Take a fresh look at your lifestyle.

معالم التيار الانقلابي بعد وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله) المغيرة بن شعبة أنموذجاً

0 286

علي الفحام

 

              لا يختلف اثنان من المنصفين أن أهم الانعطافات التي شهدها التاريخ الإسلامي تتمثل بموجة الانقلاب العقائدي والسياسي للأمة الإسلامية بعد وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله) حيث أُبعد أهل البيت سلام الله عليهم قسراً عن دورهم الريادي في قيادة الأمة وهداية الناس نحو ما يصلح أمر دنياهم ويرتقي بشؤون حياتهم وما يضمن لهم الفوز وحسن العاقبة في الآخرة.
لقد كشف هذا (الانقلاب) عن تصاعد وخطورة الدور التخريبي الذي لعبه (تيار النفاق) والذي بدأ يتصاعد بشكل ينخر كيان الأمة من الداخل ويهدد بإجهاض الإنجازات النبوية على مدى أكثر من عقدين من الزمن قاسى فيها رسول الله(صلى الله عليه وآله) وأهل بيته أعباء الدعوة ومحن المواجهة المباشرة مع رؤوس الكفر على كل الجبهات.

و إن إطلالة سريعة على رموز هذا (التيار الانقلابي) ومعالم حركته قبل وبعد وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله) يسلط الضوء على مدى المظلومية التي لحقت بأهل البيت(عليهم السلام)
ومن ثم بشيعتهم المخلصين الذين لازموهم ملازمة الرضيع لأمه وصمدوا بوجه التهويل وحملات الترهيب والعزل والإقصاء التي مارستها السلطة الحاكمة وولاتها المنتشرون في أصقاع الدولة الإسلامية الفتية.

المغيرة بن شعبة.. تعريف مختصر
يعتبر المغيرة بن شعبة (ت50ﻫ) من جملة الصحابة الذين يجد الباحث رغبة في دراسة حياتهم لما اشتملت عليه من وقفات مهمة على صعيد الحدث التاريخي والمباحث العقائدية التي تبرز كأحد وجوه الخلاف بين مدرسة التشيع ومدرسة أهل السنة والجماعة، فلقد كان رقماً مهماً في المعادلة السياسية التي فرضها تيار النفاق الانقلابي على الساحة الإسلامية ولاعباً رئيسياً في بلورة المشهد السياسي حتى منتصف القرن الهجري الأول…

عرف (المغيرة بن شعبة) بطلاً لحادثة تاريخية مشهورة لطخت جبين التراث الإسلامي بفضيحة قاسية من الصعب أن يرحض عارها وتستر سوءتها، الأمر الذي سبب حرجاً شديداً لرموز التيار الانقلابي ومن ثم لأتباعهم من أنصار ومنظري فكرة (عدالة الصحابة)، فقد عُثر عليه (وهو الصحابي والوالي على البصرة من قبل عمر بن الخطاب) في حالة ارتكاب لفاحشة الزنا مع امرأة معروفة بالسوء في (البصرة) وقد تضمنت هذه الحادثة الكثير من الوقفات والدلالات والمضامين التي يمكن للباحث أن يقرأ سطورها وبالتالي يستطيع أن ينتصر لأحدى النظريتين: نظرية (عدالة الصحابة) ونظرية (التقييم القرآني لفعل الصحابة)..

والمغيرة بن شعبة من بني ثقيف، فهو المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود بن معتب مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن قيس الثقفي، وأمه امرأة من بني نصر بن معاوية، صحابي أسلم عام الخندق (6ﻫ) وهاجر إلى المدينة وشهد الحديبية (7ﻫ). وأصيبت عينه يوم اليرموك (13ﻫ)، ولاه الخليفة عمر بن الخطاب (ت23ﻫ) إمارة البصرة سنة 17ﻫ،
ولما شهدوا عليه بالزنا عزله عنها وولاه الكوفة!، وتوفي أميراً عليها من قبل معاوية سنة 50 ه‍، وأحصن 300 امرأة في الإسلام وقيل بل 1000 امرأة!!. (انظر: عبد الله بن سبأ، للسيد مرتضى العسكري 1\101).

الملامح السيكولوجية والفكرية للمغيرة
من المهم جداً أن يقف الباحث وقفة تأمل عند ملامح الشخصية التي ميزت المغيرة بن شعبة سيكولوجياً وفكرياً باعتباره يمثل خلاصة واضحة للمنهج الانقلابي الذي تحكم بمقادير البلاد الإسلامية وبأرواح العباد وأعراضهم ومقدرات الأمة وثرواتها ومن ثم بمستقبلها ومصيرها ودورها في تطور الحضارة الإنسانية بشكل عام.
تميزت شخصية المغيرة بن شعبة بالصفات التالية:

1ـ الغدر
اشتهر المغيرة بن شعبة بالغدر في جاهليته وإسلامه ، فقد روى البخاري (ت256هـ) في صحيحه 3\180 في حادثة إسلام المغيرة: (وكان المغيرة صحب قوماً في الجاهلية فقتلهم واخذ أموالهم ثم جاء فأسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أما الإسلام فأقبل وأما المال فلستُ منه في شيء…) وفي سير أعلام النبلاء للذهبي (ت748هـ) 3\25 ورد أن النبي(صلى الله عليه وآله) قال له: (أما إسلامك فنقبله، ولا آخذ من أموالهم شيئاً، لان هذا غدر، ولا خير في الغدر)..

