Take a fresh look at your lifestyle.

الوهابية … نباح مسعور لاستهداف المراقد المقدسة عبر التاريخ

0 705

             تعرضت مدينة النجف الأشرف ومنذ مطلع القرن الثالث عشر الهجري (الثامن عشر الميلادي) إلى الغزو الوهابي قادمًا من جزيرة العرب مستغلًا حالة الضعف والتدهور التي كانت تمر بها المدن العراقية وهي تئن تحت وطأة الاحتلال العثماني..

             ومن بين المدن التي تعرضت للغزو الوهابي مدينتا النجف الأشرف وكربلاء المقدسة، وكانت فاجعة شعبان من بين أقسى تلك التجارب الأليمة التي عاشتها تلك المدينتين المقدستين مع الوهابية ومحاولاتهم العديدة للنيل من أهلها ورموزها ومقدساتها.

 

   من هم الوهابية..؟

          الوهابية فرقة ضالة تنسب إلى محمد بن عبد الوهاب بن سليمان النجدى المولود سنة 1111هـ والمتوفى سنة 1206هـ ـ أسسها في نجد أواخر القرن ‏الثاني عشر الهجري مستغلا حالة الجهل ‏والتخلف التي كانت تعيشها الأعراب، ونشر تعاليمه بينهم، والتي جاءت ‏موافقة لميول جماعة بدوية تعتمد على الغزو في معيشتها.

             ولع محمد بن عبد الوهاب بمطالعة أخبار مدّعي النبوة كمسيلمة الكذاب، وسجاح، والأسود العنسي، وطليحة الأسدي، فظهر منه أيام دراسته العلوم الدينية زيغ وانحراف كبيران، مما دعا والده وسائر مشايخه إلى تحذير الناس منه، فقالوا فيه: سيضل هذا، ويضل اللّه به من أبعده وأشقاه!

              وفي سنة 1143هـ أظهر محمد بن عبد الوهاب الدعوة إلى مذهبه الجديد، ولكن وقف بوجهه والده ومشايخه فأبطلوا أقواله، فلم تلق رواجا حتى توفى والده سنة 1153هـ، فجدد دعوته بين البسطاء والعوام فتبعه حثالة من الناس، فثار عليه أهل بلده وهمّوا بقتله، ففر إلى (العيينة) وهناك تقرب إلى أميرها وتزوج أخته، ومكث عنده يدعو إلى نفسه وإلى بدعته، فضاق أهل العيينة منه ذرعًا فطردوه من بلدتهم، فخرج إلى (الدرعية) شرقي نجد، وهذه البلاد كانت من قبل بلاد مسيلمة الكذاب. فراجت أفكار محمد بن عبد الوهاب فيها، واتبعه أميرها محمد بن سعود وعامة أهلها.

            وكان في ذلك كله يتصرف كأنه صاحب العلم المطلق، لا يعبأ بقول أحد من أئمة الاجتهاد، لا من السلف ولا من المعاصرين له، في الوقت الذي لم يكن فيه هو ممن ينتمون إلى أهل الاجتهاد والعلم!!. (ينظر: الوهابية في صورتها الحقيقية، صائب عبد الحميد:1).

             أما أخوه الشيخ سليمان بن عبد الوهاب، وهو أعرف الناس به، فقد ألف كتابا في إبطال دعوة أخيه وإثبات زيفها، ومما جاء عنه عبارة موجزة وجامعة في التعريف بالوهابية ومؤسسها قال فيها: (اليوم ابتلى الناس بمن ينتسب إلى الكتاب والسنة ويستنبط من علومهما ولا يبالي من خالفه، ومن خالفه فهو عنده كافر، هذا وهو لم يكن فيه خصلة واحدة من خصال أهل الاجتهاد، ولا واللّه ولا عشر واحدة، ومع هذا راج كلامه على كثير من الجهال، فإنا للّه وإنا إليه راجعون). (ينظر: الصواعق الإلهية في الرد على الوهابية، الشيخ سليمان بن عبد الوهاب، طبع في بومباي سنة 1306هـ).

