Take a fresh look at your lifestyle.

الصوم.. منزلته وحقيقته

0 260

   أولاً: منزلة فريضة الصيام:

            العبادات عموماً يراد منها تقوى الله تعالى، والتقوى في القرآن المجيد وصية الله سبحانه بواسطة سفرائه إلى الأولين والآخرين، حيث قال الله تعالى:

            (وَللّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللّهَ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللّهُ غَنِيّاً حَمِيداً)(1)، يقول الفخر الرازي: (إن الأمر بتقوى الله شريعة عامة لجميع الأمم، لم يلحقها نسخ ولا تبديل، بل هي وصية الله في الأولين والآخرين)(2).

            والتقوى كلمة جامعة لفعل الطاعات وترك المعاصي الكبيرة منها والصغيرة، وهي في جملتها تكتنف النفس المؤمنة من داخلها، حيث تنبه الضمير بالإحساس العميق بالمراقبة، والذي به ينبع الخير من قلب المؤمن من دون ضغوط خارجية، وتنفره من الشر بلا قسر أو إكراه، وكانت الوصية بالتقوى من وصايا رسول الله (صلى الله عليه وآله) لقادة سراياه. يقول الإمام جعفر الصادق(عليه السلام):

           (إن النبي(صلى الله عليه وآله) كان إذا بعث أميراً له على سرية أمره بتقوى الله عز وجل في خاصة نفسه ثم في أصحابه عامة)(3).

          ونلحظ أهمية التقوى في كونها مما يوصى به ويؤكد فيه، فمن وصايا الإمام علي(عليه السلام) لابنه الحسن(عليه السلام) قال:

           (… فإني أوصيك بتقوى الله أي بني ولزوم أمره، وعمارة قلبك بذكره...)(4)، وكذلك هي ما يوصى به الأصحاب، وهذا ما نلحظه في وصية الإمام جعفر الصادق(عليه السلام) لأحد أصحابه، إذ قال(عليه السلام):

              (أوصيك بتقوى الله والورع والاجتهاد، واعلم أنه لا ينفع اجتهاد لا ورع فيه)(5).

             فإذا علمنا من كل هذا أهمية التقوى ومنزلتها نلحظ أن منزلة الصيام من أسمى مراتب التقوى، ويظهر ذلك من سائر العبادات، ففيها جوانب محببة للنفس وقريبة من الطباع السليمة في الإنسان، أما الصوم ففيه معاندة للطبع ومقاومة له، ولهذا كان الصوم من الأعمال الخالصة من الرياء، والتي تستحق الأجر بغير حساب(6).

            ومـصداقه قوله تعالى: (.. إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ)(7) هذا الصبر الذي صبره الصابرون هو من جراء صبرهم على الشدائد بما فيه من تحمل لها(8) ومن مصاديقها الصبر على الجوع والعطش وغيره.

           ومن هذه المقاربة نلحظ أن من مصاديق الصبر الصيام(9)، وهذا ما نراه في قوله تعالى:

         (وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ)(10)، إذ فسر(الصبر بالصيام من باب المصداق والجري)(11)

           وهنا يقول الإمام جعفر الصادق(عليه السلام):

        (الصبر الصيام، وقال إذا نزلت بالرجل النازلة الشديدة فليصم، فإن الله عز وجل يقول: (بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ)، يعني الصيام)(12).

           فلعبادة الصيام إذن مكانة عظيمة ومنزلة جُلَّى في الإسلام، إذ نلحظ أن للصوم ارتباطاً وثيقاً بالتقوى التي هي من أقرب الطاعات والقربان لله تعالى، فاستمد بالتالي منزلته من منزلتها العظيمة، وكذلك أن الصيام مصداق واقعي للصبر كما دلت الأخبار على أن المراد بالصبر الوارد لفظه في القرآن المجيد هو الصيام(13).

           ونلحظ منزلة الصيام في منزلة الشهر الذي يوجب فيه (شهر رمضان) الذي هو سبيل الله تعالى الموصلة إليه، فكان بذلك من إحسانه ولطفه، وهذا المعنى نجده في دعاء الإمام علي بن الحسين (السجاد)(عليه السلام): (والحمد لله الذي جعل من تلك السُّبل شهره، شهر رمضان، شهر الصيام، وشهر الإسلام، وشهر التمحيص، وشهر القيام، الذي أُنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان)(14).

