Take a fresh look at your lifestyle.

أقوال المؤمنين عند القتال

0 215

     ذكر القرآن الكريم أقوالاً تَلَفَّظَ بها المؤمنون المقاتلون استعداداً لملاقاة الأعداء وعند لقائهم، وقد كشفت هذه الأقوال عن مراتبهم واستحقاقاتهم، بناءً على أمور متعددة بيّنها النصّ القرآني، أهمها: اختلاف مقامات الاستعداد، وقوة العزيمة، وتباين نيّة المقاتلين عند خوض المعركة، فورد الجزاء على قدر النيّة الباطنية والفعل الظاهري، وكانت الألفاظ التي وردت في النص القرآني أمارةً على تلك النيّات ومقدار الفعل ومرتبة الجزاء المُعَدِّ لكلّ ذلك.

     وقد تجمّعتْ لديّ من استقراء نصوص القرآن الكريم بحسب ترتيبها على السور جملة من تلك الأقوال، يمكن أن تُقسَّم قسمين، أحدهما: أقوال المؤمنين في المعارك التي وردت قبل الإسلام، وشملت نصين، ضمّ الأول أقوال المؤمنين الذين قاتلوا مع الملك طالوت، واحتوى الثاني على أقوال طوائف من المؤمنين على مرّ التاريخ، قاتلوا بإمرة مجموعة من أنبيائهم، فذكر القرآن الكريم ما صدر عنهم من أقوال وأفعال على سبيل القدوة الحسنة التي يجب أن يتبعها ويقتدي بها المؤمنون من أمّة خاتم الأنبياء والمرسلين.

     والقسم الآخر: شمل أقوال المؤمنين الذين قاتلوا مع رسول الله(صلى الله عليه وآله)، في واقعتين مختلفتين، إحداهما كانت بعد وقعة أحد وسُميّت بوقعة (حمراء الأسد)، والأخرى كانت في وقعة الأحزاب. على أنّ المتأمل في هذه النصوص يرى الوشيجة متصلة بالغرض الذي تسعى هذه النصوص لإقراره في نفوس الذين ينبرون للدفاع عن دينهم ومقدساتهم، فما نقله القرآن من أقوال وردت عن مجاهدي الأمم التي سبقت، فضلاً عن مجاهدي هذه الأمة، لم يكن ذكرها وتمجيدها إلا لبثِّ العزيمة ورفع معنويات المقاتلين السائرين في ركابهم، وتذكيرهم بالاقتداء بما صدر من أقوال هؤلاء السالفين الكاشفة عن مقامات نفوسهم العالية، والحثّ على تدبّر تلك الأقوال والانتفاع من مضامينها، وأخذ العبرة منها لتحقيق النصر على الأعداء.

     وما أحوجنا اليوم ـ ونحن في هذه الظروف العصيبة التي نواجه فيها هجوماً شرساً على معتقداتنا ومقدساتنا وأمن بلادنا ـ أن نتدارس هذه الأقوال، ونتدبّر في مقدماتها التي قادت إلى نتائج رفيعة وعواقب سعيدة، أعلاها لقاء الله على رضا منه، وهو غاية كلّ مخلوق. وسأعرض لهذه الأقوال كُلًّا على حدة، بحسب ما ذُكر من تسلسل، مع ذكر شيء عن سياقها الخارجي والداخلي، بحسب ما يقتضيه المقام، وعلى قدر الوسع والطاقة. والله الموفق.

     وأول هذه الأقوال ما ورد في سورة البقرة (الآية 249)، إذ قال تعالى: (فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ).

     إذ تورد الآية الكريمة أحداثاً وقعت في تاريخ الأمم التي سبقت، فتنقلنا إلى الحال التي كان عليها المقاتلون مع طالوت (وهو ملك من ملوك بني إسرائيل، اختاره الله (عزّ وجلّ) واصطفاه عليهم)، وقد بدأ طالوت بإعداد الجيش، ثم فصل بهم فأخرجهم عن مقرّهم ورتّبهم استعداداً لقتال أعداء الله (وهم جالوت وجنوده)(1).

     ومن مجمل سياق الآية الكريمة يمكن أن نلتمس أموراً مهمة يجب أن تتوافر ليتحقق النصر، ومن ضمنها كلام المؤمنين عند الاستعداد للقتال ولقاء العدو، ومن هذه الأمور الآتي:

      1- إنّ الرغبة الوقتية في قتال أعداء الله والذبّ عن المقدسات والحرمات، وهيجان النفس لها، لا يكفي لإثبات صدق المدّعي، فبنو إسرائيل هم مَن طلب من نبيّهم أن يقاتلوا مع ملك يختاره لهم ليدافعوا معه عن الدين ويدفعوا عن حرماتهم، ولكن النتيجة كانت فشل أكثرهم، وبطلان دعواهم، عند الاختبار وسيتضح ذلك في النقطة اللاحقة.

