Take a fresh look at your lifestyle.

القراءة اللغوية للنص القرآني

0 385

            قسم ابن عباس تفسير القرآن على أربعة أوجه جعل الوجه الأول ما تعرفه العرب في كلامها(1). وهو ما يرجع فيه إلى لسان العرب وأساليبها ومرجعه إلى أمرين أحدهما اللغة ومعاني مفرداتها. والآخر الإعراب. وهو ما وصف بالتفسير اللغوي, ويعتمد على نقل الآثار مع الاجتهاد في معرفة مطابقة الألفاظ معانيها.

وهذا التفسير صار مرجعًا لأصحاب التفاسير الواسعة بعد ذلك.

فالتفسير اللغوي يعتمد على الفقه بالعربية وأساليبها واستعمالاتها والنفاذ إلى خصائص التعبير فيها.

والقرآن الكريم إنّما نزل (بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ)(2) وتِصداق ذلك في آية من القرآن، وفي آية أخرى (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ..)(3).

فلم يحتج السلف ولا الذين أدركوا وحيه إلى النبي (صلى الله عليه وآله) أن يسألوا عن معانيه، لأنهم كانوا عرب الألسن، فاستغنوا بعلمهم به عن المسالة عن معانيه، وعما فيه مما في كلام العرب مثله من التلخيص.وفي القرآن مثل ما في الكلام العربي من وجوه الإعراب ومن الغريب والمعاني(4).

بهذا الكلام يبدأ أبو عبيدة(ت310هـ)كتابه (مجاز القرآن) ولكن مع اتساع نطاق الإسلام واختلاط المجتمع العربي وظهور اللحن على الألسن في وقت مبكر، تروي بعض الروايات ظهوره في عهد الرسول (صلى الله عليه وآله) وأخرى في عهد عمر ثم إشارة الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام) إلى أبي الأسود الدؤلي(ت69هـ) بوضع ما يضبط اللسان لسماعه اللحن في البصرة بعد حرب الجمل، كانت الحاجة ماسة إلى هذا التفسير اللغوي،

           وأول من عني به عبد الله بن عباس(ت68هـ) وهو بعد الإمام علي(عليه السلام) من الصحابة الذين كثر التفسير عنهم، فقد وصف ابن عباس بأنه حبر الأمة وترجمان القرآن وقد دعا له النبي(صلى الله عليه وآله) بقوله: (اللهم فقهه بالدين وعلمه التأويل) فقد كثرت الرواية في التفسير عنه حتى كان النصف من الأحاديث الواردة في التفسير مسنداً إليه(5).

ثم اتسعت الحاجة إلى معرفة دلالات مفرداته وتراكيبه فبدأ التأليف في معاني القرآن وإعرابه على أيدي النحويين فجهودهم في هذا المجال كانت بداية التفسير الذي تطور واتسع إلى أنواع التفسير الأخرى، ولكنها جميعا أساسها المعرفة والإلمام بعلوم اللغة، لكن التفسير اللغوي في عرف بعض الفقهاء والمحدثين المتزمتين لا يبعد عن تفسير القرآن بالرأي وبخاصة احتجاجه بالشعر، فيرون أن التفسير باعتماده على النص وحده وفق استعمالات العرب، لا يصح في القرآن، فقد روي أن احمد بن حنبل نهى أبا عبيد القاسم بن سلام (ت224هـ) أن يتخذ أبا عبيدة والفراء(ت207هـ) إمامين يحتج بهما في معاني القرآن(6).

قال أبو بكر بن الأنباري(ت328هـ) قد جاء عن الصحابة والتابعين كثير من الاحتجاج على غريب القرآن ومشكله بالشعر، وأنكر جماعة، لا علم لهم على النحويين ذلك وقالوا: إذا فعلتم ذلك جعلتم الشعر أصلا للقران، قالوا: وكيف يجوز أن يحتج بالشعر على القرآن وهو مذموم في القرآن والحديث؟

قال: وليس الأمر كما زعموه من أنا جعلنا الشعر أصلا للقرآن بل أردنا تبيين الحرف الغريب من القرآن بالشعر،لأن الله تعالى قال:(إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) يوسف/2.