          ولا تقف منزلة الصيام عند هذا بل نلحظ أن أجر الصوم لم يحدد حسابه، فكان ثوابه عظيماً غير متناه لما نلمسه في الآية المارّة الذكر، وكذلك ما ورد عن الإمام جعفر الصادق(عليه السلام) في قوله: (إن الله عز وجل يقول: الصوم لي وأنا أجزي عليه)(15)، وهذا عائد إلى أن عبادة الصوم مفتوحة العطاء بالأجر والثواب في جميع حركات الصيام وسكناته، وهذا ما لا نلحظه في منزلة العبادات الأخرى، وهو ما يؤكده الحبيب محمد(صلى الله عليه وآله) في قوله: (الصائم في عبادة وإن كان على فراشه ما لم يغتب مسلماً)(16)،

         ويقول الإمام جعفر الصادق(عليه السلام): (نوم الصائم عبادة ونفسه تسبيح)(17)، وكل ذلك كرم من الله سبحانه وتفضل منه على عباده لإقامة هذه الفريضة الكريمة لما وهب فيها من جزيل الثواب إذ (إن الصوم أجره عظيم، وثوابه جسيم، وما يدل على فضله من الآيات والأخبار أكثر من أن يحصى)(18).

 

   ثانياً: حقيقة الصيام:

          كثير من المسلمين يتجه إلى أن تكون علاقته بالصيام من خلال الإمساك عن المفطرات الحسية كالأكل والشرب، والجماع … وغيرها، متجاهلاً أو غافلاً عن وجود مفطرات معنوية ينبغي للمسلم أن يمسك عنها، لأنها تمثل الخط الموصل إلى الكمال المعنوي في الإنسان الملتزم.

            وقد حرص عِدل القرآن من أئمة أهل البيت(عليهم السلام) على تأكيد هذا الجانب المهم في العبادات الإسلامية لتبعد الإنسان عن ممارسة حرفية العبادات، من دون أن تكون له دراية بعمقها الحركي في الحياة الإنسانية. يقول الرسول الكريم(صلى الله عليه وآله):

            (لو صليتم حتى تكونوا كالحنايا، وصمتم حتى تكونوا كالأوتاد، لم يقبل الله منكم إلا بورع)(19)،

 ويقول الإمام علي(عليه السلام):

           (ليس الصوم الإمساك عن المأكل والمشرب، الصوم الإمساك عن كل ما يكرهه الله سبحانه)(20)،

  ويقول (عليه السلام) أيضاً مناظراً بين صوم الجسد وصوم النفس:

          (صوم الجسد الإمساك عن الأغذية بإرادة خوفاً من العقاب ورغبة في الثواب والأجر، وصوم النفس، إمساك الحواس من سائر المآثم وخلو القلب من أسباب الشر)(21)،

  ويقول الإمام علي بن الحسين(عليه السلام):

          (وأعنا على صيامه بكف الجوارح عن معاصيك واستعمالها فيه بما يرضيك)(22).

           ونلحظ أن هناك مفطرات معنوية يجب أن يتجنبها الصائم في صيامه ليتحقق بذلك المعنى الحقيقي للصيام،ومنها(23):

   1. الورع عن محارم الله سبحانه، ففي جملة من خطبة الرسول(صلى الله عليه وآله) قال الإمام علي(عليه السلام): (فقمت، فقلت: يا رسول الله، ما أفضل الأعمال في هذا الشهر؟ فقال(صلى الله عليه وآله): يا أبا الحسن، أفضل الأعمال في هذا الشهر الورع عن محارم الله)(24).

           فالورع عما حرم الله تعالى من أسمى صور العبادات عموماً، إلا أنه في الصيام له دوره المتميز لتحقيق مضامينه العالية باعتبار أن فريضة الصيام مما لا يطلع عليها إلا الله سبحانه في الغالب فيكون الإنسان لهذا أكثر حذراً.

   2. عفة اللسان وغض البصر: يقول الإمام جعفر الصادق(عليه السلام): (إن الصيام ليس من الطعام والشراب وحده، ثم قال: قالت مريم: (.. إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إنسيًّا)(25)، أي صمتاً، فإذا صمتم فاحفظوا ألسنتكم، وغضوا أبصاركم، ولا تنازعوا، ولا تحاسدوا. قال: وسمع رسول الله(صلى الله عليه وآله) امرأة تسب جارية لها وهي صائمة، فدعا رسول الله(صلى الله عليه وآله) بطعام، فقال لها كلي، فقالت: إني صائمة، فقال: كيف تكونين صائمة وقد سببت جاريتك، إن الصوم ليس من الطعام والشراب)(26).

