Take a fresh look at your lifestyle.

مقتضيات قبول العبادة .. في المنظور القرآني

0 255

                                  الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

              أما بعد.. ليس العبادة مطلق التذلل والخضوع للرب سبحانه وتعالى كيفما أراد العبد بل إن لها مقتضيات وتوابع عملية شرعها الله سبحانه وتعالى يجب التقيد بها فكما أن أصل وجوب العبادة مشرّع منه تعالى فإن تفاصيلها وصورها منصوصة شرعاً كذلك. ولعل أهم هذه المقتضيات هي:

     1. الالتزام بما شرع الله تعالى ورسوله(صلى الله عليه وآله) من الأوامر والنواهي والتحليل والتحريم، لأنّ ذلك كلّه من مقتضى الخضوع لله سبحانه والطاعة له ورسوله(صلى الله عليه وآله)،

               لقوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ)(1).

            وقوله تعالى: (لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً لِّلّهِ وَلاَ الْمَلآئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعاً)(2)،

              والأنبياء (عليهم السلام) عباد الله ورسله إلى خلقه، وعلى الناس الالتزام بما شرع عن طريقهم(عليهم السلام)(3).

           وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ..)(4)،

           يقول الآلوسي: (أي الزموا طاعته فيما أمركم به ونهاكم عنه (وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ) المبعوث لتبليغ أحكامه إليكم في كل ما يأمركم به وينهاكم عنه أيضاً،…، وأعاد الفعل – أطيعوا – وإن كانت طاعة الرسول(صلى الله عليه وآله) مقترنة بطاعة الله تعالى اعتناءً بشأنه(صلى الله عليه وآله) وقطعاً لتوهم أنّه لا يجب امتثال ما ليس في القرآن وإيذاناً بأنّ له(صلى الله عليه وآله) استقلالاً بالطاعة لم يثبت لغيره)(5)،

           لكونه (صلى الله عليه وآله) معصوماً، وبهذا تكون (إطاعته مطلقة غير مشروطة بشرط، ولا مقيدة بقيد، وهو الدليل على أنّ الرسول(صلى الله عليه وآله) لا يأمر بشيء، ولا ينهى عن شيء يخالف حكم الله في الواقعة، وإلاّ كان فرض طاعته تناقصاً منه تعالى وتقدس ولا يتم ذلك إلاّ بعصمة فيه(صلى الله عليه وآله))(6)،

           ومن ثمَّ تنسحب هذه الطاعة إلى كل معصوم، وأمّا أولو الأمر في الطاعة فحكم الرسول(صلى الله عليه وآله) على ما تدل عليه الآية وعدم التقييد في هذه الطاعة دليل على وجود العصمة فيهم.

             يقول السيد محمد حسين الطباطبائي: (إنّ المراد بأولي الأمر في الآية رجال من الأمة حكم الواحد منهم في العصمة وافتراض الطاعة حكم الرسول(صلى الله عليه وآله)، وهذا مع ذلك لا ينافي عموم مفهوم لفظ أولي الأمر بحسب اللغة، وإرادته من اللفظ، فإنّ قصد مفهوم من المفاهيم من اللفظ شيء وإرادة المصداق الذي ينطق عليه المفهوم شيء آخر وذلك كما أنّ مفهوم الرسول معنى عام كلي وهو المراد من اللفظ في الآية، ولكن المصداق المقصود هو الرسول محمد(صلى الله عليه وآله))(7).

            وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ)(8)، وذهب ابن عاشور إلى أنّ طاعة الرسول (صلى الله عليه وآله) هنا متمثلة فقط في أحكام الدين وما يبلغ به من الله تعالى، وأمّا غيره مما لا يدخل في أمر التشريع فطاعته غير ملزمة (صلى الله عليه وآله)، فيقول: (فطاعة الرسول (صلى الله عليه وآله) التي أمروا بها هي امتثال ما أمر به ونهى من أحكام الدين، وأمّا ما ليس داخلاً تحت التشريع فطاعة أمر الرسول(صلى الله عليه وآله) فيه طاعة انتصاح وأدب)(9).

