Take a fresh look at your lifestyle.

لمحات فنية من وصية الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام) لمن استعمله على الصدقات

0 197

         الوصايا من المظاهر المعروفة في العصر الجاهلي، وكانت تجري في نطاق محدود، وفي المجال الأسري غالباً، كأن يوصي الأب ابنه أو أبناءه والأم ابنتها… وما إلى ذلك، وهي ما دامت أسرية فإنها غالباً ما تحمل طابع النصح والإرشاد بفضل فارق الخبرة التي يتمتع بها الآباء والأمهات، وما يلزمهم به موقعهم في الأسرة من ضرورة توجيه النصح إلى أبنائهم تجنباً لمزالق الحياة الكثيرة، لكن الإسلام الذي قلب أغلب مواصفات الحياة السائدة قلب معه بشكل جذري طابع الوصية المحدود بحدود الأسرة وحدها ليفتح أمام هذا الفن آفاقاً واسعة، إذ صارت تجري على ألسنة كبار القوم وفي مقدمتهم الرسول محمد(صلى الله عليه وآله) وأهل بيته(عليهم السلام)،

فخرجت الوصية من مجالها الضيق المحدود لترد مجالات الحياة المصيرية، ولاسيما أنها صارت توجه إلى قادة الجند وأمرائهم المتوجهين إلى فتح البلدان حتى صارت من تقاليد الحياة أن يوجه صاحب الأمر من يخوله بمهمة أو واجب معين في كيفية تنفيذ هذا الواجب، وما هي الأصول والشروط التي يجب عليه أتباعها، وهي من سنة الإسلام، وصميم تشريعه، الذي أنزله الله سبحانه وتعالى على نبيه الكريم محمد(صلى الله عليه وآله).

وقد تنوعت الوصايا بحسب المضامين والمواقف التي تستدعيها وظهرت لدينا وصايا الحرب وهي التي يوجهها الخليفة إلى القائد وجنده الذين اختارهم لأداء مهمة ما، أو في التوجه إلى الفتوح في غير بلاد العرب، وهي وصايا غالباً ما تتعلق بطبيعة التعرف الذي يفترض في القائد القيام به، وهو يواجه عدوه، أي أن الوصية صارت تشمل على جملة من التعليمات والتحذيرات التي تصدرها القيادة العليا إلى من في عهدتها من القادة والآمرين، وهي بهذا ستكون من حيث البناء الفني، جملاً طويلة مرسلة تبتعد عن الظواهر المتكلفة من الصنعة وتنفذ إلى هدفها مباشرة لأنها تركز على الدقة والوضوح في معانيها، وقد ظهر فيها أثر الإسلام واضحاً فهي تجسد مبادئ الإسلام وقيمه وتستمد عناصره منه.

وقد كانت الوصايا مجالا للخصائص الفردية التي تتنوع بحسب الموصين أنفسهم، وخير مثال على تلك الخصائص الفردية، هذه الوصية التي أوصى لها الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام) لمن استعمله على الصدقات التي سنحاول في الصفحات القادمة أن نبرز أهم الملامح الفنية فيها.

النــص:
(انطلق على تقوى الله وحده لا شريك له، ولا تروعنَّ مسلماً، ولا يجتازَنّ عليه كارهاً، ولا تأخذن منه أكثر من حق الله في ماله، فإذا قدمت على الحي فانزل بمائهم من غير أن تخالط أبياتهم، ثم أمض إليهم بالسكينة والوقار حتى تقوم بينهم فتسلم عليهم ولا تخرج بالتحية لهم، ثم تقول: عباد الله أرسلني إليكم ولي الله وخليفته لآخذ منكم حق الله في أموالكم، فهل لله في أموالكم من حق فتؤدوه إلى وليه؟ فإن قال قائل: لا، فلا تراجعه، وإن أنعم لك منعم فانطلق معه من غير أن تخيفه أو توعده، أو تعسفه، أو ترهقه، فخذ ما أعطاك من ذهب أو فضة، فإن كان له ماشية أو أبل، فلا تدخلها إلا بأذنه فإن أكثرها له، فإذا أتيتها فلا تدخل عليها دخول فتسلط عليه، ولا تعنف به، ولا تنفرن بهيمة، ولا تفزعنها، ولا تسؤن صاحبها فيها، وأصدع المال صدعين ثم خيره، فإذا اختار،