            فالترقي عن المحرمات والشبهات والتحرز عن الشهوات بتهذيب الجوارح، يعكس آثار الصوم على سلوك الإنسان ويحقق مقصوده المتمثل في كسر شهوات النفس وكبح جماحها.

   3. الامتناع عن الغيبة: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): (ومن اغتاب أخاه المسلم بطل صومه وانتقض وضوؤه، فإن مات وهو كذلك مات وهو مستحل لما حرّم الله)(27). لأن الغيبة مُفسدة للروح وغشاوة عليه، وهي مُهجّرة للحسنات ومجلبة للسيئات، وهي أدام أهل النار هي (في غير الصوم حرام، فكيف بالصوم وهو العبادة لتطهير وتزكية النفس)(28).

   4. حفظ الجوارح عن القبائح: يقول الإمام جعفر الصادق(عليه السلام): (إذا أصبحت صائماً فليصم سمعك وبصرك من الحرام، وجارحتك وجميع أعضائك من القبيح، ودع عنك الهذي وأذى الخادم، وليكن عليك وقار الصائم، والزم ما استطعت من الصمت والسكوت إلا عن ذكر الله ولا تجعل يوم صومك كيوم فطرك..)(29).

   5. كراهة القُبلة والملامسة بشهوة: عن الأصبغ بن نباته قال: جاء رجل إلى أمير المؤمنين(عليه السلام) فقال: يا أمير المؤمنين أُقبل وأنا صائم؟ فقال له: (عف صومك، فإن بدو القتال اللطام)(30). وهذا تعريض للنفس الإنسانية للشهوة وتغليب عليها وشغلها عما يُراد منها من ذكر الله عز وجل وتربية لها على الصبر، إذ مَن حام حول الحمى كاد أن يقع فيها، وهو الواضح من تحذير أمير المؤمنين(عليه السلام).

             فعلى ذوي البصائر أن يقفوا على هذه الشرائط وغيرها وقفة تأمل، حيث لا وصول إلى الغايات السامية في العبادة إلاّ بتلمس حقائقها، ومن دون ذلك لا يرتقي الإنسان إلى روح العبادة الصحيحة، ويكون حظه كمن يقول في حقه أمير المؤمنين(عليه السلام): (كم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والظمأ)(31)،

             لأن هذا الإنسان لم يُعبّد جوارحه بـ(حضور القلب الذي هو روح العبادة، والذي ترتبط به حقيقة العبادة، ومن دونه لا يكون له أهمية، ولا تقع مقبولة في ساحة الحق المتعالي)(32)، فتُرد ولا تُقبل هذه العبادة وإن أداها الإنسان من غير إقامتها، فيقع آنذاك الخسران الذي لا خسران بعده، بعد أنْ أفرغ هذه العبادة من محتواها وغايتها.

              ومما تقدم نلحظ أن للصوم درجات، ويمكن تقسيمها على النحو التالي(33):

 

  الأولى: صوم العموم:

            وهو كف البطن والفرج عن قضاء الشهوة، وهذا لا يفيد أزيد من سقوط القضاء والاستخلاص من العذاب، فهذه الدرجة من الصوم هي الامتناع عن المباحات، بغية أداء هذه العبادة وإسقاط المطالبة بها، وبهذا يكون الإنسان أكثر امتناعاً عن المحرمات التي ربما كان يقترفها في غير أداء الصيام، وإلاّ يكون هذا الإنسان هازلاً أكثر منه صائماً، وقريباً من الشيطان أكثر مما يراد منه القرب إلى الله سبحانه،

             يقول الشيخ محمد أمين زين الدين(ت1419هـ): (وما ظنك بعبدٍ يمسك عن منهيات الصوم من المباحات والمحرمات ليرضي ربه بهذه العبادة، ثم يرتكب تلك الجرائر أو بعضها؟! ومن المضحك المبكي أن يقول مع ذلك، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)(34).

 

   الثانية: صوم الخصوص:

             وهو الكف عن المذكور، مع كف البصر والسمع واللسان واليد والرجل وسائر الجوارح عن المعاصي، وعلى هذا الصوم تترتب المثوبات الموعودة من صاحب الشرع.