     2- إنّ اختبار الجنود أمر لا بُدّ منه، ليتضح الصالح منهم عقيدةً، من الطالح الذي يكون مقامه بين العسكر وبالاً عليهم وضرّاً بهم، فليس العبرة بكثرة الجنود، بل العبرة بالاستعداد النفسي لنصرة الدين، وإطاعة الأوامر الإلهية، والثبات في المعركة . وقد كان اختبار طالوت لجنوده اختباراً إلهياً كاشفاً عن الروح المعنوية للجنود، مُميِّزاً للثابت منهم على إيمانه الحافظ لذمامه من غيره من المُدَّعِين، فاختبرهم طالوت بشرب الماء في وقت شدّة الحاجة إليه وتزايد الطلب عليه مع اشتداد الحرّ وثقل المسير(2)، فأبلغهم طالوت بأن ذلك اختبار لهم من الله، فمَن شرب من النهر وارتوى فقد فشل في طاعة الأوامر الإلهية فلا يصح أن ينتسب إلى جنود الله، ومَن اغترف غرفة من الماء بيده فحسب، أو مَن التزم حرفياً بالأمر فلم يشرب البتّة، فهؤلاء من المؤمنين المفلحين، المتشرفين بحمل لواء القتال للدفاع عن دين الله، وهم قلة ثبتوا مع طالوت، أمّا العدد الأكبر فقد فشل في الاختبار.

وإنّما أضاف طالوت الاختبار إلى الله تعالى فقال: (إِنَّ اللهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ)، ليُعظِّم ذلك الأمر في نفوسهم(3)، وليشير أيضاً بأنّه منتسب إلى الله، إذ هو الذي اصطفاه لهذا المقام، فالأمر وإن صدر من طالوت إلا أنه منسوب في حقيقته إلى الله، ثم ليستشعر هؤلاء وجوب طاعتهم الأمر، وليفهموا أن هذه الطاعة موجبة لتحقق الظفر على الأعداء.

ومن هذا كلِّه يتضح أن اختبار الجنود قبل المعركة من الأمور الموجبة لتحقق النصر، وأنه أيضاً من الأمور المُبيِّنة عن استعدادات الجنود وتباين مراتبهم في الصبر وتغاير درجات الإخلاص بينهم، فمَن لم يتذوّق الماء هم الكُمَّل إخلاصاً لله، الأعلون صبراً على الشدائد، السبّاقون إلى طاعة الله ومَن يُنصبه عليهم. وترتّب على ذلك أن اختلفت كلمات الفريقين حين جدّ الأمر واحتدم، وسيتضح ذلك في النقطة اللاحقة.

     3- إنّ الذين اغترفوا الغرفة يبدو أنّهم هم القائلون (لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ)، ذلك أنهم نظروا إلى الأمور الحسيّة فقاسوا تحقق النصر من عدمه على وفق هذا القياس(4)، فوهنت عزيمتهم لما رأوا كثرة عدد جنود جالوت وعدتهم. ومعه يظهر أن اغترافهم الماء – وإن كان جائزاً – لم يحقق الاستجابة التامة للأمر الإلهي، ذلك أنّ مَن يوطِّن نفسه لملاقاة الله عليه أن يفنى، شوقاً لذلك اللقاء، فلا يحسب للجسد حساباً، وهؤلاء لم يصلوا إلى هذه المرتبة الرفيعة، فجاء كلامهم ليكشف عن هذه النفوس التي لم تستكمل إيمانها، فنطقوا بمكنون ما حوت أنفسهم فقالوا على سبيل الوثاقة: (لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ) بنفي جنس القوة والقدرة عن ملاقاة العدو، والأمر يظهر صوابه للذي ينظر إلى الأمور بظواهرها، أما المستبصر فهم الفئة القليلة الثانية الذين قالوا: (كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) فهؤلاء قد تمكّنت قدرة الله في قلوبهم، فوطّنوا أنفسهم لملاقاته، واستعدّوا لذلك، فظهر ما أضمروا في قولهم، فخلّد الله موقفهم وكلامهم، وجعله سُنّة حسنة لِمَن وطّن نفسه على ملاقاة ربّه.

ويُفاد من نصِّ كلامهم أنّ كثرة الجنود ليست هي منشأ النصر والغلبة على الأعداء، بل هي من بعض الأسباب الظاهرية لتحقق ذلك، أمّا السبب الحقيقي للنصر فهو إرادة الله وإذنه بالغلبة للمؤمنين، وقد ثبت ذلك بالأدلة النقلية والعقلية، ومنها ما ذكر في ذيل الآية الكريمة: (وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ)، ذلك أنّ معيّة الله مع الصابرين معيّة قيّوميّة ظاهرة في تسبيب أسباب النصر، فلا يعقل معها الهزيمة.

وفي ذلك بشارة للصابرين بالجزاء الجميل، وتلقين لجنود الله بالثبات والصبر عند الاختبار، وعند اختلاف الأهواء، فتشتدّ العزيمة ويتحقق النصر بإذن الله.