 

  العراق ومراقده المقدسة:

              يزعم أتباع عقيدة محمد بن عبد الوهاب الضالة، أنهم الموحدون الوحيدون، وغيرهم من المسلمين كفار مشركون، ومن مظاهر توحيدهم، أنهم يعتقدون أن الله جالس على العرش حقيقة، وأن له يداً ورجلاً، وساقاً وجنباً، وعيناً ‏ووجهاً ولساناً ونفساً، وأنه يتكلم ‏بحرف وصوت، وخلاصة القول أنهم يعتقدون بالتجسيم ‏الذي أطبق المسلمون على بطلانه.‏

             وإن لأتباع ابن عبد الوهاب عقائد وأحكاماً حول القبور اختصوا بها، وأفتوا بها من غير دليل ‏شرعي، بل الأدلة قائمة على ‏خلاف ما حكموا به، وإن مذهبهم فيها هو تحريم ‏عمارتها والبناء حولها، وتعاهدها والدعاء والصلاة عندها، بل ‏يجب هدمها وطمسها ‏ومحو آثارها، ويشمل هذا الأمر حتى قبر رسول الله(صلى الله عليه وآله)، إذ يزعم الوهابيون أن المشاهد المشرفة والقبور التي فيها بمنزلة الأصنام، ويقولون في قبر ‏النبي(صلى الله عليه وآله) أنه الصنم الأكبر.‏

             واعتمادًا على هذه العقيدة الفاسدة أفتى فقهاء المدينة في سنة 1344هـ بوجوب هدم القبور في البقيع وغير البقيع في ‏‏المدينة وخارجها، وفي اليوم الثامن من شهر شوال من تلك السنة صدر الأمر ونفذ ‏الحكم، فأهووا على قبور البقيع وفيها‏ مراقد ‏الأئمة الأربعة من أهل البيت(عليهم السلام) وهم:‏

             سبط الرسول(صلى الله عليه وآله) الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب(عليهما السلام)، الإمام زين العابدين ‏علي بن الحسين(عليه السلام)، الإمام الباقر محمد بن علي(عليه السلام)، الإمام الصادق جعفر بن محمد(عليه السلام)، ‏وقبر العباس عم النبي(صلى الله عليه وآله)، وقبر سيدنا ‏إبراهيم ابن رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وقبور زوجاته وعماته، وقبر فاطمة بنت أسد(عليها السلام) وحمزة سيد ‏‏الشهداء(عليه السلام) عم رسول الله(صلى الله عليه وآله) وغيرهما من قبور أهل البيت(عليهم السلام).

             كما نال المراقد المقدسة في العراق ذات الأذى، ونفس المحاولات الخبيثة لهدمها، والنيل منها، وممن يقصدها، وقد اتخذ الوهابيون من (الرحبة) وهي منطقة قريبة من النجف مركزا لهم من أجل ذلك.

 

  محاولات عديدة:

              تولى سعود بن عبد العزيز المعروف بـ(سعود الكبير)، قيادة أكثر الغزوات التي شنها الوهابيون على العراق، وكان سعود وليا لعهد إمارة (الدرعية) عاصمة الوهابية ورأس الكفر والغدر، وقد حكم الدرعية بعد اغتيال والده عام 1803م على يد أحد أبطال كربلاء، وحتى وفاته عام 1814م بعد إصابته بمرض عضال ألزمه الفراش حتى مات(1) بسبب مناصبته العداء لمذهب الحق.

             ابتدأت الغزوات الوهابية على مدينة النجف وكربلاء منذ سنة 1214هـ ــ1799م، وكان النجفيون على موعد مشؤوم مع أعراب الجزيرة من أتباع محمد بن عبد الوهاب.

            وحدد الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء خمس أو ست دفعات أرجف بها الوهابيون النجف الأشرف(2)، في حين وجد الدكتور حسن الحكيم أن الوهابية أغاروا ثلاث عشرة مرة على النجف الأشرف، وكان لسور النجف ومناعة أبراجها وشجاعة أهلها الدور الأكبر في منع اقتحامها في مرات عديدة(3).

          ابتدأت الاعتداءات الوهابية على مدينة النجف الأشرف على إثر قتل أمير قبيلة الخزاعل على يد مجموعة من الوهابيين..

