Take a fresh look at your lifestyle.

هوية المذهب الشيعي..

0 427

               قد يسأل أحدنا ويقول لماذا أنا شيعي؟

               هل لأني تولدت من أبوين شيعيين أم ماذا؟

    الجواب:

           إذا أردنا أن نعرف جواب هذا السؤال لابد من البحث عن هوية المذهب الشيعي والمفاصل التي ساهمت بتكوينه وعندما أقول شيعة لا أقصد المذهب السائد في عصر الأئمة(عليهم السلام) من حب أهل البيت(عليهم السلام) وحب أعدائهم بل نقصد مذهب الخواص من أصحابهم لأن الأئمة (عليهم السلام) كانوا في أجواء التقية ولم يكن بمقدورهم البوح بجميع الأسرار لاسيما ما يرتبط بغصب الخلافة منهم مضافاً إلى أن الأمة لم تكن على استعداد لقبول القدح في سيرة الأوائل،

             حتى إن أحدهم لما صارت مؤامرة الشورى السداسية لتنصيب الخليفة عثمان صرح لأمير المؤمنين(عليه السلام) أنه سيعطيه صوته بشرط أن يسير بسيرة الشيخين! ولكن الإمام(عليه السلام) رفض ذلك ولم يقبل بغير الكتاب والسنة حاكمًا.

             إذن فاستخراج هوية المذهب الشيعي ليس أمرًا سهلًا في ظروف كهذه.

             ولكن وعلى الرغم من هذه الظروف لم ينس التاريخ أن يسجل لنا ثلاث مراحل مهمة كونت هوية المذهب الشيعي وهي:

    مرحلة الرسول(صلى الله عليه وآله) التي سنعطيها عنوان: (التأمل والشرعية للمذهب الشيعي).

   2ـ مرحلة الزهراء(عليها السلام) وسنعطيها عنوان: (الفيصل بين الحقيقة والباطل).

   3ـ مرحلة الإمامين الصادقين(عليهما السلام) وسنعطيها عنوان: (الخصوصية العلمية) أو (الحافظ الشرعي للهوية).

 

 المفاصل الثلاثة للمذهب الشيعي:

    1ـ مرحلة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله):

             فالمذهب الشيعي لم يتولد في زمن متأخر كالمذاهب الأخرى بل تولد في عهد النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) فقد جاء في كتاب (الزينة) لأبي حاتم الرازي وهو سني قال:

           إن أول اسم وضع في الإسلام علمًا لجماعة على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان اسم الشيعة وقد اشتهر أربعة من الصحابة بهذا الاسم في حياته (صلى الله عليه وآله) وهم:

1ـ أبو ذر الغفاري

2ـ سلمان الفارسي

3ـ المقداد بن الأسود

4ـ عمار بن ياسر

           وهذه شخصيات غنية عن التعريف لكنها افتخرت أن توسم بهذا الوسام العظيم لأنها سمعت الرسول الأكرم يقول لعلي (عليه السلام) ألم تسمع قول الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ) هم أنت وشيعتك وموعدي وموعدكم الحوض(1).

          ويقول جابر بن عبد الله الأنصاري كنا عند النبي(صلى الله عليه وآله) فأقبل علي بن أبي طالب(عليه السلام) فقال (صلى الله عليه وآله): قد أتاكم أخي ثم التفت إلى الكعبة فضربها بيده ثم قال: والذي نفسي بيده إن هذا وشيعته هم الفائزون يوم القيامة(2).

 

    2. مرحلة الزهراء (عليها السلام):

  مقدمة:

           قد يعيش الإنسان لسبعين سنة وينتظر ساعة ليسجل بها موقفًا ليدخل التاريخ من أوسع أبوابه ولكن عندما نقف على حياة الزهراء(عليها السلام) نجد أنها بعمرها القصير الذي كان عمر الورد عاشت ساعتين في المسجد النبوي عندما خطبت بالمسلمين، وساعة أمام نساء المهاجرين والأنصار عندما خطبت بهن، ولكن في هاتين الساعتين سجلت عدة مفاهيم بقيت وستبقى إلى يوم القيامة.

