Take a fresh look at your lifestyle.

الإمام الحسين (عليه السلام) امتداد لرسالة جده (صلى الله عليه وآله) الإصلاحية

0 214

          إن للإمام الحسين (عليه السلام) موقعاً رسالياً في صميم حركة الأنبياء والأولياء تميّز به عن سائر أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، وجعل منه حقيقة خالدة وضميراً حياً لكل مظلوم، وصرخة حق تدوي في وجه الظالمين إلى يوم الدين،

          وتدل الروايات التي تنقلها لنا أمهات الكتب الحديثية والفرق الإسلامية في حق الإمام الحسين (عليه السلام) على أن هناك دوراً رسالياً ومقاماً إلهياً خاصاً أراده الله سبحانه وتعالى ورسوله الصادق الأمين لهذا الإمام الوتر لكي يكون ثأر الله القائم حتى يرث الأرض عباد الله الصالحون، وبه (عليه السلام) وبنهضته المباركة تتكامل شروط الوعي العقائدي للأمة الإسلامية، وسيتعاظم اندماجها بالرسالة لتنطلق تحت ولايتهم بإرادة صعبة ثائرة، وبعزم أولي العزم نحو إعلاء كلمة الله في الأرض ليكون الدين كله لله وحده لا شريك له.

      وفي ذلك يقول السيد هاشم الحسني:

           (لقد كان الحسين (عليه السلام) الوارث الوحيد لتلك الثورة التي فجرها جده الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) على الجاهلية الرعناء والعنصرية والوثنية لإنقاذ المستضعفين في الأرض من الظلم والتسلط والاستعباد، وواصلها أبوه وأخوه من قبله، وكان دوره القيادي للسير بها على خطا جده وأبيه سنة ستين للهجرة،

         حيث الأمة كانت بانتظار من ينهض بأعبائها ويكون الحارس الأمين المسؤول عنها بعد أن أخذت دعائمها تنهار وتتقوض تحت ضربات بني أمية وأعوانهم، وجميع معطياتها التي انطلقت قبل خمسين عاماً أو أكثر قد صادرها الأمويون وأعوانهم، والكتاب الكريم رفع على حرابهم وحراب جلاديهم، والفكر العقائدي الذي جاء به الإسلام ليبني العقول والقلوب خضع لتوجيه السلطات الحاكمة،

           وسيوف المجاهدين انتقلت إلى الجلاوزة والجلادين للتنكيل بالصلحاء والأبرياء، والصدقات والغنائم التي كانت تصل إلى مسجد الرسول(صلى الله عليه وآله) وتذهب منه إلى بيوت الفقراء والمساكين أصبحت تنتقل إلى قصر الخضراء لشراء الضمائر)(1).

         ونلمس هذه الحقيقة التي جسدها الإمام الحسين(عليه السلام) لأجيال الأمة على مدى الدهر في شعارات ثورته ومنطلقات نهضته الإلهية فهو القائل:

        – (إني لم أخرج أشراً، ولا بطراً، ولا مفسداً، ولا ظالماً، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن أبي طالب(عليهما السلام))(2).

         – (من رأى سلطانًا جائرًا مستحلًا لحرم الله، ناكثًا لعهد الله، ولسنة رسول الله(صلى الله عليه وآله)، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان فلم يغير عليه بفعل ولا قول، كان حقًا على الله أن يدخله مدخله)(3).

         – (ألا وإن الدعي بن الدعي قد ركز بين اثنتين بين الذلة والسلة، هيهات منا الذلة، يأبى الله ذلك لنا ورسوله والمؤمنون، وحجور طابت وطهرت وأنوف حمية ونفوس أبية من أن تؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام، ألا وإني زاحف بهذه الأسرة مع قلة العدد وخذلان الناصر)(4).

          – (لا والله لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل، ولا أقر لكم إقرار العبيد، يا عباد الله إني عذتُ بربي وربكم أن ترجمون، وأعوذ بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب)(5).

