Take a fresh look at your lifestyle.

الرسول المهيمن (صلى الله عليه وآله وسلم)

0 188
السيد علاء الموسوي

           (السلام على رسول الله، أمين الله على وحيه وعزائم أمره، الخاتم لما سبق والفاتح لما استقبل والمهيمن على ذلك كله ورحمة الله وبركاته، السلام على صاحب السكينة، السلام على المدفون بالمدينة، السلام على المنصور المؤيد، السلام أبي القاسم محمد بن عبد الله ورحمة الله وبركاته).

          ذكر الشيخ المفيد والسيد ابن طاووس والشهيد في كيفية زيارة أمير المؤمنين(عليه السلام) أن تقرأ هذه الزيارة للنبي(صلى الله عليه وآله) وأنت على باب الرواق الأول.

             وقد تضمنت هذه الزيارة المختصرة للرسول الكريم(صلى الله عليه وآله) حقائق جليلة سنحاول الإلماح إليها في هذه الأسطر.

  أولها:

          أن الرسول الكريم(صلى الله عليه وآله) اؤتمن من قبل الله تعالى على أخطر أمرين يمكن لنا كبشر أن نتصورهما، وهما:

الوحي الإلهي المتضمن: للشرائع والأحكام الإلهية في عالم التشريع والمتضمن لحقائق أخرى بعيداً عن عالم التشريع.  وعزائم أمر الله تعالى التي قد تعني: ما أحكم وما أبرم من مقادير إلهية لعالم الخلق والتكوين.

            أما الوحي الإلهي فهو رسالة الإسلام وما تضمنت من حقائق شاملة لجميع وقائع الحياة، تنبسط على كافة جزئيات الأمور وحالات البشر مما وقع سابقاً وسيقع لاحقاً، منتهى عمر البشرية.

           كما أنها شاملة لجميع الحقائق الأوسع من عالم التشريع، وذلك لأن ما هو حقيقة، أوسع بكثير من دائرة الإنسان وما يحتاجه من تشريعات، فلله تعالى شأن أوسع من الإنسان ومن عالمه المحدود، وإن كان الإنسان هو أشرف مخلوقاته، لكنه ليس الحقيقة الفاردة في شأن الله تعالى.

         وقد يدل على ما قلناه مِنْ تضمُّن كتاب الإسلام وهو القرآن الكريم لمثل تلك الحقائق قوله تعالى: (ما فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ…) (الأنعام الآية 38) ومن الواضح أن مطلق الشيء أعم مما يرتبط بالإنسان من تشريعات تنظم حياته.

          وقوله تعالى: (الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ)(يونس:1).

         فإن الحروف المقطعة التي ابتدأت بها الآية مما لا يعلم تفسيره بالقطع واليقين، فهو ليس داخلاً فيما يحتاجه الإنسان من تشريعات لأنه غير معروف، وهو مع ذلك يعد من الكتاب الحكيم. ومثل ذلك كثير.

          وأما عزائم أمر الله… فقد جعلت عنده(صلى الله عليه وآله)، بحيث لا يصدر أمر ولا ينفذ تقدير في عالم التكوين إلا بعد أن يمر على روحه الطاهرة وتستوعبه نفسه القدسية، وقد ورد في زيارة الإمام الحسين(عليه السلام): (إرادة الرب في مقادير أموره تهبط إليكم وتصدر من بيوتكم، والصادر عما فصل من أحكام العباد).

          فإذا كانت هذه المنزلة ثابتة للإمام الحسين(عليه السلام) فهذه بلا شك من جملة ما ورثه من رسول الله(صلى الله عليه وآله).

  ثانيها:

            أنه(صلى الله عليه وآله) ورث جميع علوم الأنبياء والمرسلين قبله، التي نزلت عليهم بالوحي أو حصلوا عليها وراثة عن الحجج السابقين عليهم. وهذا ما تدل عليه جملة وافرة من الروايات.

    منها ما رواه الصفار:

            عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: إن لله تعالى علماً خاصاً وعلماً عاماً، فأما علمه الخاص فالذي لم يُطلع عليه ملائكته المقربين وأنبياءه المرسلين فقد وقع علينا من رسول الله(صلى الله عليه وآله)(1).

            عن أبي الحسن الأول(عليه السلام) حينما سئل: جعلت فداك النبي(صلى الله عليه وآله) ورث علم النبيين كلهم؟ قال لي: نعم(2).

            وعن أبي جعفر(عليه السلام): إن الله جمع لمحمد (صلى الله عليه وآله) علم النبيين بأسره، وإن رسول الله(صلى الله عليه وآله) صير ذلك كله عند أمير المؤمنين(عليه السلام)(3)… وغيرها بهذا المعنى كثير.

  ثالثها:

          إن كل ما يستجد من علم من السماء وأحداث في الأرض لابد أن يمر على قلب النبي(صلى الله عليه وآله)، فهو الفاتح لكل علم يأتي بعده إلى يوم القيامة. ويدل على ذلك جملة روايات، منها:

         عن سيف التمار قال: (كنا مع أبي عبد الله(عليه السلام) جماعة من الشيعة في الحجر فقال: علينا عين، فالتفتنا يمنة ويسرة فلم نر أحداً فقلنا: ليس علينا عين. قال: ورب الكعبة (ثلاث مرات)، لو كنت بين موسى والخضر لأخبرتهما أني لأعلم منهما ولأنبأتهما بما ليس في أيديهما، لأن موسى والخضر أعطيا علم ما كان ولم يعطيا علم ما هو كائن إلى يوم القيامة).