المفهوم الأول:

           البصيرة وقد كانت مفقودة عند الأمة آنذاك فقد بصرت الأمة وحذرتهم من الفتنة التي وقعوا فيها فقالت في خطبتها في المسجد أمام المسلمين:

(ووردتم غير لون مشربكم … ابتدارًا زعمتم خوف الفتنة ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين، فهيهات منكم وكيف بكم وأنّى تؤفكون وكتاب الله بين أظهركم أموره ظاهرة وأحكامه زاهرة وأعلامه باهرة وزواجره لائحة وأوامره واضحة، وقد خلفتموه وراء ظهوركم، أرغبة عنه تريدون أم بغيره تحكمون (.. بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً) (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ)(3).

المفهوم الثاني:

             مفهوم كشف النفاق وإبطال نظرية عدالة الصحابة التي فرضتها السياسة:

فقالت (عليها السلام): (ثم لم تلبثوا إلا ريث أن تسكن نفرتها ويسلس قيادها ثم أخذتم تورون وقدتها وتهيجون جمرتها وتستجيبون لهتاف الشيطان الغوي وإطفاء أنوار الدين الجلي وإهمال سنن النبي الصفي تسرون حسوًا في ارتغاء (مثل يُضرب لمن يظهر شيئًا ويريد غيره) وتمشون لأهله وولده في الخَمَر والضراء ويصير منكم على مثل حز المدى ووخز السنان في الحشا … فأنى حرتم بعد البيان وأسررتم بعد الإعلان ونكصتم بعد الإقدام وأشركتم بعد الإيمان (أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ).

 المفهوم الثالث:

        هي الميزان للحق وقد عرفت الأمة(5) ذلك حتى عندما هجموا على الدار حيث قالوا (إنَّ في الدّار فاطمة) أي فاطمة(عليها السلام) التي يغضب الله لغضبها ويرضى لرضاها، أي فاطمة(عليها السلام) التي قال عنها الرسول(صلى الله عليه وآله) إنها بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها أي فاطمة التي قال عنها ألا وإن باب فاطمة بابي وحجابها حجابي فمن هتكه هتك حجاب الله(6).

وهذه المفاهيم الثلاثة لم يستطع أمير المؤمنين (عليه السلام) أن يؤديها في تلك المرحلة لأن وظيفته كانت الصبر على حقه حتى إنه كان يقول: (ما زلت مظلومًا منذ قبض رسول الله(صلى الله عليه وآله) إلى يوم الناس هذا)(7) وسمع صارخًا ينادي أنا مظلوم فقال: (هلم فلنصرخ معًا فإني مازلت مظلومًا)(8) وقال: (لقد ظلمت عدد الحجر والمدر).

ونقرأ في زيارته(عليه السلام): (أشهد أنك أول مظلوم وأول من غصب حقه) إنا لله وإنا إليه راجعون وسيعلم الذين ظلموا أي منقلبًا ينقلبون).

3ـ مرحلة الصادقين (عليهما السلام) (الخصوصية العلمية):

عندما نلقي نظرة سريعة على المذاهب الإسلامية نجد أن المذهب الذي بقي ودام لمدة طويلة هو المذهب الذي كان له مرجعية وأسس فكرية، وعندما نلاحظ حياة الإمامين الصادقين(عليهما السلام) نجد أنهما ساهما في تأسيس عدة أمور:

    الأمر الأول: تأسيس مدرسة فقهية وعقائدية وتدريس طلاب في مختلف المجالات ولم يقتصر الأمر على شيعتهما(عليهما السلام) ونعرف هذا من خلال عدد طلاب الإمامين(عليهما السلام) حيث روى الحسن بن علي بن زياد الوشاء: (أدركت هذا في المسجد مسجد الكوفة تسعمائة شيخ كلٌ يقول حدثني جعفر بن محمد)(9).

قال الجاحظ: (جعفر بن محمد الذي ملأ الدنيا علمه وفقهه، ويقال إن أبا حنيفة من تلامذته وكذلك سفيان الثوري وحسبك بهما في الباب(10) اعتراف أبي حنيفة: (ما رأيت أفقه من جعفر بن محمد) وقال: (لولا جعفر بن محمد ما علم الناس مناسك حجهم)(11) وقال: (لولا السنتان لهلك النعمان).

   الأمر الثاني: العمل على إعداد المجتهدين والفقهاء من الأصحاب ونعرف ذلك من عدة مواقف لهما(عليهما السلام):

مثلًا يقول الإمام الصادق(عليه السلام) لمعاذ بن مسلم بلغني أنك تقعد في مسجد المدينة وتفتي الناس ثم يشجعه الإمام على الإفتاء(12).

  2ـ وكذلك أمْرهُ لأبان بن تغلب (اجلس في مسجد المدينة وافت الناس فإني أُحب أن يُرى في شيعتي مثلك)(13).