وقد وثق أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) (ت40هـ) هذه الصفة المقيتة قائلاً في إحدى خطبه: (وما المغيرة! إنما كان إسلامه لفجرة وغدرة لمطمئنين إليه من قومه فتك بهم وركبها منهم فهرب فأتى النبي(صلى الله عليه وآله) كالعائذ بالإسلام، والله ما رأى أحد عليه منذ ادعى الإسلام خضوعاً ولا خشوعا ً) رواه إبراهيم الثقفي (ت283هـ) في الغارات 2\517…

2ـ الرشوة
يفتخر المغيرة بن شعبة أنه أول من رشا في الإسلام، (راجع: تاريخ دمشق لابن عساكر (ت571هـ) 60\40، الإصابة 6\157)، وفي معارف ابن قتيبة الدنيوري (ت276هـ) ص 558: (وأول من رشا في الإسلام المغيرة بن شعبة، قال: ربما عرق الدرهم في يدي أرفعه ﻟـ(يرفأ) – حاجب عمر – ليسهل إذني على عمر)!

3ـ صاحب بدعة
يروي لنا التاريخ أن المغيرة هو أولُ من سمى عمر (أمير المؤمنين)!، في محاولة منه لضرب خصوصية هذا اللقب بالإمام علي(عليه السلام) وانفراده به دون سائر المسلمين، ففي تاريخ البخاري الصغير 1\79: عن ابن شهاب قال: (أول من حيى عمر بن الخطاب بأمير المؤمنين المغيرةُ بن شعبة فسكت عمر)…!! وكأنه أعجب بهذه البدعة!

4ـ الدهاء
في تاريخ ابن عساكر 60\49: الدهاة أربعة: (معاوية وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة وزياد بن أبيه).. وقال عنه الحافظ الذهبي: (من كبار الصحابة، أولي الشجاعة والمكيدة… وكان داهية، يقال له: مغيرة الرأي)…. (سير أعلام النبلاء 3/21-22).

5ـ التزوير
وهو أحد أساليب الدهاء وموارد المكر التي عرف بها المغيرة، ففي تاريخ بن خياط ص153: (كانت ولاية الحسن بن علي سبعة أشهر وسبعة أيام. أقر عمال أبيه وافتعل المغيرة بن شعبة عهداً على لسان الحسن، فأقام الحج سنة أربعين…) تنبه لقوله (وافتعل المغيرة بن شعبة عهداً على لسان الحسن) لتعرف تزويره..

6ـ الكذب على رسول الله(صلى الله عليه وآله)
اشتُهرت عن المغيرة أحاديث ينسبها لرسول الله(صلى الله عليه وآله) وهي كذب صريح لأنها تصطدم بثوابت الإسلام وقواعد القرآن الكريم وقد غدت هذه الأحاديث مصدراً للبدع والفتاوى الباطلة في تاريخ الإسلام، فهو من الذين روجوا لفكرة (المسح على الخفين) ومن الذين افتروا على رسول الله أنه كان يبول واقفاً ـ والعياذ بالله ـ..

وهذه نماذج من روايات المغيرة التي روتها كتب القوم:
* مسند أحمد 4\247: عن عروة بن الزبير قال: قال المغيرة بن شعبة: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على ظهور الخفين.
* مسند أحمد 4\246: عن أبي وائل عن المغيرة بن شعبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى على سباطة بنى فلان فبال قائماً..
وقد تجرأ أحد الرواة النواصب على أن ينسب الرواية الثانية إلى الصحابي الجليل حذيفة بن اليمان (ت36هـ) وهو بريء منها براءة الذئب من دم يوسف، والرواية في صحيح البخاري 5\382: عن أبي وائل عن حذيفة بن اليمان قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى سباطة قوم فبال وهو قائم ثم دعاني بماء فأتيته فتوضأ ومسح على خفيه…).

وأغلب الظن أن هذه الرواية من موضوعات (شقيق بن سلمة) المكنى أبا وائل (وكان عثمانياً يقع في علي عليه السلام ويقال: إنه كان يرى رأي الخوارج ولم يختلف في أنه خرج معهم وأنه عاد إلى علي عليه السلام منيباً مقلعاً) (الغارات للثقفي 2\947) إلا إنه ظل من المنحرفين عن علي(عليه السلام)…
والذي يظهر أن هناك اتجاهاً داخل خط الصحابة المنحرفين عن أمير المؤمنين(عليه السلام) كان مهتماً بنقل وترويج الأكاذيب على لسان رسول الله(صلى الله عليه وآله) من أجل تشويه السنة وإحياء عادات الجاهلية التي حاربها الإسلام، يروي المحدث السني الكبير جلال الدين السيوطي (ت911هـ): (إن البول قياماً صار عادة اعتاد

عليها المسلمون من العامة في مدينة هرات إحياءً لهذه السنة المبتدعة، ومن أجل عدم مخالفتهم لما جاء في صحيح البخاري ومسلم، تراهم يستنون بهذه السنة فكانوا يبولون عن قيام حتى ولو مرة واحدة في كل عام)!! (يروي الحادثة الشيخ محمد صادق النجمي في كتابه (أضواء عن الصحيحين) نقلاً عن شرح سنن النسائي ج1: 19)… كل هذا ببركة المغيرة بن شعبة وبعض من كان على شاكتله من المنحرفين عن أهل
البيت(عليهم السلام)…

7ـ النصب والعداء لأهل بيت رسول الله (صلوات الله عليهم أجمعين)
أحد أهم معالم شخصية المغيرة بن شعبة التي لا تخفى هي حالة الحقد والعداء التاريخي التي كان يعيشها تجاه أهل بيت النبوة وحملة الرسالة ابتداء من فاطمة الزهراء (ت11ﻫ) وحتى الإمام الحسن (ت49ﻫ) (عليهم السلام) وفي الحقيقة فإن هذه الصفة هي مصدر كل الشرور والانحرافات التي تحكمت بشخصية وعقلية هذا الخبيث!