                (وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً..) طه/113،

                (.. وَهَـذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ) النحل/103،

               (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ) الشعراء/193ـ195.

قال: ابن عباس: الشعر ديوان العرب فإذا خفى علينا الحرف من القرآن الذي أنزله الله بلغة العرب رجعنا إلى ديوانها فالتمسنا معرفة ذلك منه، ثم اخرج أبو بكر من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: اذا سألتموني عن غريب القرآن فالتمسوه في الشعر…(7)” .

وذكر البدر الزركشي في كتابه (البرهان) النوع الثامن عشر (معرفة غريبه)… ان هذا الفن ضروري للمفسر وإلا فلا يحل له الإقدام على كتاب الله تعالى ونقل أقوالا عن العلماء في ذلك.

وذكر ان السلف أو كثير منهم تهيب تفسير القرآن وتركوا القول فيه حذرا ان يزلوا فيذهبوا عن المراد، وان كانوا علماء باللسان فقهاء بالدين(8).

ان هذا النقد والرفض للتفسير اللغوي لا يدل على نظر سليم،فقد قدم هذا التفسير اللغوي دراسات جادة للنص القرآني وهو توثيق له وتحليل لتراكيبه وتوضيح لمبهمه، ثم هو كان الباب للتفسير الموسوعي فهو مما اعتمد عليه المفسرون ولم يستغنوا عن شيء منه حتى قال ابن الصلاح: وحيث رأيت في كتب التفسير قال أهل المعاني فالمراد به مصنفو الكتب في معاني القرآن كالزجاج والفراء والأخفش، وابن الأنباري(9).

 

       أسئلة نافع بن الأزرق لابن عباس:

تعد هذه المسائل بداية الحاجة إلى التفسير اللغوي وان سبقتها استفسارات عن غريب في القرآن الكريم حتى من بعض المعاصرين لنزول الوحي من قريش وذلك دليل على أن في القرآن الكريم ألفاظًا من غير لغة قريش كما كان بيانه في موضوع (عربية القرآن الكريم).

فمما روي ان عمر بن الخطاب قرأ على المنبر (وَفَاكِهَةً وَأَبّا﴾ فقال :هذه الفاكهة قد عرفناها فما الأب؟

وعن ابن عباس قال كنت لا أدري ما فاطر السموات حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما: أنا فطرتها، يقول: أنا ابتدأتها(10).

وقد قامت الدكتورة بنت الشاطئ بتحقيق مجموع مسائل نافع بن الأزرق وعددها (189) وألحقتها في كتابها (الإعجاز البياني في القرآن الكريم).

سنذكر أهم من روى خبر هذه المسائل ثم نثبت نماذج منها.

ذكر المبرد(ت285هـ) منها في كتابه الكامل في اللغة عند حديثه عن أخبار الخوارج، ذكر ثلاث مسائل مما حدث به أبو عبيدة معمر بن المثنى(ت210هـ) عن أسامة بن زيد الليثي(ت153هـ) عن عكرمة مولى ابن عباس(105هـ)… قائلا.

(ويروى عن أبي عبيدة من غير وجه: ان ابن الأزرق أتى ابن عباس فجعل يسأله حتى أملّه. فجعل ابن عباس يظهر الضجر وطلع عمر بن أبي ربيعة على ابن عباس وعمر يومئذ غلام فسلم وجلس فقال له ابن عباس ألا تنشدنا شيئا من شعرك؟ فأنشده:

     أمن آل نعم انت غاد فمبكر              غــداة غـد أم رائـح فهجــر

 

           نقل المبرد أربعة عشر بيتا إلى قوله (رأت رجلا..) فقال ابن الأزرق أنت يا بن عباس نضرب إليك آباط الإبل لنسألك عن الدين فتعرض ويأتيك غلام من قريش فينشدك سفهًا فتسمعه؟ فقال: بالله ما سمعت سفهًا، فقال ابن الأزرق: أما أنشدك رأت رجلاً أما اذا الشمس عارضت فيضحي وأما بالعشي فيخسر.