إرجاع السائلين إلى الفقهاء من أصحابه حيث يسأله الراوي شقتي بعيدة عن شقتك ولا أكاد أصل إليك فعن من آخذ معالم ديني، فيرجعه الإمام إلى أحد أصحابه ويفه بأنه الثقة المأمون(14).

 الأمر الثالث: وقوف الإمام(عليه السلام)وأصحابه من العلماء بوجه الانحراف:

  1ـ عندما كان يطرح على الإمام(عليه السلام) موقف بعض المذاهب وتمسكهم بالقياس لم يكن يجامل ويسكت على الرغم من وقوف السلطة الجائرة إلى جانب تلك المذاهب ودعمها فكان يقول: (إن دين الله لا يصاب بالعقول الناقصة)(15) وهذا من فقه البصرة إشارة إلى مذهب الحسن البصري.

مناظرات أصحاب الإمام(عليه السلام) مع المذاهب الأخرى كهشام بن الحكم الذي كان عالمـًا في الكلام والعقائد وكذلك هشام بن سالم وكذلك زرارة بن أعين ومحمد بن مسلم، وقد كان الإمام (عليه السلام) يشرف على بعض مناظراتهم فيبدي ملاحظاته على أدائهم ويقوِّم أخطاءهم إن وجدت.

وبذلك نكون نحن مدينين لما قدمه أصحاب الأئمة(عليهم السلام) من العلماء للمذهب ليحافظوا على بقائه إلى يومنا هذا.

ونحن مدينون للعلماء من عصر الأئمة وصولًا إلى بداية الغيبة الكبرى وانتهاء إلى يومنا الحاضر حيث إنهم حفظوا لنا الدين من التحريف وحفظوا هويتنا من الضياع. قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): (يحمل هذا الدين في كل قول عدول ينفون عنه تأويل المبطلين وتحريف الظالمين وانتحال الجاهلين)(16).

يقول الإمام الصادق(عليه السلام): (علماء شيعتنا مرابطون في الثغر الذي يلي إبليس وعفاريته يمنعونهم عن الخروج على ضعفاء شيعتنا)(17).

وقال الإمام الهادي(عليه السلام): (لولا من يبقى بعد غيبة قائمنا من العلماء الداعين إليه والدالين عليه والذابين عن دينه بحجج الله والمنقذين لضعفاء عباد الله من شباك إبليس ومَرَدته ومن فخاخ النواصب لما بقيَ أحد إلا ارتد عن دين الله)(18).

النتيجة: هناك ثلاثة مفاصل ومكونات للمذهب الشيعي:

مفصل الشرعية المتمثل بعهد الرسول(صلى الله عليه وآله) وتأسيسه لهذا المفصل.

مفصل المظلومية الذي كان الفيصل بين الحق والباطل وقد أسسته الزهراء(عليها السلام) على أتم وجه.

الخصوصية العلمية وهي الحافظ الشرعي للمذهب وقد مثل الصادقان الإمامان(عليهما السلام) هذا المفصل واستمر أصحابهما من العلماء على هذا المنهج وأكمله العلماء إلى يومنا هذا.

وهذه هي الهوية الشيعية ولابد من الحفاظ عليها بمفاصلها الثلاثة والحمد لله أولًا وآخرًا.

————————————————–

الهوامش:
(1) كفاية الطالب، للكفعمي، باب:62.
(2) مناقب علي(عليه السلام)، للخوارزمي، الفصل التاسع، ج10.
(3) بحار الأنوار، ص225 ج29.
(4) الاحتجاج، ص137 ج1.
(5) الانتصار للعاملي، ص437 ج6.
(6) غاية المرام، للبحراني، ص119 ج2.
(7)الاحتجاج، ص281 ج1.
(8) بحار الأنوار، ص629 ج29.
(9) معجم رجال الحديث، ص38 ج6.
(10) سرح النعم لابن أبي الحديد، ص274 ج15.
(11) من لا يحضره الفقيه، ص519 ج2.
(12) وسائل الشيعة، ص108 ج18.
(13) شرح الكافي، للمازندراني، ص84 ج11.
(14) وسائل الشيعة، ص106 ج18.
(15) بحار الأنوار، ص304 ج2.
(16) وسائل الشيعة، ص109 ج18.
(17) الاحتياج، ص8 ج1.
(18) الاحتجاج، ص9 ج1.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.