وقد تواترت الأخبار في قيام المغيرة بن شعبة بتنفيذ أوامر أستاذه معاوية بن أبي سفيان (ت60ﻫ) بسب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) ولعنه على منابر الكوفة تنفيذاً لسياسة اتبعها البلاط الأموي بزرع روح الكراهية والتوهين في نفوس الجماهير الإسلامية تجاه أمير المؤمنين(عليه السلام)، ولم يرتدع المغيرة بتحذيرات واعتراضات بعض الصحابة ووجهاء الكوفة وشخصياتها من مغبة الاستمرار بهذه السياسة الحمقاء، ففي ضعفاء العقيلي (ت322هـ) 2\286: (لما قدم معاوية الكوفة أقام المغيرة بن شعبة خطباء يلعنون علياً)،.. أما الهيثمي (ت807ﻫ) فيروي في مجمع زوائده 8\76: عن زياد بن علاقة قال: (نال المغيرة بن شعبة من علي فقال له زيد بن أرقم: علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينهانا عن سب الموتى فلم تسب علياً رحمه الله وقد مات؟!… قال الهيثمي: رواه الطبراني بإسنادين ورجال أحد أسانيد الطبراني ثقات)… ولم يجد زيد بن أرقم سوى نهي النبي عن سب الموتى مدخلاً لنصح المغيرة وردعه عن هذا الفعل القبيح لأنه ربما لم يجد في عقلية المغيرة أية مجال لنهيه وتذكيره بحرمة عمله هذا (قاتله الله)..

وفي الإطار نفسه يروي ابن أبي الحديد المعتزلي (ت656ﻫ) في شرح النهج 4\70: (قال أبو جعفر [الاسكافي] رحمه الله تعالى: وكان المغيرة بن شعبة صاحب دنيا، يبيع دينه بالقليل النزر منها ويرضي معاوية بذكر علي بن أبي طالب(عليه السلام)،
قال يوما في مجلس معاوية: إن عليا لم ينكحه رسول الله ابنته حباً، ولكنه أراد أن يكافئ بذلك إحسان أبى طالب إليه. قال: وقد صح عندنا أن المغيرة لعنه على منبر العراق مرات لا تحصى…).

وفي شرح النهج أيضاً 13\220: عن عبد الله بن ظالم، قال لما بويع لمعاوية أقام المغيرة بن شعبة خطباء يلعنون علياً(عليه السلام)، فقال سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل: (إلا ترون إلى هذا الرجل الظالم يأمر بلعن رجل من أهل الجنة)، وعن الحر بن الصباح قال سمعت عبد الرحمن بن الأخنس، يقول: شهدت المغيرة بن شعبة خطب فذكر علياً(عليه السلام)، فنال منه.
وعن رياح بن الحارث، قال: (بينما المغيرة بن شعبة بالمسجد الأكبر، وعنده ناس إذ جاءه رجل يقال له قيس بن علقمة، فاستقبل المغيرة، فسب علياً(عليه السلام)).

وقد حاول المغيرة استمالة كبار شخصيات الشيعة ورموزهم في الكوفة لسب أمير المؤمنين(عليه السلام) على المنابر فخاب مسعاه وذهبت مكائده أدراج الرياح وانكسرت أحلامه على صخرة صمود الممانعة الشيعية الواعدة:
فقد روى الشيخ الأميني (ت1392هـ) في موسوعة الغدير 10\263 نقلاً عن كتاب الأذكياء للجوزي ص 98: (قدمت الخطباء إلى المغيرة بن شعبة بالكوفة فقام صعصعة بن صوحان فتكلم فقال المغيرة: أخرجوه فأقيموه على المصطبة فليلعن علياً. فقال: لعن الله من لعن الله ولعن علي بن أبي طالب. فأخبروه بذلك فقال: أقسم بالله لتقيدنه. فخرج فقال: إن هذا يأبى إلا لعن علي بن أبي طالب فالعنوه لعنه الله. فقال المغيرة: أخرجوه أخرج الله نفسه)!.

وفي الوقت نفسه أصدر المغيرة تهديداً وتحذيراً لصعصعة، الشخصية الشيعية الصلدة والثاقبة، كي لا يحدث الناس بفضائل علي بن أبي طالب قائلاً له: (إياك أن يبلغني أنك تعيب عثمان وإياك أن يبلغني أنك تظهر شيئاً من فضل علي… فإن كنت ذاكراً فضله فاذكره بينك وبين أصحابك في منازلكم سراً وأما علانية في المسجد فإن هذا لا يحتمله الخليفة..) الكامل لابن الأثير 3\429.