فلا تعرضن لما اختاره، فلا تزال كذلك حتى يبقى ما فيه وفاء لحق الله في ماله، فاقبض حق الله منه، فإذا استقالك فأقله، ثم أخلطهما ثم أصنع مثل الذي صنعت أولاً حتى تأخذ حق الله في ماله، ولا تأخذن عوداً ولا هرمة ولا مكسورة ولا مهلوسة ولاذات عوار، ولا تأمنن عليها إلا من تثق بدينه رافقاً بمال المسلمين، حتى يوصله إلى وليهم فيقسمه بينهم، ولا توكل بها إلا ناصحاً شفيقاً، وأمينا حفيظاً غير معنف ولا مجحف ولا ملغب ولا متعب، ثم أضرر إلينا ما اجتمع عندك نصيرها حيث أمر الله به، فإذا أخذها أمينك فأوعز إليه ألا يحول بين ناقة وبين فصيلها، ولا يمصر لبنها فيضر ذلك بوليدها، ولا يجهدنها ركوباً، وليعدل بين صواحباتها في ذلك وبينها، وليرفه على اللاغب وليستأذن بالنقيب والضالع وليوردها ما تمرَّ به من القدر، ولا يعدل بها عن نبت الأرض إلى جواد الطريق وليروحها في الساعات وليمهلها عند النطاق والأعشاب حتى تأتينا بإذن الله بدناً منقيات غير متعبات ولا مجهودات لنقسمها على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله، فإن ذلك أعظم لأجرك، وأقرب لرشدك أن شاء الله…)(1).

التحلــيل:
إن أول ما يلاحظ على الوصية هو تحرك فعل الأمر بشكل ملفت للنظر مع (لا) الناهية المقرونة بفعل المضارع المتصل بنون التوكيد الثقيلة، وهذه الحركية في النص تسمح له بآلية اشتغال قوامها مقاربة فعلية سلوكية تقوم على مجموعة من الأوامر والنواهي لتكون بمثابة الضوابط التي تنظم عمل المكلف بجمع الصدقات، كما يلحظ التركيز على نون التوكيد الثقيلة من دون الخفيفة بما لا يفسح مجالاً للتهاون أو الخنوع في تنفيذ الأوامر والنواهي، فمن الأوامر قوله (انطلق على تقوى الله وحده لا شريك له)(2)
وقوله: (فإذا قدمت على الحي فانزل بمائهم من غير أن تخالط أبياتهم، ثم أمضِ إليهم بالسكينة والوقار)(3) وأمثلة هذه الأوامر كثيرة في الوصية، وكلها تدل على أسلوب أمر بصيغة فعل الأمر، يقتضي فيه طلب فعل على وجه الاستعلاء والإلزام.
أما النواهي فتجدها في قوله مثلاً: (ولا تروعن مسلماً، ولا يجتازن عليه كارهاً، ولا تأخذن منه أكثر من حق الله في ماله)(4)
وقوله (ولا تنفرن بهيمة ولا تخرعنها ولا تسؤن صاحبها فيها)(5) وغيرها من النواهي التي تقتضي طلب الكف عن فعل على وجه الاستعلاء والإلزام.

كما نلحظ تحرك (لا) الناهية الجازمة مع الفعل المضارع من دون اتصاله بنون التوكيد الثقيلة كما فعل قوله: (ولا توكل بها إلا ناصحاً شفيقاً)(6) وقوله (ولا يعصر لبنها فيضر ذلك وليدها)(7) وغيرها من الأمثلة.
كما يشتغل النص على أسلوب الشرط وبصورة جاذبة بما يوحيه من إلزام واشتراط لا يسمح بتجاوزها وعدم الامتثال إليها، كقوله (فإن قال قائل: لا، فلا تراجعه)(8) وقوله: (فإذا قدمت على الحي فانزل بمائهم)(9) وغيرها أمثلة كثيرة في الوصية ويشيع في النص كثرة استعمال أدوات العطف كأدوات للتحديد و التتابع بما يوحى بتحديد الأفعال وتناسقها وتتابعها سلوكياً ونفسياً، كقوله: (فان كان له ماشية أو إبل فلا تدخلها إلا بإذنه فأن أكثرها له)(10)

(فإن استقالك فأقله، ثم أخلطهما ثم أصنع مثل الذي صنعت أولاًً حتى تأخذ حق الله من ماله)(11) وغيرها من النماذج الكثيرة في الوصية.
وجمل الوصية في عمومها مرسلة ليس فيها آثار ظاهرة للصنعة، وإنما هي تجري مجرى النثر المرسل، الدقيق في معانيه، الواضح في أغراضه ومراميه، لكي يبين للفهم ويرتفع معه العذر.

وقد اختفت من النص مظاهر النثر الجاهلي التي كانت سائدة، ولاسيما السجع، لكنه لم يخلو نهائياً، وإنما يجئ عفواً لا اعتماداً، كقوله (غير معنف ولا مجحف، ولا ملغب ولا متعب)(12) وقوله: (فإن ذلك أعظم لأجرك، واقرب لرشدك، إن شاء الله)(13).
ومن كل ذلك، نرى الوصية صارت قانوناً ودستور عمل لا ينبغي لمن توجه إليه أن يحيد عنها، ولا أن يخالفها إلى غيرها، لأنها تصدر عن آمر وجبت طاعته، وهو في النص يرسم طريقة التعامل: (فإذا قدمت إلى الحي فانزل بمائهم…)(14) وهي في شكلها الخارجي تمتاز بجمالها وتناسب جملها وأساليبها، وما يشيع فيها من حكمة ونفاذ فكر وبعد نظر، لأنه لا تصدر إلا من حكيم مجرب عرك الحياة وعركته .

نشرت في العدد 32


(1) شرح النهج: 3/23-26.
(2ـ14) راجع الوصية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.