Take a fresh look at your lifestyle.

مقام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) في منطقة الباج

0 280

جواد عبد الكاظم محسن

        تقع منطقة الباج في ناحية جرف الصخر التابعة لقضاء المسيب في محافظة بابل، وهي غربي الفرات بين محافظتي الأنبار وكربلاء، وإلى الأخيرة أقرب منها إلى الأولى، ولكنها أكثر قرباً منهما إلى مركز قضاء المسيب إذ لا يزيد بعدها عنه مسافة خمسة وعشرين كيلومتراً إلى جهة الشمال الغربي منه.
اكتسبت هذه المنطقة (المقاطعة) اسمها (الباج) وأهميتها الدينية من حادثة تاريخية شهيرة، تمثلت في مرور أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام) بها عند رجوعه من صفين سنة 37هـ، ووقوفه عندها وحديثه مع أهلها، وكان (عليه السلام)
قد اتخذ طريقها للعودة إلى الكوفة، وهو غير الطريق الذي سلكه عند توجهه إلى الشام.
ذكر ياقوت الحموي (ت626هـ) منطقة الباج في معجمه، وقال ما نصه (الباج: بالجيم، قال أحمد بن يحيى بن جابر: مرّ علي بن أبي طالب(عليه السلام) بالأنبار فخرج إليه أهلها بالهدايا إلى معسكره، فقال: اجمعوا الهدايا واجعلوها باجاً واحداً، ففعلوا ، فسمي موضع معسكره بالأنبار الباج إلى الآن)(1). ونقل هذا القول عنه صفي الدين عبد المؤمن البغدادي في مراصده(2).
وقد أشار شيخنا الحجة المرحوم على القسام ـ طاب ثراه ـ في كتابه (السفر المطيّب) إلى منطقة الباج بعد نقله للرواية السابقة، قائلاً: (مقاطعة الباج، وفيها أسرة الشيخ خضير العاصي الجنابي، أحد رجال ثورة العشرين المشاهير، وله موقف يشكر في مقاومة الجيوش المحتلة)، ويقصد بالمحتلة الإنكليز، وأضاف قائلاً: (وفيها مقام علي(عليه السلام) بالقرب من نهر مرزوك يقع في الجهة الغربية منه)(3).

تاريخ عمارة المقام
يعود تاريخ أقدم عمارة ارتفعت فوق هذا المقام الشريف إلى مطلع القرن الرابع عشر الهجري (أواخر القرن التاسع عشر الميلادي)، وهي عمارة بسيطة أسسها الشيخ عاصي العويف الجنابي (المتوفى سنة 1338هـ/1920م)، بعد أن استدل على مكان المقام الواقع ضمن أراضيه في المنطقة، وقريباً من داره، وبعد بنائه جعل منه مضيفاً لإيواء وإطعام الغرباء والمسافرين العابرين في رحلاتهم الشاقة في ذلك الزمان، وقد تعهده من بعده ابنه الشيخ خضير (1280ـ1352هـ/1863ـ1933م) الذي أبلى بلاءً حسناً في الثورة العراقية الكبرى سنة 1338هـ/1920م، وكان يتلقى الدعم والتوجية من المراجع والعلماء المشرفين على الثورة كما فصلت المصادر، وقد وقفنا على رسالتين خطيتين بهذا الخصوص مرسلتين له من القائد الروحي الأعلى للثورة الإمام محمد تقي الشيرازي والسيد هبة الدين الحسيني الشهرستاني.
ولم تتوقف الرعاية والاهتمام الكبير لآل العويف وأماثل رجالهم بعد وفاة الشيخ خضير عن هذا المقام الطاهر، بل تواصلت العناية والجهود من قبل أبنائه كالحاج عباس خضير العاصي والشيخ مالك ياسين خضير العاصي في العقود الماضية، وهو ما يجب تسجيله بالثناء والتقدير.