وفي شرح النهج 4\58: (أمر المغيرة بن شعبة – وهو يومئذ أمير الكوفة من قبل معاوية – حجر بن عدي أن يقوم في الناس، فليلعن علياً(عليه السلام)، فأبى ذلك، فتوعده، فقام فقال: أيها الناس، إن أميركم أمرني أن ألعن علياً فالعنوه فقال أهل الكوفة: لعنه الله، وأعاد الضمير إلى المغيرة بالنية والقصد.)!! وهكذا ظلت الحالة الشيعية في ولاية الكوفة تمثل خط المعارضة الصارم بوجه الطغمة الأموية الحاكمة وتحمل لواء الرفض لسياسات الحكومات الجائرة التي جاهرت بدون خشية أو رهبة بعدائها السافر لأهل بيت رسول الله(صلى الله عليه وآله).

واستمراراً لتلك السياسة فقد كان المغيرة يأمر من تحته من الولاة والأمراء بسب علي بن أبي طالب(عليه السلام) ففي (الكامل في التاريخ) لابن أثير 3\414: (لما ولي المغيرة الكوفة استعمل كثير بن شهاب على الري وكان يكثر سب علي على منبر الري وبقي عليها إلى أن ولي زياد الكوفة).
ومن مظاهر عدائه لأهل البيت(عليهم السلام) أنه كان أول من بايع أبا بكر، في السقيفة ففي كتاب سُليم بن قيس (ت72) 144: (وكان أول من بايعه ـ أي أبا بكر ـ المغيرة بن شعبة ثم بشير بن سعيد ثم أبو عبيدة الجراح ثم عمر بن الخطاب ثم سالم مولى أبي حذيفة ومعاذ بن جبل).
لقد لعب المغيرة بن شعبة دوراً محورياً في صياغة أحداث السقيفة وما جرى بعدها من ويلات وظلم وتجاوز واضطهاد ضد أهل البيت(عليهم السلام)، فقد كان المغيرة ضمن المجموعة العسكرية التي دهمت بيت الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء(عليها السلام) حيث أورد العياشي (ت320ﻫ) في تفسيره 2\66: عن عمرو بن أبي المقدام عن أبيه، عن جده قال: (ما أتى على علي(عليه السلام) يوم قط أعظم من يومين أتياه فأما أول يوم فيوم قبض رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وأما اليوم الثاني… قال عمر: قوموا بنا إليه فقام أبو بكر وعمر وعثمان وخالد بن الوليد والمغيرة بن شعبة وأبو عبيدة بن الجراح وسالم مولى أبي حذيفة وقنفذ…) وتشير إحدى الروايات إلى اشتراك المغيرة بعملية ضرب الصديقة فاطمة الزهراء(عليهما السلام) كما يروي الشيخ الطبرسي (ت548ﻫ) في الاحتجاج 1\414 في محاورة جرت بين الإمام الحسن(عليه السلام) والمغيرة حيث قال له الحسن(عليه السلام): (وأنت الذي ضربت فاطمة بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله) حتى أدميتها وألقت ما في بطنها، استذلالاً منك لرسول
الله(صلى الله عليه وآله) ومخالفة منك لأمره، وانتهاكاً لحرمته وقد قال لها رسول الله(صلى الله عليه وآله): يا فاطمة أنت سيدة نساء أهل الجنة. والله مصيُّرك إلى النار).

ولعل من أوضح مظاهر العداء لأهل البيت والولاء لبني أمية أن المغيرة كان أول من أشار على معاوية باستخلاف ابنه يزيد وزين لمعاوية الأمر حتى أقنعه به قائلاً: (يا أمير المؤمنين، قد رأيت ما كان من سفك الدماء، والاختلاف بعد عثمان، وفي يزيد منك خلف، فاعقد له، فإن حدث بك حادث كان كهفا للناس، وخلفاً منك، ولا تسفك دماء، ولا تكون فتنة. قال: ومن لي بهذا؟ قال: أكفيك أهل الكوفة، ويكفيك زياد أهل البصرة، وليس بعد هذين المصرين أحد يخالفك. قال: فارجع إلى عمالك، وتحدث مع من تثق إليه في ذلك، وترى ونرى. فودعه ورجع إلى أصحابه. فقالوا: مه؟ قال: لقد وضعت رجل معاوية في غرز بعيد الغاية على أمة محمد، وفتقت عليهم فتقاً لا يرتق أبداً…!
(راجع في هذه الحادثة الموثقة تاريخياً: الكامل في التاريخ: 2 / 508 وراجع تاريخ الطبري: 5 / 301 والإمامة والسياسة: 1 / 187 وتاريخ اليعقوبي: 2 / 219، تاريخ ابن عساكر 40\298).

8ـ النزعة الجنسية المفرطة
لا يجد الباحث في حياة المغيرة والمتتبع لجزئياتها بداً من الاعتراف بوجود ميل جنسي مفرط نحو الجنس الآخر وانغماس فاحش في الملذات وركوب الشهوات في حلال أو حرام فذلك لا يفرق عند هذا (الصحابي الجليل)!!
ومن المعروف إن الإسلام الحنيف جاء لتهذيب النفوس وتنقيتها من شوائب الانحراف الخلقي ومن عادات الجاهلية الظلماء:
* قال تعالى: (والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلاً عظيماً) (النساء 27) وذم الله تعالى أقواماً قال فيهم: (فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غياً) (مريم 59).
* وفي المقابل مدح الله تعالى المؤمنين في كتابه العزيز بأنهم طهروا أنفسهم وزكوها من درن الشهوات والمعاصي، يقول عز من قائل: (ونفس وما سواها * فألهمها فجورها وتقواها * قد أفلح من زكاها) (الشمس 7-9)، وقال في سورة الأعلى (14-15): (قد أفلح من تزكى * وذكر اسم ربه فصلى).
وفي حين كانت هذه سيرة صحابة رسول الله المخلصين المتقين الذين لم يبدلوا ولم يغيروا من بعده، كان تيار النفاق المتصاعد بين الصحابة يحاول إحياء سنن الجاهلية المقيتة ونزعة الميل الأعمى للشهوات إرضاء للنفس الأمارة بالسوء ومكيدة بالإسلام وأهله فطفقوا يشقون الطريق بما يحقق لهم هذا الغرض بمساعدة وتواطؤ من السلطة الحاكمة المغتصبة للخلافة!