إن رسول الله(صلى الله عليه وآله) أعطي علم ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة، فورثناه من رسول الله(صلى الله عليه وآله) وراثة(4)… وغيرها كثير بنفس المعنى.

            إضافة إلى ما دل على عرض الأعمال عليه(صلى الله عليه وآله) في كل ليلة جمعة. وبهذا يتضح أنه (صلى الله عليه وآله) مهيمن على جميع العلم الكائن والذي سيكون إلى يوم القيامة.

            فهو خاتم لما سبق بوراثته لجميع الأنبياء والمرسلين في علمهم وتجاربهم وقدراتهم الموهوبة لهم من الله تعالى، وفاتح لما استقبل بما أوحي إليه من الكتاب الذي (فيه تبيان كل شيء) وما يعطي من العلم المتجدد إلى يوم القيامة.

           روى المفضل قال: قال لي أبو عبد الله(عليه السلام): إنه إذا كانت ليلة الجمعة وافى رسول الله(صلى الله عليه وآله) العرش ووافى الأئمة معه وافينا معهم فلا ترد أرواحنا إلى أبداننا إلا بعلم مستفاد، ولولا ذلك لنفد ما عندنا(5).

            إن هذه المنزلة من العلم التي تجعله(صلى الله عليه وآله) مهيمناً على تمام العلم الإلهي النازل إلى الأرض، ومستوعباً لجميع التجارب البشرية السابقة واللاحقة إلى منتهى عمر البشرية، ترتب له دوراً رئيسياً ومستمراً في هداية الخلق وتدبير شؤونهم على مر الأجيال والعصور، ولا يختص أثره في الجيل الذي عاصره ورآه وسمع منه.

            فهو الحجة على جميع الأنبياء والمرسلين منذ أرسلوا، ولا تتم رسالة أحد منهم إلا بالإقرار بنبوته ومنزلته ومنزلة أهل بيته الأئمة الطاهرين(عليهم السلام). وهو الروح العظيمة التي علمت الخلائق في عالم الأرواح كيف تسبح وكيف تكبر وكيف تهلل، وكيف تطيع الله تعالى وتخضع لأوامره وحقيقته.

         هو حقيقة العقل الكامل التام الذي أهبطه الله تعالى في الإنسان وجعله في بني البشر على مراتب ودرجات حسب استحقاقهم وقابلياتهم. والروايات الدالة على ما نقول كثيرة مبثوثة في كتب متيسرة لمن أحب المراجعة، منها: (بصائر الدرجات للصفار)، و(أصول الكافي للكليني)، و(أمالي الصدوق والمفيد)، قدست أسرارهم جميعاً.

          إن حقيقة روح النبي الأعظم(صلى الله عليه وآله) هي حقيقة الفطرة التامة السليمة التي دعي إليها الإنسان، ولذا فإن من عرف أوصافه وسيرته وأخلاقه(صلى الله عليه وآله)، وكان على جانب من صفاء الفطرة أحبه وانجذب إليه، لأنه يجده موافقاً لفطرته منسجماً مع ما يعرفه عقله وتقر به سجيته الإنسانية.

          وهذا الأثر في هداية الخلق سائق لهم إلى سبل السلام حياً وميتاً. لأنه هو بنفسه يمثل حقيقة الفطرة السليمة المودعة في جميع البشر والتي لا يكاد أحد منهم يكتشفها ويزيل عنها الرين والغبار إلا ووجد حقيقة النبي أمامه بل في أعماقه.

           إنه (صلى الله عليه وآله) ـ بعد ذلك ـ الواسطة الكبرى في نعم الله على خلقه على مدى عالم التكوين، فما من نعمة تنزل أو نقمة تدفع إلا وهو المتلقي لها والواسطة في إيصالها إلى البشر بل إلى جميع الخلق.

          إنه لَوهمٌ كبير… أن يعتقد البعض أن النبي (صلى الله عليه وآله) مات وذهب تأثيره معه، ولم يعد سوى (رمة بالية لا تضر ولا تنفع)، وأنه لا معنى لذكره وتبجيله والاحتفاء بذكراه والاستشفاع به إلى الله تعالى في طلب الحوائج، واستكشاف الهموم.

          إنه(صلى الله عليه وآله) (بحق) تلك الروح العظيمة التي ما زال تأثيرها يملأ الدنيا، وبركاتها تعم الخلق، والعقل الذي به يهتدي ذوو العقول… ويستمد منه ذوو الألباب ألبابهم، ويهتدون به، ويبصرون طريقهم إلى رضوان الباري عز وعلا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) بصائر الدرجات ص111.
(2) المصدر السابق ص114.
(3) المصدر السابق ص117.
(4) المصدر السابق ص129.
(5) المصدر السابق ص130.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.