             ويرى الباحث أنّ طاعة الرسول(صلى الله عليه وآله) واجبة في كل الموارد بلا فرق، فهو(صلى الله عليه وآله) مادام لا ينطق إلاّ بالوحي كما قال تعالى: (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى)(10). وهذا إطلاق على أنّ كل ما يتكلم به النبي(صلى الله عليه وآله) هو من عند الله سبحانه، فالآية مطلقة في دلالتها.

            يقول السيد محمد حسين الطباطبائي: إن الآية (تدل على إيجاب طاعة الله سبحانه فيما نزل من الكتاب وشرع من الحكم، وإيجاب طاعة الرسول(صلى الله عليه وآله) فيما بلغ عن الله سبحانه، وفيما يصدر من الأمر من حيث ولايته على المؤمنين في المجتمع الديني، أو على تحذير المؤمنين من إبطال أعمالهم بفعل ما يوجب حبط أعمالهم)(11).

             وقال تعالى: (..وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)(12)، وإن هذا الجزء من الآية وإن كان قد نزل بشأن بني النضير إلا أن محتواها حكم عام في كل المجالات، ودليل واضح على حجية سنة الرسول(صلى الله عليه وآله)، وهذه قاعدة مهمة في الدستور الإسلامي،

               يقول سيد قطب: (فسلطان القانون في الإسلام مستمد من هذا التشريع جاء به الرسول(صلى الله عليه وآله) قرآناً أو سنة، والأمة كلها والإمام(عليه السلام) معها لا تملك أن تخالف عما جاء به الرسول(صلى الله عليه وآله)، فإذا شرعت ما يخالفه لم يكن لتشريعها هذا السلطان لأنّه فقد السند الأوّل الذي يستمد منه السلطان، وهذه النظرية تخالف جميع النظريات البشرية الوضعية، بما فيها تلك التي تجعل الأمة مصدر السلطان، بمعنى أن للأمة أن تشرِّع لنفسها ما تشاء، وكل ما تشرعه فهو ذو سلطان، فمصدر السلطان في الإسلام هو شرع الله الذي جاء به الرسول(صلى الله عليه وآله) والأمة التي تقوم على هذه الشريعة، وتحرسها وتنفذها، والإمام نائب عن الأمة في هذا، وفي هذا تنحصر حقوق الأمة، فليس لها أن تخالف عمّا أتاها الرسول(صلى الله عليه وآله) في أي تشريع)(13).

              ونهاية الآية تحذير شديد لمن رام مخالفة أوامر الرسول(صلى الله عليه وآله)، فالأمة ملزمة باتباع التعاليم المحمدية وهي بطبيعتها طاعة لله تعالى في جميع المجالات العبادية أو مسائل الحكومة الإسلامية.

     2. حب الله تعالى ورسوله (صلى الله عليه وآله) وآله(عليه السلام): تتضمن العبادة لله إلى جانب الخضوع له سبحانه والذل لعظمته والحب له عز وجل ولرسوله(صلى الله عليه وآله) وآله الكرام(عليهم السلام)، قال تعالى: (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)(14).

            يقول السيد الطباطبائي: (الحب الذي هو بحسب الحقيقة الوسيلة الوحيدة لارتباط كل طالب بمطلوبه وكل مريد بمراده، إنّما يجذب المحب إلى محبوبه ليجده ويتم بالمحبوب ما للمحب من النقص،ولا بشرى للمحب أعظم من أن يبشر أن محبوبه يحبه وعند ذلك يتلاقى حبان ويتعاكس دلالان)(15).

            وفي هذا الربط الوثيق بين الإيمان والحب، قال النبي(صلى الله عليه وآله): (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من أهله وماله، والناس أجمعين)(16).

            وفي هذا حديث آخر أن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب قال للرسول(صلى الله عليه وآله): (يا رسول الله، والله لأنت أحب إلي من كل شيء إلاّ من نفسي)، فقال النبي(صلى الله عليه وآله): (لا، والذي نفسي بيده، حتى أكون أحب إليك من نفسك)(17)… وفي تأكيد آخر على أن من مقتضيات العبادة حب الله تعالى ورسوله(صلى الله عليه وآله) وآله الكرام، يقول الحبيب محمد(صلى الله عليه وآله): (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه و وأهلي أحب إليه من أهله، وعترتي أحب إليه من عترته، وذريتي أحب إليه من ذريته)(18).