              فقد كان هؤلاء الوهابيون ضمن قافلة قادمة من نجد وردت إلى بغداد للتجارة، فباعت ما عندها، ولما أرادت الرجوع إلى بلادها توجه معها مجموعة من العراقيين بقصد أداء فريضة الحج، وساروا حتى وصلوا مدينة النجف الأشرف، وتزامن دخولهم المدينة مع وجود جماعة من عشيرة الخزاعل، وكان أمير العشيرة يقبّل عتبة باب حجرة الإمام علي(عليه السلام) أثناء أدائه لمراسيم الزيارة للمرقد الشريف، فاستشاط الناصبون غضبا لذلك فحملوا عليه وقتلوه..

             فدارت بين الطرفين معركة شديدة دامت حوالي ثلاث ساعات، قتل فيها من قتل من الوهابية وهرب من سلم إلى نجد، وعاد الحجاج العراقيون إلى بغداد(4).

 

   فاجعة عيد الغدير:

              بعد حادثة الخزاعل الأليمة وتكبد النواصب لخسائر جسيمة، عاد الوهابيون للانتقام والأخذ بالثأر، ففي عام 1215هـ ـ 1800م أرسل الوهابيون سرية إلى العراق لنهب مرقد الإمام علي(عليه السلام) وهدم مرقده الشريف واستباحة مدينة النجف الأشرف، وقد تصدى لهذه السرية عرب البصرة وقاتلوهم وهزموهم، وأخذوا منهم ثمان مائة جمل، وقيل ألف وستمائة جمل، وقُتل منهم أكثر من مائة رجل وعادت السرية بالخيبة(5).

             وما كان لأمير الدرعية (عبد العزيز) أن يرضى بهذا الانكسار والخسائر الكبيرة التي مني بها أتباعه، بما عرف عنه من حميّة جاهلية، فأعد العدة لهجوم عنيف في العام 1216هـ ـ 1801م، بتجهيز جيش يضم آلاف المقاتلين، يقودهم ولده (سعود) فقصدوا مدينة كربلاء المقدسة للنيل من أهلها ومقدساتها، مستغلين انشغال أهل المدينة بعيد الغدير الأغر، حيث سافر أغلبهم إلى النجف الأشرف لتجديد البيعة لأمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام).

              فتجرؤوا على قبر الإمام الحسين(عليه السلام) في كربلاء، ونهبوا ما فيه من مصاحف وكتب وأموال وأثاث وتحف ونفائس فريدة، بعدما كسروا الصندوق الذي فوق قبر حبيب بن مظاهر الأسدي رضوان الله تعالى عليه، وكان من الخشب وأحرقوه لإعداد القهوة للناصبي (سعود) في الديوان المقابل لباب القبلة، وكان عزمه أن يفعل بالقبر الشريف للإمام الحسين (عليه السلام) مثل ذلك ولم يتمكن من ذلك بسبب وجود شباك من الحديد على صندوق القبر الشريف، ويقدر بعضهم عدد القتلى من الرجال والنساء والأطفال الذين ذبحوا بدون رحمة في هذه الحادثة ما بين (5000 ـ 8000) نسمة(6).

            وبعد هذه الأفعال الإجرامية توجه الناصبون إلى النجف الأشرف لاستباحتها، إلا أن استنفار النجفيين بعد ورود أخبار مدينة كربلاء وتهيؤهم لمقاومة لغزو الأعراب، ومناعة أسوار النجف كان لهما الدور الكبير في صمود المدينة وسلامتها من العبث الوهابي(7).

           وذكر محبوبة حادثة أخرى للوهابية في العام 1217هـ عندما كانوا قاصدين الحرمين الشريفين في النجف وكربلاء يقودهم أمير الدرعية الناصبي عبد العزيز بنفسه، حيث جاء لأطراف العراق في عيد الغدير في آخر تلك السنة وقتل جملة من العلماء والمجاورين، ومن جملة من قتل العالم الفاضل ملا عبد الصمد الهمداني صاحب كتاب (بحر المعارف) وكان مقيمًا في كربلاء أكثر من أربع وأربعين سنة(8).