العمارة الأخيرة
أنجزت آخر عمارة للمقام سنة 1385هـ/1965م، وكان قد تكفل بإنشائها الأخوان أحمد ومحمد من أسرة آل حسون الجلال من الجنابيين الساكنين جوار المقام والمتولية لسدانته، وكنا قد وقفنا عليها أثناء تشرفنا بزيارة المقام لمرات عديدة في العقد الماضي، ورأيناها تتكون من قسمين رئيسين هما: الحرم الداخلي وهو مربع الشكل بمساحة تقرب من خمسين متراً مربعاً يتوسطه صندوق خشبي مشبك بطول مترين ونصف المتر، وبعرض مترين، وارتفاع متر واحد ونصف المتر، ووضعت في داخل الصندوق منضدة صغيرة مجللة بالقماش الأخضر ، وعليها مصحف شريف، ومحل الصندوق يؤشر البقعة المباركة التي وقف عليها الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) عند وصوله لهذا الموضع أو محل صلاته، وتعلو الحرم الداخلي قبة من الآجر، والجدران كلها ملبوخة من الداخل بالجص، وفرشت الأرضية بالحصائر المنسوجة من خوص النخيل، والمكان على بساطته يبعث في نفس من يدخله من الزائرين مشاعر الجلال والقدسية.
أما القسم الآخر فهو عبارة عن طارمة مبنية من الآجر، ومسقفة بالآجر أيضاً وحديد الشيلمان، وهي مستطيلة الشكل بواجهة طولها سبعة أمتار، وعمق أربعة أمتار، ويصل بينها وبين الحرم الداخلي باب خشبي ذو مصراعين.
وتحيط بالمقام من جهاته الأربع أعداد غير قليلة من أشجار النخيل الباسقة، ويوجد في الجوار مجرى لنهر صغير جفت مياهه هو نهر مرزوك الذي أشار إليه الشيخ القسام عند ذكره للمقام.

الجريمة النكراء
لم يسلم هذا المقام الشريف المعروف بقدسيته ومكانته التأريخية من جرائم التكفريين البشعة رغم ما بذله أهالي المنطقة من جهود كبيرة لحمايته والمحافظة عليه، وقد استشهدت مجموعة خيرة منهم من أجل هذا الهدف النبيل، إلا أن يد الإرهاب الآثمة وهي لا تتورع عن محرم امتدت إليه أخيراً وطالته في منتصف سنة 1425هـ/2004م، فحدثت جريمة تفجيره وهدمه التي أفجعت المؤمنين وأحزنت نفوسهم، ورغم مرور ما يقرب من ست سنوات مازال المقام مهدماً تنظر إليه العيون دامعة والقلوب مكلومة، والكل ينتظر عودة استتباب الأمن والاستقرار إلى المنطقة كي تتم المباشر بأعماره من جديد، ولكن للأسف لم تتوقف بعد هجمات عصابات الإرهاب على أهالي المنطقة أنفسهم بين حين وآخر، كونها منطقة مفتوحة ومتاخمة للصحراء الغربية الممتدة باتجاه الحدود، ولعل يوماً قريباً تتحقق فيه المنى، وترتفع عمارة جديدة للمقام الشريف بحلّة أفخم وأبهى من سابقتها.

نشرت في العدد المزدوج 35-36


(1) الحموي، شهاب الدين أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله (ت626هـ)، معجم البلدان، 1/313، ط3، دار صادر، بيروت 2007م.
(2) البغدادي، صفي الدين عبد الؤمن بن عبد الحق (ت739هـ)، مراصد الإطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع، تحقيق وتعليق، علي محمد البجاوي، 1/146، ط1، دار المعرفة، بيروت 1373هـ/1954م.
(3) القسام، الشيخ علي: السفر المطيّب في تأريخ مدينة المسيب، مطبعة الآداب، النجف الأشرف 1394هـ/1974م، ص127.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.