وكان المغيرة بن شعبة في مقدمة هؤلاء النفر المنهمك لإحياء سنن الجاهلية وإشاعة المنكرات وفتن الشهوات بين المجتمع الإسلامي… عرف المغيرة بن شعبة بالزنا في زمن الجاهلية وظلت هذه الحالة تحكم عقليته وتصرفاته بعد دخوله الظاهري في الإسلام، فقد ورد في شرح النهج لابن أبي الحديد 12\229: (وقد روى المدائني أن المغيرة كان أزنى الناس في الجاهلية فلما دخل في الإسلام قيده الإسلام وبقيت عنده منه بقية ظهرت في أيام ولايته البصرة) فإذا علمنا أن الزنا كان متفشياً في الجاهلية فكيف يكون حال أزنى الناس فيها؟؟!! وظل المغيرة يمارس هذه العادة الجاهلية المخزية حتى بعد دخوله الإسلام من غير خشية ولا رعاية لحرمة بعد أن وجد الحماية السياسية الكافية، يقول الإمام الحسن عليه السلام مخاطباً المغيرة في ما رواه الشيخ الطبرسي في الاحتجاج 1\414: (وما زالت الطائف دارك تتبع البغايا، وتحيي أمر الجاهلية، وتميت الإسلام، حتى كان ما كان في أمس)!

وحتى في أحلك الظروف وأقساها لا يخفي المغيرة شدة ميله الجنسي!، فعندما أشخصه عمر من البصرة إلى المدينة بعد حادثة الزنا المشهورة لقي امرأة من بني مرة في الطريق فخطبها من أبيها للزواج فقال له أبوها: وأنت على هذه الحال!! فتزوجها المغيرة في منطقة يقال لها (الرقم) وهو موضع بالحجاز قريب من وادي القرى فلما وصل خبره عمر بن الخطاب عنفه قائلاً: (إنك لفارغ القلب طويل الشبق)!!.. (تاريخ الطبري 3\169، شرح النهج 12\239).

ولم يحفظ المغيرة بصره الذي أمره الله تعالى بغضه وصونه عن الحرام حتى وهو في ساحات القتال جريحاً في أرض المعركة! في تاريخ بن عساكر 60\54: عن الشعبي قال: لما كان يوم القادسية طعن المغيرة بن شعبة في بطنه فجيء بامرأة من طيئ تخيط بطنه فجعلت تخيطه فلما نظر إليها وهي تخيط قال ألك زوج قالت وما يشغلك ما أنت فيه من سؤالك إياي..!!
ويعترف المغيرة أنه رجل مطلاق يكثر من طلاق النساء دون مبرر أو سبب عقلائي أو شرعي!! ففي سير أعلام النبلاء 3\31: (عن بكر بن عبد الله، عن المغيرة بن شعبة قال: (لقد تزوجت سبعين امرأة أو أكثر).
وعن ابن المبارك قال: (كان تحت المغيرة بن شعبة أربع نسوة. قال: فصفهن بين يديه وقال: أنتن حسنات الأخلاق، طويلات الأعناق، ولكني رجل مطلاق، فأنتن الطلاق).

وعن ابن وهب: حدثنا مالك قال: (كان المغيرة نكاحاً للنساء، ويقول: صاحب الواحدة إن مرضت مرض وإن حاضت حاض، وصاحب المرأتين بين نارين تشعلان، وكان ينكح أربعاً جميعاً ويطلقهن جميعاً)!!
وعلى هذا فليس غريباً على صاحب شخصية تحكمها عادات الجاهلية وسنن الكفر وتعيش بهذه التركيبة السيكولوجية أن يرتكب جريمة الزنا خصوصاً إذا اجتمعت عنده السلطة والأموال وقلة الوازع الديني وانحراف عام يعيشه المجتمع الإسلامي الفتي..

واقعة زنا المغيرة بن شعبة في البصرة
رويت هذه الواقعة على ألسن المحدثين وأصحاب السير والسنن واشتهرت فلا مجال لإنكار أصلها وإنما خلط الرواة في بعض تفاصيلها واختلفت ألسن المحللين والمفسرين لها ومهما يكن من أمر فقد شكلت حرجاً شديداً لأصحاب نظرية عدالة الصحابة!
طبعاً اخترنا أفضل النصوص وأعلاها سنداً فيما اتفق على روايته كل من الجوهري (ت323هـ) في السقيفة وفدك ص 92، وأبي الفرج الأصفهاني (ت356هـ) في الأغاني ج 14 ص 139 – 142
من طبعة ساسي سنة 1959 وأخرجه ابن أبي الحديد في شرح النهج 2 / 161:
(كان المغيرة بن شعبة وهو أمير البصرة يختلف سراً إلى امرأة من ثقيف يقال لها الرقطاء ولها زوج من ثقيف يقال له الحجاج بن عتيك، فلقيه أبو بكرة يوماً فقال: أين تريد؟ قال: أزور آل فلان، فأخذ [أبو بكرة] بتلابيبه وقال: إن الأمير يزار ولا يزور.