  عثمان والشيخ جعفر:

            بسبب هذه الأحداث الإجرامية الدامية التي مني بها أتباع أهل البيت(عليهم السلام) واستباحة مدنهم وانتهاك مقدساتهم، لم يسع لكل غيور أن يرضى أو يسكت، فانتفضت كربلاء والنجف لذلك.

             فقد انطلق من مدينة كربلاء عام (1218هـ ـ 1803م) أحد الأبطال من مدينة كربلاء المقدسة يعرف باسم (الحاج عثمان)(9) متنكرا بزي الدراويش، متوجها إلى عقر إمارة الكفر (الدرعية) وتربص بالمجرم (سعود)، لكنه لم يظفر به فقتل مكانه والده (عبد العزيز بن محمد) أمير الدرعية وأحد أمراء الدولة السعودية الأولى(10).

              وهنا نوجه دعوة لكل الأخوة الباحثين كي يقفوا على حقيقة تلك الشخصية البطولية وإظهارها للملأ لموقفها المشرف هذا، لتنال ما تستحقه من مكانة تاريخية.

           ومن جانب آخر تحركت النجف بقيادة الشيخ جعفر الكبير(11) صاحب كتاب (كشف الغطاء) لنقل خزانة المرقد الحيدري الشريف ومحتوياتها النادرة والثمينة إلى مدينة بغداد مع من يعتمد عليه من أصحابه خشية تعرضها للنهب والسلب كما حصل لخزانة المشهد الحسيني الشريف، وقد ذكر أن الخزانة احتاجت لنقلها قرابة العشرين بغلًا(12).

           كما أمر الشيخ جعفر الكبير كل من يستطيع حمل السلاح من الشباب للانضمام إلى الفرقة المسلحة التي جهزها بالأسلحة والذخائر وعيّن لهم رواتب وجعلهم مرابطين على حدود النجف لتكون جاهزة للدفاع عن المدينة عند وقوع أي غارة وهابية في المستقبل(13). وبالفعل، عاود الوهابيون في العام 1218هـ ــ 1803م الهجوم على مدينة النجف الأشرف بشكل أقوى وأشد من المرات السابقة،

               وكان للفرقة المسلحة النجفية والسور والأبراج الضخمة التي فيه والخندق المحاذي له ـ الذي أعطاه ارتفاعاً شاهقًا ـ فضلًا عن قيادة الشيخ السديدة، كان لهذه الأسباب الدور الأكبر في حماية المدينة من هذه الغارة والغارات التي تلتها، وظلت القبة الشريفة شامخة في مكانها داخل سور النجف المنيع(14).

 

  هجمات مسعورة:

            وبعد تلك المحاولات الفاشلة التي قام بها الوهابيون، أعدّوا العدة في العام 1220هـ ـ 1805م يتقدمهم زعيم الوهابيين (سعود) بنفسه للهجوم على مدينة النجف الأشرف واقتحامها وإنهاء مقاومة أهلها، فحاصروها من كل جانب، وفرق (سعود) جيشه عليها من جميع الجهات، وأمر جنده بتسلق جدار السور في محاولة لاقتحام المدينة، لولا الخندق الذي كان حائلا بينهم وبينه،

             وكان المسلحون من أهالي النجف قد أغلقوا أبواب المدينة ووضعوا الأحجار الكبيرة خلفها وتحصنوا بأعالي السور وداخل أبراجه الضخمة، وأمطروا الوهابيين بالرصاص وأوقعوا فيهم خسائر فادحة، فاضطروا للتراجع والانسحاب خائبين(15).

            وفي التاسع من صفر عام 1221هـ ــ1806م كرر الوهابي (سعود) هجومه على مدينة النجف الأشرف مرة ثانية بجيش كبير(16)، وكان هجومه هذه المرة غفلة ومع ساعات الصباح الباكرة، فتسلق بعض المهاجمين السور وكادوا أن يأخذوا المدينة، لولا بسالة أهل النجف في الدفاع عنها، حيث استنفر الجميع للرد على هذا الهجوم وشارك بالقتال كل من يستطيع حمل السلاح يتقدمهم علماء الدين وطلبة الحوزة العلمية في النجف على رأسهم الشيخ جعفر الكبير، ومنهم العلامة الكبير الشيخ حسين نجف والفقيه الزاهد الشيخ خضر شلال والعلامة الفقيه السيد محمد جواد العاملي، والشيخ مهدي ملّا كتاب وغيرهم(17).

