بالشعوبية وللترويج لفكر قومي عنصري عدائي يستند إلى أبعاد طائفية والتمجيد ببعض المقاطع التاريخية السوداء والشاذة كما هو الحال عندما ألف أحد هؤلاء المدرسين وهو السوري (أنيس النصولي) مقرراً دراسياً في التاريخ عن الدولة الأموية وتمجيدها والطعن بمعارضيها بشكل خبيث ووقح دون مراعاة لمشاعر شيعة العراق والنظر إلى تاريخ هذا البلد وتركيبته السكانية المتنوعة مما أثار الاعتراضات القوية والدعوات لإلغاء هذا المنهج المقرر وطرد هذا المدرس الطائفي(7).

الذي استفز المشاعر وأثار العواطف وبالفعل فقد اتخذ السيد عبد المهدي المنتفكي وكان وزيراً للمعارف آنذاك قراراً حازما بطرد هذا المدرس وآخرين غيره على الرغم من اعتراضات البعض، وكانت هذه المحاولات التي فرضها على التعليم ساطع الحصري وأصحابه تهدف إلى ربط العراق بمشاعره وتفكيره بخارج النطاق العراقي(8).

إلى وطن يشكل حلماً لابد أن يتحقق كما يتصور القوميون ويتم التمهيد له فكرياً وثقافياً ولو كان ذلك على حساب الأكثرية السكانية في العراق ومن الجدير بالإشارة هنا إلى إن هؤلاء قد نشروا وروجوا لفكرة العراق الذي سيقود العرب إلى الوحدة كما هو حال بروسيا التي حققت الوحدة الألمانية عام (1871) في عهد المستشار بسمارك فكان تمركز القومين من كل البلاد العربية في العراق وتأثيراتهم المدمرة على السياسة العراقية وعدم مراعاتهم للواقع التاريخي الاجتماعي للعراق قد شكل أمراً غريباً وعجيباً ما زال العراق يدفع ثمنه لحد الآن، والحقيقة أن الأصول العامة التي سار عليها نظام التربية والتعليم والمناهج المعتمدة استمرت على حالها مع استمرار السيطرة الكاملة للقوميين المتعصبين على حكم العراق وحتى بعد انتهاء سيطرتهم عام (2003) فما زالت المناهج الدراسية تفوح منها رائحة الطائفية والتمييز القومي وما زال طلبة المدارس والجامعات يقرؤون بمناهج ملغومة بأفكار بعيدة عن واقعهم فعلى سبيل المثال لا يزال التاريخ المكتوب بصياغته القومية والطائفية يروج للطائفيين على أساس كونهم رموزاً وطنية وأبطالاً وقادة يجب الاقتداء بهم كما هو حال التمجيد بشخصية غير عراقية متعصبة طائفياً وقومياً وتكاد مشاعرها تفضل الآخر على العراق الذي آواه ونعني به صلاح الدين الصباغ وهو أحد المشاركين في أحداث مايس عام (1941)

وكذلك الحال مع رشيد عالي الكيلاني وآخرون من ذوي النزعة الطائفية في الوقت الذي يجري إهمال مقصود لشخصيات سياسية امتازت بوطنيتها ودفاعها عن حقوق الأكثرية السكانية وهويتها ويحدث ذلك لأن من كتب المناهج أراد التعتيم على البعض وعدم إبرازه بحقيقته في الوقت الذي يجري إبراز آخرين وتقديمهم للرأي العام كصور ناصعة ومؤثرة وخيّرة فعلى سبيل المثال فإن صالح جبر الذي صلى عليه عند وفاته عام (1957) المرجع الأعلى السيد محسن الحكيم(قدس سره) كانت له علاقات مع المرجعية الدينية وظهر بمسؤولية في الدفاع عن شيعة العراق وحقوقهم وتعليم أبنائهم يتم تهميشه وإلصاق التهم به لأنه من الطائفة الأخرى التي ناصبها المستأثرون بالسلطة والمهيمنون على المناهج الدراسية العداء والأمر كذلك مع محمد فاضل الجمالي الذي تولى رئاسة الوزراء عام (1953) وعمل بجد وصراع عنيف في مواجهة الحصري وأتباعه بغية نشر التعليم في المناطق الجنوبية والفرات الأوسط وعين أبناء هذه المناطق في المناصب والوظائف الحكومية ساعياً إلى تحقيق نوعاً من التوازن.

إن المناهج الدراسية ونظام التربية والتعليم لهما الأهمية الخطيرة في صياغة الأفكار وتشكيل الهوية الوطنية فما زال هذا النظام التعليمي يعطي الأولوية في مفرداته إلى خارج حدود العراق ويغطي مساحة قليلة من الشأن العراقي تاريخياً وجغرافيةً وأدباً وثقافةً وهذا ما يؤدي إلى ارتباط العراق روحياً بالخارج كجزء من تكوينه الثقافي وعلى هذا الأساس لابد من التعامل بجدية مع الخطورة الكامنة وراء موضوع التربية والتعليم ولابد من التركيز على الجانب المحلي وتعريف الطالب العراقي ببلده وتاريخه وثقافته بدل ربطه بثقافة هي بعيدة من نواحي عديدة، ولابد هنا وفي مجال كتابة المناهج التاريخية من مراعاة حقائق لابد من تدوينها.
وأعتقد كمثال على ذلك فإن ثورة الإمام الحسين(عليه السلام) يجب أن تكون عاملاً في توحيد الرأي العام العراقي وتصوراته وذاكرته التاريخية وتشكيل هويته الوطنية الموحدة من خلال إدخاله بالمناهج الدراسية وكذلك إبراز الرموز الأصيلة العراقية بدل الرموز الغريبة عن العراق والتي يتم جلبها من خارج الحدود.
إذن لابد هنا من التوقف وتشكيل اللجان لإعادة صياغة المناهج الدراسية وإبعاد التشوهات والعناصر الغريبة الدخيلة والاهتمام بالجانب المحلي العراقي بدل الاهتمام بالقومي العربي حتى لا تضيع ثقافتنا وهويتنا بين الخارج والداخل ويتحول العراقي إلى متلقي وخاضع لهيمنة البعض من القوميين المتشددين ويصبح اهتمامه بالقضايا الخارجية أكبر من اهتمامه بقضاياه الداخلية وحياته داخل الوطن .

نشرت في العدد 37


(1) تفاصيل أوفر حول هذه المدرسة ينظر: مذكرات رؤوف البحراني من عام (1920ـ1963).
(2) للإطلاع على البنية الاجتماعية والأصولية للطبقة السياسية الجديدة القادمة مع فيصل وكذلك حالة الاستمرار في التعامل العثماني ينظر: غسان العطية العراق نشأة الدولة، حسن العلوي، الشيعة والدولة القومية.
(3) للتعرف على هذه الشخصية المثيرة للقلق والتساؤل في آن واحد ينظر:
(4) حول فكره القومي ينظر: ساطع الحصري، أحاديث وآراء حول القومية.
(5) لمعرفة نظرته للتربية والتعليم ينظر: ساطع الحصري، مذكراتي.
(6) حول المدرسين العرب ودورهم الخطير ينظر: أحمد جودة، تاريخ التربية والتعليم في العراق.
(7) لتفاصيل أكثر حول موضوع النصولي وتطورات القضية وكتابه المذكور ينظر: عبد الكريم الأزدي، مشكلة الحكم في العراق.
(8) لابد من الإشارة إلى الدراسة الرائعة والمهمة التي تناولت التاريخ الثقافي العراقي والمعاصر في هذا السياق والتي كتبها (أريك دافيس) مذكرات الدولة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.