ثم ينقل النص القرآني في الآية الكريمة اللاحقة (سورة البقرة: الآية250) كلام المؤمنين حين التقوا بأعداء الله، فقالوا: (رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ)، وفي إيكال الأمر إليه سبحانه من أوّل كلامهم إيذانٌ بشدّة توكلهم على الله ووعيهم لحقيقة أسباب النصر وتعلّقها بإذن الله (عزّ وجلّ)، وإفراغ الصبر كناية عن الفيض السيّال، فقد طلبوا كمال الصبر وتمامه . وطلبهم ثبات الأقدام في المعركة فيه الدلالة على توطين القلب على تحمُّل الشدة . وإنّما قدّموا الصبر على طلب ثبات الأقدام، لأن الصبر منشأ الثبات على الحق وسببه، وعلة النصر وتحققه. وفي استعمال لفظ (رَبَّنَا) دلالة على تحسسهم قرب مَن التجأوا إليه وتحنّنه عليهم ومعيّته معهم، وانقطاعهم إليه في شدتهم، فكانت النتيجة لهذه المقدمات وما تلفّظوا به من دعوات صادقة وكلام يقيني أن مَنَّ اللهُ عليهم بنصره ووفقهم إلى مرضاته.

     ونقل القرآن الكريم كلام الرِّبِّيّين (وهم المنسوبون إلى الرب، انقطاعاً له في العبودية والإخلاص)(5) الذين قاتلوا مع أنبيائهم على مرِّ التاريخ، وخلّد ألفاظهم لتتمَّ الحجة على اللاحقين من المؤمنين حين اشتداد البأس، فقال تعالى في سورة آل عمران (الآية 147): (وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ

     وفي الآية بيانٌ للجانب الأهمّ الذي يجب أن يراعيه المقاتل المؤمن لتحقيق النصر، وهو جانب الاستغفار لما صدر وما سيصدر من هفوات وزلّات وتجاوز، فقد اعترف هؤلاء بالتقصير في مقام العبودية، واستصغروا تضحيتهم بجنب الله، فطلبوا ما يوجب كمال الانقطاع إليه، مؤمنين بأن النصر سيكون نتيجة حتمية لاستغفارهم.

     أمّا ما يخصّ كلام المؤمنين الذين قاتلوا مع نبينا الأكرم(صلى الله عليه وآله)، فقد نقل القرآن الكريم طرفاً منه في غزوة (حمراء الأسد)، وهي غزوة كانت بعد وقعة أُحد، وما أصاب فيها المسلمون من انكسار، فقد انتدب رسول الله(صلى الله عليه وآله) أصحابه المؤمنين أن يخرجوا إلى ملاقاة كفّار قريش مع ما بهم من الجراحة والأذى، فبعث المشركون مَن يرجف بجيش الإسلام ويوهن عزيمته(6)، فكان جواب هؤلاء المؤمنين (سورة آل عمران: الآية 173) أن (قَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ)، وفي قولهم هذا بيان لشدة إيمانهم وترتب كلامهم على ما تضمره سرائرهم، من صدق الاعتقاد بكفاية الله لهم وأنّه هو وحدَه ناصرهم، لذا يجب التوكُّل عليه في تدبير أمورهم، فاجتمع صدق النيّة والكلام الكاشف عنها، والعمل المتوجب على ذلك، فتحقق النصر (فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللهِ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ) (آل عمران: 174).

وفي غزوة الأحزاب نقل القرآن الكريم كلام المؤمنين المُبِين عن تصديقهم بإخبار الله ورسوله إيّاهم باشتداد المحنة عليهم نتيجة لاجتماع الأحزاب لمقاتلتهم، ولكن العاقبة ستكون للمؤمنين، فقال تعالى: (وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا) (الأحزاب: 22)،

     وفي الآية بيان لوعي المؤمنين في تلك المحنة الشديدة، وذلك الاختبار الصعب، إذ تكالب الأعداء عليهم وجمعوا عديدهم وعدتهم، لاستئصال الإسلام وأهله، فما كان من الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله) إلا أن خفّف الوطء عليهم، فأخبرهم بما سيحدث قبل أن يكون، فلمّا رأى المؤمنون صدق الجزئية الأولى للإخبار، علموا صدق الجزئية الأخرى(7)، وتيقّنوا أن النصر لهم لا محالة، فزادهم ذلك إيماناً وتسليماً، فتحقّق النصر الموعود، وانكسرت شوكة الكفار، وزال خطرهم، وقويت شوكة الإسلام، ونجح المؤمنون في الاختبار واكتسبوا مراتب عالية في الإيمان والتصديق والتسليم، استعداداً لإنجاز مهماتهم الإلهية اللاحقة>

 

نشرت في العدد 68


الهامش:

1) ينظر: نور الثقلين، عبد علي بن جمعة العروسي ا/248، والميزان في تفسير القرآن، العلامة محمد حسين الطباطبائي2/183.
2) ينظر: الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، الشيخ ناصر مكارم الشيرازي 2/215.
3) ينظر: مواهب الرحمن في تفسير القرآن، السيد عبد الأعلى السبزواري 4/148.
4) المصدر نفسه 4/150.
5) ينظر: التبيان في تفسير القرآن، الشيخ محمد بن الحسن الطوسي3/9، والأمثل 2/724.
6) ينظر: التبيان3/49، ومجمع البيان في تفسير القرآن، الفضل بن الحسن الطبرسي 3/399.
7) التفسير الصافي، الفيض الكاشاني 5/184.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.