          لقد تحدّث الإمام الحسين (عليه السلام) معهم بأسلوب الثورة، وفي كلامه كثير من التقريع، والتوبيخ، لأنهم خذلوه بعد أن استنصروه بكتبهم لتغيير الواقع الذي يعيشون، وبعد ما ملّوا ظلم الأمويين واضطهادهم فكان الإمام الحسين(عليه السلام) هو الوحيد القادر على تغيير هذا الواقع الفاسد إذ يقول(عليه السلام):

           (تبًا لكم أيتها الجماعة وترحًا وبؤسًا لكم! حين استصرختمونا ولهين، فأصرخناكم موجفين، فشحذتم علينا سيفًا كان في أيدينا، وحمشتم علينا نارًا أضرمناها على عدوكم وعدونا، فأصبحتم إلباً على أوليائكم، ويدًا على أعدائكم من غير عدل أفشوه فيكم، ولا أمل أصبح لكم فيهم، ولا ذنب كان منا إليكم، فهلا لكم الويلات إذ كرهتمونا والسيف مشيم، والجأش طامن، والرأي لما يستحصف ولكنكم أسرعتم إلى بيعتنا كطيرة الدبا، وتهافتم إليها كتهافت الفراش، ثم نقضتموها سفهًا وضلة،

         فبعدًا وسحقًا لطواغيت هذه الأمة! وبقية الأحزاب ونبذة الكتاب، ومطفئي السنن، ومؤاخي المستهزئين الذين جعلوا القرآن عضين، وعصاة الإمام، وملحقي العهرة بالنسب، ولبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون. أفهؤلاء تعضدون، وعنا تتخاذلون؟!! أجل والله، خذل فيكم معروف نبتت عليه أصولكم، واتزرت عليه عروقكم، فكنتم أخبث ثمر شجر للناظر، وأكلة للغاصب، ألا لعنة الله على الظالمين الناكثين الذين ينقضون الأيمان بعد توكيدها وقد جعلوا الله عليهم كفيلا)(6).

          وعليه فنهضة الحسين (عليه السلام) لا تقاس بمقياس مادي أو عقلي أو مقياس نتائج التجربة بل هي ثورة ونهضة شاملة تتضمن أبعاداً عقائدية وروحية واجتماعية وسياسية وتاريخية، وأبعاداً نفسية ودنيوية وأخروية، وتتجاوز أبعادها الإطار الإنساني الفطري، وتخترق محددات الزمن، وتربط الماضي بالحاضر والمستقبل،

           لذا يتربع الإمام الحسين(عليه السلام) على قمة هرم الحضارة الإنسانية، أما على السفح وبين الشقوق فيجثم السقوط بشقيه المادي والدوني فسحقاً لمن رضي بالذل! أما الدونية فتتمثل في أولئك الذين قال عنهم ربنا عزّ وجل (قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْر)(7)، وهم الذين صمتوا حتى قُتِل الإمام الحسين(عليه السلام) حتى إذا جيء برأسه الطاهر وَوُضِع بين يدي ابن زياد وأخذ يعبث به قال قائلهم: (ملك عبدٌ حرًا، أنتم يا معشر العرب العبيد بعد اليوم، قتلتم ابن فاطمة وأمرتم ابن مرجانة حتى يقتل خياركم ويستعبد أشراركم، رضيتم بالذل؟! فبعدًا لمن رضي)(8)،

 

           وأما المادية فتتمثل في هؤلاء (الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا)(9)، وكانت السلطة والمال أكبر همهم وهدفهم الذين لا يبغون عنه حولاً، وعلى قمة البشرية يوجد أولئك الذين عاشوا ومازالوا يعيشون بين الشهادة والشهود إنهم محمد وآل محمد(صلى الله عليه وآله)، ويحيط بهم من يحبهم ويخلص لهم قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ)(10)

 

           فيقف الحسين (عليه السلام) قبيل توجهه للشهادة في ساحة الشهود ليدعو قائلاً:

          (إلهي إن رجائي لا ينقطع عنك، وإن عصيتك، كما أن خوفي لا يزايلني وإن أطعتك فقد دفعتني العوالم إليك وقد أوقعني علمي بكرمك عليك، إلهي كيف أخيب وأنت أملي، أم كيف أهان وعليك متكلي، إلهي كيف أستعز وفي الذلة أركزتني، أم كيف لا أستعز وإليك نسبتني، إلهي كيف لا أفتقر وأنت الذي في الفقراء أقمتني؟، أم كيف أفتقر وأنت الذي بجودك أغنيتني؟،