           وكذلك نلحظ حب النبي وآله في حديث النبي(صلى الله عليه وآله) المروي عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، أنّه قال: (إني شافع يوم القيامة لأربعة أصناف ولو جاؤوا بذنوب الدنيا، رجل نصر ذريتي، ورجل بذل ماله لذريتي عند المضيف، ورجل أحب ذريتي باللسان وبالقلب، ورجل يسعى في حوائج ذريتي إذا طردوا أو شردوا)(19).

          وقال تعالى: (..قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى..)(20). وقد ذكر الطبري وجوهاً لتفسير هذه الآية نختار منه ما رواه عن الإمام علي بن الحسين (عليه السلام) عندما جيء (أسيراً، فأقيم على درج دمشق، قام رجل من أهل الشام،

    فقال: الحمد لله الذي قتلكم واستأصلكم، وقطع قربى الفتنة،

    فقال له علي بن الحسين (عليه السلام): أقرأت القرآن؟

   قال: نعم،

   قال: أقرأت آل حم؟

   قال: قرأت القرآن ولم أقرأ آل حم،

   قال ما قرأت (..قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى..)؟

   قال: وإنكم لأنتم هم؟

   قال: نعم)(21).

           ويقول البغوي(ت510هـ) وهو في معرض الدفاع عن الآية والرد على القائلين بأنها منسوخة: (وهذا قول غير مرضي، لأن مودة النبي(صلى الله عليه وآله)، وكف الأذى عنه، ومودة أقاربه، والتقرب إلى الله بالطاعة، والعمل الصالح من فرائض الدين)(22).

           ويقول الآلوسي في تفسير الآية: (والخطاب على هذا القول لجميع الأمة لا للأنصار فقط، وإن ورد ما يوهم ذلك فإنّهم كلهم مكلفون بمودة أهل البيت)(23)،

           ويضيف (وكلما كانت جهة القرابة أقوى كان طلب المودة أشد، فمودة العلويين الفاطميين ألزم من محبة العباسيين على القول بعموم القربى وهي على القول بالخصوص قد تتفاوت أيضاً باعتبار تفاوت الجهات والاعتبارات وآثار تلك المودة التعظيم والاحترام والقيام بأداء الحقوق أتم القيام، وقد تهاون كثير من الناس بذلك حتى عدوا من الرفض السلوك في هاتيك المسالك، وأنا أقول قول الشافعي:

     إن كان رفضاً حب آل محمد          فليشهد الثقلان أني رافضي)(24).

 

         وفي بيان (وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا...)، يقول الآلوسي: (وحب آل الرسول (صلى الله عليه وآله) من أعظم الحسنات، وتدخل في الحسنة هنا دخولاً أولياً، (نَزِدْ لَهُ فِيهَا)، أي في الحسنة (حُسْنًا) بمضاعفة الثواب عليها فإنّها يزاد بها حسن الحسنة)(25).

          وقد أورد جملة من المفسرين حديث النبي(صلى الله عليه وآله) في تأكيده على حب آله، وأوردوه إيراد المسلمات، وهو قوله(صلى الله عليه وآله): (من مات على حب آل محمد مات مغفوراً له، ألا ومن مات على حب محمد بشره ملك الموت بالجنّة ثم منكر ونكير، ألا ومن مات على حب محمد وآل محمد فتح له في قبره بابان إلى الجنّة، ألا ومن مات على حب محمد وآل محمد جعل قبره مزار ملائكة الرحمة، ألا ومن مات على حب محمد وآل محمد مات على السنة والجماعة، ألا ومن مات على بغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله، ألا ومن مات على بغض آل محمد مات كافراً، ألا ومن مات على بغض آل محمد لم يشم رائحة الجنة)(26).