وكانت المرأة التي يأتيها جارة لأبي بكرة فقال فبينما أبو بكرة في غرفة له مع أخويه نافع وزياد ورجل آخر يقال له شبل بن معبد، وكانت غرفة جارته تلك محاذية غرفة أبي بكرة فضربت الريح باب غرفة المرأة ففتحته فنظر القوم فإذا هم بالمغيرة ينكحها، فقال أبو بكرة: هذه بلية قد ابتليتم فانظروا. فنظروا حتى أثبتوا، فنزل أبو بكرة فجلس حتى خرج عليه المغيرة من بيت المرأة، فقال له أبو بكرة: إنه قد كان من أمرك ما قد علمت فاعتزلنا، فذهب المغيرة وجاء ليصلي بالناس الظهر فمنعه أبو بكرة وقال: لا والله لا تصلي بنا وقد فعلت ما فعلت، فقال الناس: دعوه فليصل إنه الأمير واكتبوا إلى عمر فكتبوا إليه… وسار المغيرة، حتى قدم على عمر، فجلس له عمر ودعا به وبالشهود فتقدم أبو بكرة، فقال: أرأيته بين فخذيها؟ قال: نعم والله لكأني أنظر إلى تشريم جدري بفخذيها، قال المغيرة: لقد ألطفت النظر، قال أبو بكرة: لم آل أن أثبت ما يخزيك الله به، فقال عمر: لا والله حتى تشهد لقد رأيته يلج فيها كما يلج المرود في المكحلة، قال: أشهد نعم ذلك، فقال عمر: اذهب مغيرة ذهب ربعك).

قال أبو الفرج: (ويقال إن علياً هو قائل هذا القول، ثم دعا نافعاً، فقــــال: عـــلامَ تشهد؟ قال: على مثل شهادة أبي بكرة، فقال عمر: لا، حتى تشهد أنك رأيته يلج فيها ولوج المرود في المكحلة. قال: نعم حتى بلغ قذذه، فقال: اذهب مغيرة ذهب نصفك ثم دعا الثالث وهو شبل بن معبد، فقال: على مثل شهادة صاحبي فقال: اذهب مغيرة ذهب ثلاثة أرباعك. قال: فجعل المغيرة يبكي إلى المهاجرين فبكوا معه وبكى إلى أمهات المؤمنين حتى بكين معه قال: ولم يكن زياد حضر ذلك المجلس، فأمر عمر أن ينحى الشهود الثلاثة وأن لا يجالسهم من أهل المدينة أحد وانتظر قدوم زياد…).

إلى هنا القضية واضحة وتسير وفق المعايير الصحيحة وملخصها أن أربعة من المسلمين بينهم صحابيان (أبو بكرة الثقفي الطائفي (ت51هـ) ونافع بن الحارث بن كندة الثقفي) وجدوا والي البصرة المغيرة بن شعبة متلبساً بجريمة الزنا مع امرأة ذات بعل فشهد إلى الآن ثلاثة منهم شهادة كاملة صحيحة ووفق الضوابط الشرعية.

ويصور النص الذي أوردناه حال المغيرة بن شعبة الذليل والمنكسر بعد تمام الشهادة الثالثة عليه حيث أخذ (يبكي إلى المهاجرين فبكوا معه وبكى إلى أمهات المؤمنين حتى بكين معه)! وربما الهدف هو إعطاء الإشارة لإنقاذه بعد أن ذهب ثلاثة أرباعه!

زياد بن أبيه يقلب المعادلة!
وقد كان زياد (ت53هـ) هو الورقة الرابحة لعمر بن الخطاب والمغيرة بن شعبة لدرء حد الرجم عن والي البصرة المتلبس بالجريمة… لنكمل الرواية ثم نستكمل النقاش..
(فلما قدم [زياد] وجلس في المسجد واجتمع رؤوس المهاجرين والأنصار قال المغيرة: وكنت قد أعددت كلمة أقولها، فلما رأى عمر زيادا مقبلاً قال: إني لأرى رجلا لن يخزي الله على لسانه رجلا من المهاجرين.