 

         وأنت الذي لا إله غيرك تعرفت لكل شيء فما جهلك شيء، وأنت الذي تعرفت إلي في كل شيء فرأيتك ظاهرًا في كل شيء، وأنت الظاهر لكل شيء، يا من استوى برحمانيته فصار العرش غيبا، في ذاته محقت الآثار بالآثار، ومحوت الأغيار بمحيطات أفلاك الأنوار، يا من احتجب في سرادقات عرشه عن أن تدركه الأبصار، يا من تجلى بكمال بهائه فتحققت عظمته من الاستواء كيف تخفى وأنت الظاهر، أم كيف تغيب وأنت الرقيب الحاضر، إنك على كل شيء قدير)(11)

 

            ثم يأتي عالم الشهادة عند تحرك الحسين(عليه السلام) نحو ساحة المواجهة ومن ثم الشهادة منطلقاً من تكامل الوعي الإنساني مع الإرادة الإلهية تحقيقاً لكرامة الإنسان. قال تعالى (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًاً)(12)، وقال تعالى أيضاً (كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ كِتَابٌ مَرْقُومٌ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ)(13)،

 

         وهو نفس التكامل الذي ظهر واضحاً في الخطاب السياسي لأبي عبد الله (عليه السلام) عشية توجهه نحو ساحة المواجهة المفروضة والمقدرة سلفاً، ولقد جاء هذا التحرك الاستشهادي في مقابل سياسة تزييف الوعي القائم على قلب الحقائق ومخاطبة الجماهير بشعارات مبهمة تتحدث عن الاستقرار ووأد الفتنة من أجل التغطية والتعمية على مظالمها واستبدادها واستئثارها بالسلطة وإمعانها في انتهاك كرامة الإنسان، عماد قوتها ومنبع وجودها، وفشلها في تلبية احتياجات الأمة الاستراتيجية والأساسية،

 

           ذلك الفشل الذي ظهرت معالمه واضحة جلية في الأزمة الراهنة التي يواجهها الإسلام والمسلمون التي جاءت نتيجة تراكمات الماضي القريب والبعيد، وعجز الأمة عن التحرك نحو الإصلاح حيث كان النظام الأموي نموذجاً واضحاً لكل هذه العورات والسيئات التي تراكمت حتى حوّلت الأمة إلى مسخ يعجز حتى عن الدفاع عن الكرامة في أبسط صورها وأشكالها، فما بالك بحقيقتها؟! من هنا جاءت هذه الكلمات، وجاء هذا الخطاب الذي يبين الحقائق للناس لعلهم ينتبهون قبل أن يصل الحال إلى ما هو عليه الآن، وما أقرب الليلة بالبارحة! (14).

         قلة هم أولئك الذين يتسنّمون قمم الخلود والسمو والعظمة، وقلة هم أولئك الذين ينفصلون عن آخر الزمان والمكان. ليكونوا ملكاً للحياة والإنسان، أولئك القلة هم عظماء الحياة، وأبطال الإنسانية، ولذلك تبقى مسيرة الحياة، ومسيرة الإنسان، مشدودة الخطى نحوهم، وما أروع الشموخ والسمو والعظمة، إذا كان شموخاً وسمواً وعظمة، صنعه إيمان بالله، وصاغته عقيدة السماء، من هنا كان الخلود حقيقة حية لرسالات السماء، ولرسل السماء، ورجالات المبدأ والعقيدة…

 

           وفي دنيا الإسلام، تاريخ مشرق نابض بالخلود… وفي دنيا الإسلام، قمم من رجال صنعوا العظمة في تاريخ الإنسانية، وسكبوا النور في دروب البشرية، وإذا كان للتاريخ أن يقف وقفة إجلال أمام أروع أمثولة للشموخ… وإذا كان للدنيا أن تكبر لأروع تضحية سجلها تاريخ الفداء فالفكر يتعثر وينهزم، واليراع يتلكأ ويقف أمام إنسان فذّ كبير كالإمام الحسين (عليه السلام)، وأمام وجود هائل من التألق والإشراق، كوجود الحسين(عليه السلام).. وأمام إيمان حي نابض، كإيمان الحسين (عليه السلام).. وأمام سمو شامخ عملاق كسمو الحسين(عليه السلام)… وأمام حياة زاهرة بالفيض والعطاء كحياة الحسين(عليه السلام)،