         فالآية إنما تشدد على مودة آل محمد(صلى الله عليه وآله) وهي ـ هذه المودة ـ أجر رسالة النبي(صلى الله عليه وآله) بأمر القرآن الكريم، فنفع هذه المودة موصل إلى عبادة الله تعالى، وذلك لأنّها (استمرار خط رسالة النبي الكريم(صلى الله عليه وآله) بواسطة القادة الإلهيين وخلفائه المعصومين الذين كانوا جميعهم من عائلته، ولكن لأن المودة هي أساس هذا الارتباط نرى أنّ الآية أشارت بصراحة إلى ذلك)(27).

          ولهذا تستلزم هذه المحبة موافقة الله تعالى والرسول(صلى الله عليه وآله) فيما أحباه، وفيما أبغضاه، ولا تتحقق العبودية إلاّ بذلك لقوله تعالى: (قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ)(28).

    3. إنّ العبادة ترجع فائدتها للعابد من المكلفين؛ لأنّ الله تعالى غني عن العالمين لا تنفعه طاعة، ولا يضره إعراض المعرضين. وقد جاءت العبادات معلّلة بذلك، مثل قوله تعالى: (.. وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ)(29) فهو سبحانه لم يأمرهم بالعبادة لاحتياجه إليها، بل إنّ منفعة العبادة عائد إلى الإنسان(30).

           يقول السيد محمد باقر الصدر: (إنّ كل عمل من أجل الله فإنّما هو من أجل عباد الله؛ لأنّ الله هو الغني عن عباده، ولمّا كان له الحق المطلق فوق أي حد، وتخصيص لا قرابة له لفئة ولا تحيز له إلى جهة، كان سبيله دائماً يعادل من الوجهة العملية سبيل الإنسانية جمعاء، فالعمل في سبيل الله، ومن أجل الله هو العمل من أجل الناس ولخير الناس جميعاً، وتدريب نفسي وروحي مستمر على ذلك)(31).

          وقال تعالى على لسان نبيه سليمان (عليه السلام): (.. قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ)(32)، فهذه النعم التي ينعم بها الله تعالى على الإنسان هي ابتلاء في تحديد موقفه من الله تعالى، فإن شكر الإنسان هذه النعم كان مردود هذا الشكر إلى الإنسان، وإن عصى وجحد النعم فهذا مردود عليه أيضاً، وإن كان من الناس من يحسب أنّ عبادة الشكر عبارة عن لقلقة لسان أو لوحة يخط عليها (.. هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي..) وما شابه ذلك، بل هي عبادة واسعة لجميع جوارح الإنسان في هذه الحياة،

         يقول الشيخ ناصر مكارم الشيرازي: (وبالرغم من أنّه اعتيد كتابة هذه العبارة المهمة (.. هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي..) من قبل المتظاهرين بالشكر على أبواب قصورهم (الطاغوتية) دون أن يعتقدوا بذلك أو يكون أدنى أثر من هذه العبارة في عملهم… إلاّ أنّ المهم هو أن تكتب على الباب وعلى جبين حياة الإنسان وفي قلبه… أيضاً، وأن يكشف عمله أن كل ذلك من فضل الله… وأن شكره عليه، لا شكراً باللسان فحسب، بل شكراً مقروناً بالعمل وفي جميع وجوده)(33).

          فالعبادة عموماً متعلقة في أدائها بالإنسان، وهي من قبيل ما نلحظه في قوله تعالى: (مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ)(34)، فنفع هذه العبادة للإنسان ووبال تركها عليه أيضاً. (ولا يعاقب أحداً إلاّ بذنبه، ولا يعذب إلاّ بعد قيام الحجة عليه)(35)، فيما وضح من أساليب العبادة وطرقها.