وفي حديث أبي زيد عمر بن شبه، عن أبي عثمان الهندي، أنه لما شهد الشاهد الأول عند عمر تغير لذلك لون عمر، ثم جاء الثاني فشهد، فانكسر لذلك انكساراً شديداً، ثم جاء [الثالث] فشهد، فكأن الرماد نثر على وجه عمر فلما جاء زياد، جاء شاب يخطر بيديه، فرفع عمر رأسه إليه، وقال: ما عندك أنت يا سلح العقاب [فقال المغيرة مستنجداً بعمر]: يا أمير المؤمنين إن هؤلاء قد احتقروا دمي فالله الله في دمي، فتدفقت عينا زياد، واحمر وجهه وقال: يا أمير المؤمنين، أما أن أحق ما حق القوم، فليس عندي ولكني رأيت مجلساً قبيحاً، وسمعت نفساً حثيثاً، وانبهاراً، ورأيته متبطنها، فقال عمر: أرأيته يدخل ويخرج كالميل في المكحلة؟ قال: لا. وروي أنه قال: رأيته رافعاً برجليها، ورأيت (كذا وكذا) مترددتين بين فخذيها، وسمعت حفزاً شديداً، ونفساً عالياً، فقال عمر: أرأيته يدخله ويخرجه كالميل في المكحلة؟ قال: لا. فقال عمر: الله أكبر. قم يا مغيرة إليهم فاضربهم، فجاء المغيرة إلى أبي بكرة فضربه ثمانين وضرب
الباقين).
وهكذا كان عمر بن الخطاب أول من عطل الحدود وجلد الشهود وكانت نتيجة هذا الحدث الدرامي أن انتصر عمر لصاحبه ومستشاره السياسي المغيرة بن شعبة بعد أن أثر على شهادة زياد بن أبيه فخلى سبيل المغيرة وجلد الشهود حد القذف إلا زياداً!!
وحتى لا يبقى المغيرة بن شعبة في البصرة ويستذكر أهلها حادثته المخزية أمر عمر بتوليته إمارة الكوفة!! لا ندري أين عدالة عمر التي يروج لها علماء السنة والجماعة؟!!

وقد ذهبت هذه الواقعة مثلاً حيث (كان الرجل يقول للرجل: غضب الله عليك كما غضب أمير المؤمنين على المغيرة عزله عن البصرة واستعمله على الكوفة)!! (تاريخ دمشق 60\40).
ولا يقولنَّ أحد أن عمر لم يثبت عنده زنا المغيرة فهذا هو الشطط بعينه!! روى البلاذري (ت279) في فتوح البلدان 2\343: (أن الخليفة عمر ابن الخطاب لما أراد أن يوليه الكوفة – بعد هذه الواقعة – قال له: إن وليتك الكوفة أتعود إلى شيء مما قرفت به؟ قال: لا).
وأوضح من هذا ما رواه ابن خلكان (ت610هـ) في وفيات الأعيان 6\366: (ثم إن أم جميل وافقت عمر بن الخطاب بالموسم والمغيرة هناك فقال له عمر: أتعرف هذه المرأة يا مغيرة؟ قال: نعم هذه أم كلثوم بنت علي!! فقال له عمر: أتتجاهل علي؟!! والله ما أظن أبا بكرة كذب عليك وما رأيتك إلا خفت أن أرمى بحجارة من السماء)!! (انظر أيضاً شرح النهج 13\238 حيث ينقل رواية عن أبي الفرج مسندة إلى الشعبي).
ورواه أبن أبي شيبة (ت235) في مصنفه 7\271 بسند صحيح رجاله ثقات عند القوم إلا أن متنه مبتور مع الأسف!!: عن أبي الضحى (تابعي ثقة) قال: حدثني من سمع عمر يقول إذا رأى المغيرة بن شعبة: (ويحك يا مغيرة! والله ما رأيتك قط إلا خشيت…).
وواضح أن العبارة مبتورة – بشكل متعمد – وتحتاج إلى تكملة وقد عرفت تكملتها من رواية ابن خلكان وابن أبي الحديد…

علاقة المغيرة مع الصحابة والخلفاء
من المفارقات المثيرة أن المغيرة كان شخصية مبغوضة منبوذة ولا تحظى باحترام الصحابة وأصحاب السلطة من الخلفاء لخبثه وسوء سريرته وانعدام العفة في تصرفاته وتزعزع ثقة الآخرين به خصوصاً بعد ما اشتهر به من الكذب والغدر مع دمامة في الشكل والهيئة!!

ولكن في الوقت نفسه كان المغيرة مقرباً من بعض الخلفاء لأنهم لمسوا بشخصيته مزيجاً من الدهاء والمكر والتدبير والتملق واستعداداً لبيع الضمير والمبادئ من اجل عرض الحياة الدنيا الزائل وإرضاء لرغبات السلطان!
ولهذا حظي المغيرة بحماية واهتمام من قبل الخليفة أبي بكر بعد دوره المحوري في أحداث السقيفة والحرب التي أعلنتها السلطة الحاكمة على بيت الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء(عليها السلام) وتلقي هذه الرواية التي رواها الهيثمي في مجمع الزوائد 9\361 ضوءاً على (الحصانة السياسية) التي تمتع بها المغيرة في عهد أبي بكر: (عن المغيرة بن شعبة قال: كنت عند أبي بكر الصديق رضي الله عنه فعرض عليه فرس فقال رجل: احملني على هذا، فقال: لان أحمل عليه غلاماً قد ركب الخيل على غرته أحب إلى من أن أحملك عليه، فغضب الرجل وقال: أنا والله خير منك ومن أبيك فارساً فغضبت حين قال ذلك لخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقمت إليه فأخذت برأسه فسحبته على أنفه فكأنما كان على أنفه عزلاء مزادة (فم مزادة) فأرادت الأنصار أن يستقيدوا منى (أي يقتصوا) فبلغ ذلك أبا بكر فقال: إن أناساً يزعمون أني مقيدهم من المغيرة بن شعبة ولأن أخرجهم من ديارهم أقرب من أن أقيدهم من وزعة الله الذين يزعون عباد الله!!. رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح).
وقد استمرت السلطة في عهد عمر بن الخطاب بسياسة أبي بكر في تكوين طبقة برجوازية حاكمة متسلطة لا يمكن لأحد أن يحاسبها مهما فعلت أو عثت في الأرض فساداً في حين كانت تمارس الإقصاء والتضييق والنفي وحتى التصفية لشيعة أمير المؤمنين(عليه السلام) وأتباعه في مختلف المدائن الإسلامية.
ورغم كل هذا لم يخف الخلفاء وكثير من الصحابة امتعاضهم من المغيرة وتصرفاته وسوء سريرته ولا بأس أن نطلع على بعض من تلك الشواهد التاريخية:

علي بن أبي طالب(عليه السلام)
1ـ في نهج البلاغة 4\95: قال علي(عليه السلام)
لعمار بن ياسر (ت37هـ) (وقد سمعه يراجع المغيرة بن شعبة كلاماً): (دعه يا عمار فإنه لم يأخذ من الدين إلا ما قاربه من الدنيا، وعلى عمد لبس على نفسه ليجعل الشبهات عاذرا لسقطاته…).
قال الشيخ عبده: أي أوقع نفسه في الشبهة عامدا لتكون الشبهة عذرا له في زلاته…
2ـ وفي الغارات للثقفي 2\517: عن علي(عليه السلام): (و ما المغيرة! إنما كان إسلامه لفجرة وغدرة غدرها لمطمئنين إليه من قومه فتك بهم وركبها منهم فهرب فأتى النبي(صلى الله عليه وآله) كالعائذ بالإسلام، والله ما رأى أحد عليه منذ ادعى الإسلام خضوعاً ولا خشوعاً..).
3ـ في شرح النهج لابن أبي الحديد 4\69: (قال أبو جعفر [الاسكافي]: وكان المغيرة بن شعبة يلعن علياً(عليه السلام) لعنا صريحا على منبر الكوفة، وكان بلغه عن علي(عليه السلام) في أيام عمر أنه قال: لئن رأيت المغيرة لأرجمنه بأحجاره…) في إشارة منه(عليه السلام) إلى أن استحقاق المغيرة هو الرجم بعد ثبوت الزنا بحقه.

الحسن بن علي(عليهما السلام)
في الاحتجاج للطبرسي 1\414: (وأما أنت يا مغيرة بن شعبة! فإنك لله عدو، ولكتابه نابذ، ولنبيه مكذب وأنت الزاني وقد وجب عليك الرجم، وشهد عليك العدول البررة الأتقياء، فأخر رجمك، ودفع الحق بالأباطيل، والصدق بالأغاليط وذلك لما أعد الله لك من العذاب الأليم، والخزي في الحياة الدنيا، ولعذاب الآخرة أخزى)..

عمر بن الخطاب
1ـ رفض شهادة المغيرة
في الطبقات الكبرى لابن سعد 4\23: عن أبي جعفر محمد بن علي [الباقر]: (أن العباس جاء إلى عمر فقال له: إن النبي صلى الله عليه وسلم أقطعني البحرين قال: من يعلم ذلك؟ قال: المغيرة بن شعبة، فجاء به فشهد له قال: لم يمض له عمر ذلك كأنه لم يقبل شهادته فأغلظ العباس لعمر فقال عمر: يا عبد الله خذ بيد أبيك…).
2ـ عزله من البحرين بعد احتجاج أهلها على تأميره.
في سير أعلام النبلاء 3\26: (أن عمر استعمل المغيرة بن شعبة على البحرين، فكرهوه، فعزله عمر).
3ـ وصفه للمغيرة بأنه (فارغ القلب طويل الشبق) كما مر ذكره.

الصحابي الشاعر حسان بن ثابت
في شرح النهج لابن أبي الحديد 12\229 وفي الاستذكار لابن عبد البر 1\101: قال حسان بن ثابت يهجو المغيرة بعد فضيحته المشهورة في البصرة:
لو أن اللؤم ينسب كان عبداً
قبيح الوجه أعور من ثقيف
تركت الدين والإسلام لمـا
بدت لك غدوة ذات النصيف
وراجعت الصبا وذكرت لهواً
مع القينات في العمر اللطيف

عبد الرحمن بن عوف
في شرح النهج 9\53: بعد ذكر بيعة عثمان من قبل اللجنة السداسية للشورى التي عينها عمر، قال المغيرة بن شعبة لعثمان: (أما والله لو بويع غيرك لما بايعناه، فقال عبد الرحمن بن عوف: كذبت، والله لو بويع غيره لبايعته، وما أنت وذاك يا بن الدباغة، والله لو وليها غيره لقلت له مثل ما قلت الآن، تقربا إليه وطمعا في الدنيا، فاذهب لا أبا لك!. فقال المغيرة: لولا مكان أمير المؤمنين منك لأسمعتك ما تكره…) انظر أيضاً: السقيفة وفدك للجوهري (ت323هـ) ص:87، تاريخ الطبري (ت310هـ) 3\98 وفي لفظه: (فقال عبد الرحمن: كذبت يا أعور لو بايعتْ غيره
لبايعته).
وختاماً فقد كانت هذه جولة مع حياة مثيرة للجدل للأحد رموز التيار الانقلابي الذي استلم قيادة الدولة الإسلامية بعد وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله) والذي أسس أساس الظلم والجور على أهل البيت عليهم السلام ومهد لظلامة ما زالت ولن تزول حتى يورث الله عباده الذي اصطفى مشارق الأرض ومغاربها… وآخر دعوانا أن الحمد لله رب
العالمين .

نشرت في العدد 32

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.