 

   الثالثة: صوم خصوص الخصوص:

              وهو صوم القلب عن الهمم الدنية والأخلاق الردية، والأفكار الدنيوية، والكف عما سوى الله تعالى بالكلية، ويحصل الفطر في هذا الصوم بالفكر في ما سوى الله واليوم الآخر، وحاصل هذا الصوم إقبال بكنه الهمة على الله، وانصراف عن غير الله عز وجل، وهذه الدرجة من أرقى درجات الصيام وأسماها شأناً ومقاماً، وهو صوم الصفوة المنتجة الخالصة من الأنبياء(عليهم السلام)، وأوصيائهم المعصومين(عليهم السلام)،

              وهذه الدرجة مما يسعى إليها الإنسان ليصل بذلك على أقل تقدير إلى الحد الأدنى، وإلاّ فإن هذه الدرجة هي بالحقيقة صوم خصوص الخصوص، وهذا مما لا يثبط العزائم عن بلوغها إذ (العدالة المكتسبة غير العصمة، والتابع غير القائد المتبوع، والكامل المتزايد في غير الكمال، غير الناقص المتكامل، والمستضيء بنوره غير المضيء المنير، والله سبحانه هو مؤتي كل نفس ما هي له أهل وموفيها جزاء ما كسبت من منزلة ومن ثواب أو عقاب(35)،

              فالإنسان بالتالي هو الذي يرقي نفسه في سمو الطاعة والتنافس الحقيقي، إذا ما توكل على الله تعالى وهيأ نفسه.

——————————————————-

الهوامش:
(1) سورة النساء: 131.
(2) مفاتيح الغيب: 11/56.
(3) الكليني، الكافي: 5/29.
(4) نهج البلاغة، شرح محمد عبده: 3/38.
(5) الكليني، الكافي: 2/76.
(6) ظ: أحمد عبد الجواد الدومي، الإسلام منهاج وسلوك، المكتبة العسكرية، بيروت 193:51.
(7) سورة الزمر: 10.
(8) ظ: الطبرسي، مجمع البيان: 8/280.
(9) ظ: الآلوسي، روح المعاني: 1/337. ومحمد رشيد رضا، تفسير المنار: 1/262.
(10) سورة البقرة: 45.
(11) محمد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن: 1/131.
(12) الكليني، الكافي: 4/63.
(13) يقول العلامة محمد باقر المجلسي: (وفي كثير من الأخبار أن الصبر الصيام)، بحار الأنوار: 66/42.
(14) الصحيفة السجادية، تحقيق: محمد باقر الموحد الابطحي، مؤسسة الإمام المهدي(ع)،قم، 1411هـ، ص13.
(15) الكليني، الكافي: 4/63.
(16) الكليني، الكافي: 4/64.
(17) المصدر نفسه: 4/64.
(18) محمد مهدي النراقي، جامع السعادات: 3/379.
(19) المجلسي، بحار الأنوار: 4/258.
(20) نهج البلاغة، شرح ابن أبي الحديد: 20/299.
(21) علي بن محمد الليثي الواسطي، عيون الحكم والمواعظ، تحقيق: حسين الحسيني البيرجندي، طبع: دار الحديث: 305.
(22) الصحيفة السجادية، تحقيق:محمد باقر الموحد الأبطحي الأصفهاني، مؤسسة أنصاريان، قم، 1411هـ:210.
(23) ظ: حسين علي المصطفى، فلسفة العبادات: 206، ومحمد مهدي النراقي، جامع السعادات: 3/379.
(24) الحر العاملي، وسائل الشيعة:10/315، والمجلسي، بحار الأنوار: 42/190.
(25) سورة مريم: 26.
(26) الكليني، الكافي: 4/87.
(27) الحر العاملي، وسائل الشيعة: 8/602، والمجلسي، بحار الأنوار: 73/263.
(28) مصطفى السباعي، أحكام الصيام وفلسفته في ضوء القرآن والسنة، المكتب الإسلامي، بيروت، 1986م، ص25.
(29) الحر العاملي، وسائل الشيعة: 10/165، والمجلسي، بحار الأنوار: 93 /292
(30) نفس المصدر: 10/99.
(31) نهج البلاغة، شرح ابن أبي الحديد: 18/344.
(32) الإمام الخميني، الأربعون حديثاً: 481.
(33) للتوسعة، ظ الغزالي، إحياء علوم الدين، 1/329، ومحمد مهدي النراقي، جامع السعادات: 3/381.
(34) كلمة التقوى، الناشر: السيد جواد الوداعي، ط2، 1993م: 2/104.
(35)كلمة التقوى، : 2/107.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.