    4. أن تكون العبادة عن إرادة ونية: الدنيا التي نعيش فيها وهذا الكون الرحب، كل ما فيه يُسبح بحمد الله تعالى ويخضع له، فالأرض والسماء وما فيها كل مستسلم لله تعالى خاضع له، حيث هو المبدع الواحد، فالعبادة غاية الوجود، قال تعالى: (أَفَغَيْرَ دِينِ اللّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ)(36)، فكل الموجودات خاضعة لله تعالى بمشيئة أو بغير مشيئتها فهي جميعاً تحت سلطانه، وفي قبضته سبحانه، ولكن الإنسان لا يثاب على عبادته إلاّ إذا كانت مقرونة بإرادة وقصد،

         يقول القاسمي: (فالمؤمن مستسلم بقلبه وقالبه لله، والكافر مستسلم له كرهاً، فإنّه تحت التسخير والقهر والسلطان العظيم الذي لا يخالف ولا يمانع)(37).

           وبما أنّ العبادة في القرآن المجيد لها معنى واسع في الدين لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)(38). فلا بد من تفاعل الإنسان مع هذه العبادة كاملاً نية وقولاً وعملاً.

         فالواجب على كل إنسان مسلم أن يعلم أنّه ما خلق إلاّ للعبادة، وأنّ وقته يجب أن يكون في عبادة، سواء ما كان في الشعائر التعبدية أو ما كان منه في المعاملات أو في سائر سلوكياته وأفعاله (فالسبيل الصحيح الوحيد هو أن تتحول كل الفعاليات الحياتية المختلفة في ظل القصد والنية إلى عبادة، وتمنح وجهة تكاملية، لكي لا تذهب أي طاقة من طاقات الإنسان هدراً) (39)، وتكون قربة إلى الله تعالى.

           قال الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام): (لا عمل إلاّ بالنية)(40)، فلا يمكن أن تُقبل الأعمال ويثاب عليها الإنسان إلاّ إذا كان قاصداً بهذا العمل القربة إلى الله تعالى، بل إنّ النية تكون أفضل من ذات العمل العبادي، وهذا ما نلحظه في قول النبي(صلى الله عليه وآله): (نية العبد خير من عمله)(41)، ولعل سبب هذه الخيرية في النية هو كون النية سالمة من الرياء والشوائب الأخرى على فرض تحقق العمل،

             وأمّا عند عدم تحقق العمل العبادي فإنّ الله سبحانه يثيب الإنسان على نيته بمقدار ذلك العمل العبادي الذي لم يقم به، لأنّ المتقي ربما لا يتوفق لأداء بعض الأعمال العبادية لظروف تحيط به، إمّا زمانية أو اجتماعية أو لتدخل الأعمال وما شاكل، فهنا يأتي دور النية الصالحة لتقوم مقام العمل، وليفوز الإنسان المتقي بثواب ما حُرم من أدائه، قال الإمام علي(عليه السلام): (إنّ الله سبحانه يدخل بصدق النية والسريرة الصالحة من يشاء من عباده الجنة)(42) وقال(عليه السلام) أيضاً: (من مات منكم على فراشه وهو على معرفة حق ربه عز وجل، وحق رسوله وأهل بيته،مات شهيداً ووقع أجره على الله، واستوجب ما نوى من صالح عمله، وقامت النية مقام إصلاته لسيفه)(43).

             إذن النية تجعل من الأعمال المباحة أعمالاً عبادية يثاب عليها الإنسان إذا قصد من وراء هذا العمل القرب من الله تعالى وعبادته سبحانه، وكذلك تجعل النية العمـل العبادي المنصوص عملاً يعاقب عليه الإنسان من الله تعالى ويبطله، لما شاب هذا العمل من رياء أو نفاق وما شاكل ذلك.

    5. العبادة غاية وشمول: أن تكون عبادة الإنسان لله تعالى (في مقام الذلة والعبودية وتوجيه وجهه إلى مقام ربه)(44)، ويكون خاضعاً لطاعته وطريقاً إلى العبادة بمعناها الشامل.