فقال ما هكذا وإنما قال: وأما بالعشي فيخصر”

وأخرجها أبو بكر الأنباري(ت328هـ) في مقدمات كتابه (إيضاح الوقف والابتداء من كتاب الله عز وجل) سماعاً عن شيخه بشير بن أنس… عن ميمون بن مهران قال:

دخل نافع بن الأزرق المسجد الحرام فإذا هو بابن عباس جالسًا على حوض من حياض السقاية… وإذا بالناس قيام عليه يسألونه عن التفسير فإذا هو لا يحبسُهُم تفسيره، فقال نافع: تالله ما رأيت رجلاً أجرأ على ما تأتي به منك يا بن عباس: فقال ابن عباس: ثكلتك أمك، أولا أدلك على من هو أجرأ مني؟ قال: ومن هو؟ قال رجل تكلم بغير علم أو كتم علمًا عنده.

فقال نافع يا بن عباس إني أريد أن أسألك عن أشياء فأخبرني بها: قال: سلْ ما شئت، قال: أخبرني عن قوله تعالى: (.. حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَد..ِ) قال: الخيط الأبيض ضوء النهار، والخيط الأسود سواد الليل، قال: فهل كانت العرب تعرف ذلك قبل أن ينزل القرآن؟ قال نعم، قال أمية بن أبي الصلت:

     الخيط الأبيض ضوء الصبح منبلج               والخيط الأسـود لون الليل مكمـوم

 

          وعلى هذا النسق مضى ابن الأنباري في رواية المسائل (خمسون مسألة) وأخرجها الطبراني(ت360هـ) في معجمه الكبير في سياق مناقب ابن عباس وما روى من سعة علمه وفضله… جاء حديثه قال:

خرج نافع بن الأزرق ونجده بن عويمر الحروي قتل (69هـ) في نفر من رؤوس الخوارج ينقرون عن العلم ويطلبونه حتى قدموا مكة، فإذا هم بعبد الله بن عباس قاعدا قريبا من زمزم، وإذا أناس قيام يسألونه عن التفسير يقولون… ويقول:

فقال له نافع بن الأزرق: ما أجرأك يا بن عباس على ما تخبر به منذ اليوم:

فقال له ابن عباس: ثكلتك أمك يا نافع، ألا أخبرك من هو أجرأ مني؟

          قال: من هو يا بن عباس؟

         قال: رجلاً تكلم بما ليس له به علم، ورجل كتم علما عنده.

         قال: صدقت يا بن عباس، أتيتك لأسألك،

         قال: هات يا بن الأزرق فسلْ.

فساق المسائل والجواب عنها والشواهد عليها وعددها إحدى وثلاثون مسالة.

وذكرها البدء الزركشي(794هـ)ـ في كتابه (البرهان في علوم القرآن) النوع8 (مَعْرفةُ غَريبه).

وعنده إن هذا الفن ضروري للمفسر وإلا فلا يحل له الإقدام على كتاب الله تعالى، ونقل أقوالا عن العلماء في ذلك.

وأكبر مجموعة من المسائل جاء بها السيوطي في كتابه (الإتقان في علوم القرآن) أفرد لها فصلا بدأه بقول أبي بكر بن الأنباري المذكور قبل قليل.

—————————————————-
الهوامش:
(1) ينظر تفسير الطبري، 1/75-76, البرهان في علوم القرآن، للزركشي، 2/181.
(2) الشعراء/195.
(3) إبراهيم/4.
(4) مجاز القرآن، لأبي عبيدة، 1/8.
(5) ينظر مجمع البيان للطبرسي، 1/68, مناهل العرفان في علوم القرآن، محمد عبد العظيم الزرقاني، 2/14, 16.
(6) طبقات المفسرين، للداودي، 1/106, 107.
(7) ينظر: الإيضاح في الوقف والابتداء لابن الأنباري، 100-109, الاعجاز البياني للقران، بنت الشاطيء, 29, 294.
(8) البرهان في علوم القرآن، 2/295, 296.
(9) الاتقان في علوم القرآن، للسيوطي، 1/244.
(10) ينظر: البرهان.. الاتقان 1/244-245.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.