 

          إننا لا يمكن أن نلج آفاق العظمة عند الإمام الحسين(عليه السلام)، إلا بمقدار ما نملك من بُعد في القصور، وانكشاف في الرؤية، وسمو في الروح والذات.. فكلما تصاعدت هذه الأبعاد، واتسعت هذه الأطر، كان الانفتاح على آفاق العظمة في حياة الإمام الحسين(عليه السلام) أكثر وضوحاً، وأبعد عمقاً…

 

           فلا يمكن أن نعيش العطاء الحي لفيوضات الحسين(عليه السلام)، ولا يمكن أن تغمرنا العبقات النديّة، والأشذاء الرويّة، لنسمات الحياة تنساب من أفق الحسين(عليه السلام) ولا يمكن أن تجللنا إشراقات الطهر، تنسكب من أقباس الحسين(عليه السلام).. إلا إذا حطمت عقولنا أسوار الانفلاق على النفس، وانفلتت من أسر الرؤى الضيقة،

 

          وتسامت أرواحنا إلى عوالم النبل والفضيلة، وتعالت على الحياة المثقلة بأوضار الفهم المادي الزائف، وعند ذلك تتجلى الرؤية، وتسمو النظرة، ويفيض العطاء، فأعظم بإنسان جدّه محمد سيد المرسلين(صلى الله عليه وآله)، وأبوه علي(عليه السلام) بطل الإسلام الخالد، وسيد الأوصياء، وأمه الزهراء فاطمة(عليها السلام) سيدة نساء العالمين، وأخوه السبط الحسن(عليه السلام) ريحانة الرسول(صلى الله عليه وآله)، نسب مشرق وضّاء، ببيت زكي طهور(15).

 

           قال هاشم الحسني: (إن ثورة الحسين (عليه السلام) كانت الوهج الساطع الذي أضاء المسالك لمن أراد المسيرة بالإسلام في طريقها الصحيح والمرآة الصافية للتخلص من الحاضر الذي كانت تعيشه الأمة، ومن واقعها الذي كانت ترسف في أغلاله، ومن أجل ذلك فقد دخلت في أعماقهم جيلاً بعد جيل وستبقى خالدة خلود قادتها تستمد بقاءها وخلودها من إخلاص قادتها وتفانيهم في سبيل الإسلام والمثل العليا ما دام التاريخ)(16).

—————————————————————-

الهوامش:
(1) من وحي الثورة الحسينية، هاشم الحسيني،3/1.
(2) ينظر: بحار الأنوار، العلامة المجلسي، 44/329.
(3) ينظر: كلمات الإمام الحسين(عليه السلام)، الشيخ الشريفي، 1/352.
(4) ينظر، بحار الأنوار، 74/162.
(5) ينظر، المصدر نفسه، 45/7.
(6) ينظر: كلمات الإمام الحسين(عليه السلام)، 1/421.
(7) سورة البقرة/ 61.
(8) بحار الأنوار، 45/117.
(9) سورة الأنعام/ 70.
(10) سورة الأنبياء/ 101.
(11) ينظر: بحار الأنوار، 95/227.
(12) ينظر: سورة الإسراء/ 70.
(13) ينظر: سورة المطففين/ 18-21.
(14) ينظر : الإمام الحسين(عليه السلام) على قمة هرم الحضارة الإنسانية، د.أحمد راسم النفيس، الأستاذ بكلية الطب، جامعة المنصورة، مصر، بحث، دراسات وبحوث مؤتمر الإمام الحسين(عليه السلام)، القسم الثالث، ص263-275.
(15) ينظر : نبذة عن حياة الإمام الحسين(عليه السلام)، منتدى الزهراء(عليها السلام).
(16)من وحي الثورة الحسينية، هاشم الحسيني.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.