             وهذا الشمول والخضوع لعظمة الله تعالى واستشعار إحاطته وقدرته لا يتحقق إلاّ في العبادة؛ لأن (العبادة نوع من الخضوع بالغ حد النهاية ناشئ عن استشعار القلب بعظمة المعبود مع الحب النفسي والفناء في جلال المعبود وجماله فناء لا يدانيه فناء مع الاعتقاد بسلطته له لا يُدرك كنهها وماهيتها، وقصارى ما يعرف عنها أنّها محيطة به ولكنها فوق إدراكه، فهو لذلك يخضع للمعبود رهبة مما يقدر عليه من العقاب، وطمعاً فيما عنده من الخير، رغبة في كشف الضر عنه وحباً فيما أنعم عليه من إحسان)(45). لذلك لابد من شمول العبادة لكل مناحي الحياة المختلفة حتى تتحقق العبودية الكاملة لله تعالى.

            فجميع نواحي الإنسان في هذه الحياة الغاية منها العبادة، وفي هذه الشمولية للعبادة وتنوعها والمقصد من ورائه، يقول السيد محمد باقر الصدر: (وهذا الشمول في العبادة يعبر عن اتجاه عام في التربية الإسلامية يستهدف أن يربط الإنسان في كل أعماله ونشاطاته بالله تعالى، ويحول كل ما يقوم به من جهد صالح إلى عبادة مهما كان حقله ونوعه،

            ومن أجل إيجاد الأساس الثابت لهذا الاتجاه وزعت العبادات الثابتة على الحقول المختلفة للنشاط الإنساني، تمهيداً إلى تمرين الإنسان على أن يسبغ روح العبادة على كل نشاطاته الصالحة، وروح المسجد على مكان عمله في المزرع أو المصنع أو المتجر أو المكتب، ما دام يعمل عملاً صالحاً من اجل الله سبحانه وتعالى)(46).

            وهذا الشمول في العبادة يعم جميع نواحي الحياة، وإنّها ليست محصورة فقط في الشعائر التعبدية المعروفة، فكل عمل يقوم به الإنسان تجاه أخيه الإنسان هو ضمن غاية الخلقة والوجود في هذه الحياة، وهذا ما نلحظه في قوله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)(47).

           يقول الرازي في هذه العبادة: (التعظيم لأمر لله والشفقة على خلق الله، فإن هذين النوعين لم يخل شرع منهما)(48).

           قال ابن عاشور: (فهي بهذا التفسير تشمل الامتثال لأحكام الشريعة كلها)(49).

          فالعبادة لا تنحصر بالشعائر التعبدية فحسب، بل إنّ مجال العبادة واسع يشمل جميع حركات الإنسان وسكناته، فليس الامتثال بالمأمور عبادة فقط، بل اجتناب ما نهى عنه الله تعالى عبادة أيضاً، فهي ـ العبادة ـ هيمنة كبرى على الشعور والسلوك في منهج كامل للحياة، يشمل تصور الإنسان لحقيقة الألوهية وحقيقة العبودية ولحقيقة الصلة بين الخالق والمخلوق)(50)،

           وبهذه المقتضات اللازمة في بناء العبادة، وهي تبدو للباحث بمثابة شروط مشتركة لجميع العبادات ـ لم نرد مما ذُكر من المقتضيات الحصر والاستقصاء(51)ـ،

            فبتحقق هذه المقتضيات تتحقق غاية الوجود من الإنسان تجاه خالقه من خلال العبادة الخالصة وعلى أساس محبة الله واستشعار فضله ونعمته وإحسانه ورحمته، فالله تعالى خلق الإنسان ووهبه العقل وعلمه البيان وارتضاه لخير دين وسخر له ما في السماوات والأرض جميعاً، وكرمه وفضله على كثير من خلقه، ورزقه من الطيبات واستخلفه في الأرض بعد أن خلقه من طين ثم من ماء مهين ثم نفخ فيه من روحه فكرمه وأسجد له ملائكته. والحمد لله رب العالمين.

—————————————————————–

الهوامش:
(1) سورة الأنبياء: 25.
(2) سورة النساء: 172.
(3) ظ: محمد حسين الطباطبائي, الميزان في تفسير القرآن: 5/130.
(4) سورة النساء: 59.
(5) روح المعاني: 5/86.
(6) محمد حسين الطباطبائي, الميزان في تفسير القرآن: 4/340.
(7) المصدر نفسه: 4/351.
(8) سورة محمد: 33.
(9) التحرير والتنوير: 26/107.
(10) سورة النجم: 3 , 4.
(11) الميزان في تفسير القرآن: 18/315.
(12) سورة الحشر:7.
(13) في ظلال القرآن: 6/3525.
(14) سورة آل عمران: 31.
(15) الميزان في تفسير القرآن: 3/139.
(16) مسلم، صحيح مسلم: 1/67.
(16) البخاري , صحيح البخاري: 6/2445.
(18) المتقي الهندي(ت975هـ), كنز العمال: 1/41 , والمجلسي, بحار الأنوار: 17/14.
(19) الكليني, الكافي: 4/60.
(20) سورة الشورى: 23.
(21) الطبري, جامع البيان عن تأويل القرآن: 25/32, وعلى ما جرى لآل النبي(صلى الله عليه وآله) في كربلاء, يقول الآلوسي: (ولله تعالى در السيد عمر الهيتي أحد الأقارب المعاصرين حيث يقول:
بأية آية يأتــي يزيـــد غداة صحائف الأعمال تتلـى
وقام رسول رب العرش يتلو وقد صمت جميع الخلق (قل لا), روح المعاني: 25/45.
(22) معالم التنزيل في التفسير والتأويل، 5/49.
(23) روح المعاني: 25/45.
(24) المصدر نفسه: 25/47.
(25) روح المعاني: 25/47.
(26) ظ: الزمخشري , الكشاف: 4/225, والرازي, مفاتيح الغيب: 27/143.
(27) ناصر مكارم الشيرازي, الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: 25/374.
(28) سورة التوبة: 24.
(29) سورة آل عمران: 97.
(30) الطبرسي, مجمع البيان: 2/265.
(31) نظرة عامة في العبادات: 39.
(32) سورة النمل: 40.
(33) الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: 12/57.
(34) سورة الروم: 44.
(35) ابن كثير, تفسير القرآن الكريم: 4/100, وظ: الآلوسي, روح المعاني: 24/523.
(36) سورة آل عمران: 83.
(37) محاسن التأويل: 2/715.
(38) سورة البقرة: 21.
(39) محمد تقي مصباح اليزدي, العودة إلى الذات وبناؤها من جديد، ص89 .
(40) المجلسي، بحار الأنوار: 81/37.
(41) المصدر نفسه: 67: 210.
(42) نهج البلاغة: 4/12.
(43) المصدر نفسه: 2/133.
(44) محمد حسين الطباطبائي, الميزان في تفسير القرآن: 18/335.
(45) عفيف طبارة, روح الصلاة في الإسلام, ص17.
(46) ماذا يعني انتمائي للإسلام, ص17.
(47) سورة الذاريات: 56.
(48) مفاتيح الغيب: 28/200.
(49) التحرير والتنوير: 1/180 , وظ: سيد قطب, في ظلال القرآن: 4/1943.
(50) حسن علي القبانجي, شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين علي بن
الحسين(عليه السلام)،.1/23, ظ: محمد قطب: مفاهيم ينبغي أن تصحح , ص173.
(51) يرى ابن عاشور أنّ (الخوف والرجاء) من مقتضيات العبادة كالحب, وقد ساق في ذلك أدلة, ظ: التحرير والتنوير: 1/180, ولا يبدو للباحث أنّ (الخوف والرجاء) من مقتضيات العبادة لله تعالى, ولو في هذا المقام, إذ لا يُعبد الله تعالى بهذين الأمرين, فهذا يخالف المقتضى الأول والخلوص ـ الإخلاص ـ في العبادة لوجهه سبحانه, فلا يُعتقد أن يتقرب إلى الله تعالى بنية الخوف والرجاء, بأن يقول أصلي الفرض كذا خوفاً من الله, بل بالقرب والحب إليه سبحانه, وإلى هذا المعنى المختار ذهب الرازي, ظ: مفاتيح الغيب: 1/202, والطباطبائي: الميزان في تفسير القرآن:1/26, والعلامة الحلي(ت726هـ)، كتاب الألفين, مكتبة الألفين, الكويت،1985م, ص138.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.