            وذكر السيد حسين البراقي النجفي: أن المشايخ الكبار والطاعنين في السن والأولاد الصغار والنساء والذين لا يعرفون القتال توجهوا إلى مرقد أمير المؤمنين ولاذوا بسيد الوصيين، واستغاثوا به إلى الله رب العالمين، وعجوا بالبكاء وضجوا بالدعاء(18).

             وفي جمادى الآخرة من سنة 1222هـ دهمت شراذم غزاة الوهابيين مدينتي النجف وكربلاء مرة أخرى بجيش تعداده عشرون ألف مقاتل، وأراد الغزاة أن يتسلقوا سور النجف، فهب النجفيون وأهل العلم للقتال بقيادة العلماء الأعلام، فانتهت هذه الحملة العنيفة بالفشل أيضًا وعاد الغزاة الأعراب خائبين إلى بلادهم(19).

          وذكر الشيخ محمد حسين حرز الدين هذه الحادثة عن صاحب مفتاح الكرامة قائلا: (وفي هذه السنة أي سنة ألف ومائتين واثنين وعشرين، جاء الخارجي الذي اسمه سعود في جمادى الآخرة من نجد بما يقرب من عشرين ألف مقاتل أو أكثر، فجاءت النذر بأنه يريد أن يدهمنا في النجف الأشرف غيلة، فتحذرنا منه وخرجنا جميعا إلى سور البلد، فأتانا ليلا فرآنا على حذر قد أحطنا بالسور بالبنادق والأطواب، فمضى إلى الحلة فرآهم كذلك، ثم مضى إلى مشهد الحسين(عليه السلام) على حين غفلة نهارا فحاصرهم حصارا شديدا فثبتوا له خلف السور وقتل منهم وقتلوا منه ورجع خائبا، وعاث في العراق، فقتل من قتل، وقد استولى على مكة المشرفة والمدينة المنورة وتعطل الحاج (الحج) ثلاث سنين)(20).

              وفي عام 1223هـ ـ 1808م، عاد سعود مرة أخرى نحو مدينة النجف بجيش كبير يدفعه حقده الدفين ورغبته الملحة للثأر والانتقام من أهالي المدينة والنيل من مقدساتها، وأحاط بمدينة النجف الأشرف، فخرج أهلها يتقدمهم علماء الدين فقاتلوهم من داخل السور دون أن يرهبهم الحصار الشديد الذي فرضه الوهابيون على المدينة، وقد قتل النجفيون الكثير من المهاجمين، مما اضطرهم للتقهقر والانسحاب خائبين(21).

 

  زيارة شعبان:

             لم يترك الأعراب رغبتهم المقيتة بالثأر والانتقام من أهالي المدينة والنيل من مقدساتها، ففي التاسع من شهر رمضان عام 1225 هـ ـ1810م هاجم الوهابيون مدينة النجف الأشرف دون مراعاة لقدسية هذا الشهر العظيم(22)، وينقل الشيخ جعفر محبوبة عن صاحب مفتاح الكرامة تفاصيل هذه الحادثة بقوله:

            (وقد أحاطت الأعراب من عنيزة ـ القائلين بمقالة الوهابي الخارجي ـ بالنجف الأشرف ومشهد الحسين(عليه السلام) وقد قطعوا الطرق، ونهبوا زوار الحسين(عليه السلام) بعد منصرفهم من زيارة النصف من شعبان، وقتلوا منهم جمعاً غفيراً، وأكثر القتلى من العجم و(ربما قيل) إنهم مائة وخمسون (وقيل) أقل، وبقي جملة من زوار العرب في الحلة لم يقدروا على أن يأتوا إلى النجف الاشرف، فبعضهم صام في الحلة وبعضهم مشى إلى مشهد الحسين(عليه السلام) بفرسخين أو أكثر على ما قيل..)(23).

           كما ذكر الشيخ محمد حسين حرز الدين غارة وهابية أخرى على مدينة النجف أثناء ذكره حوادث سنة 1226هـ بقوله: (وفيها جاء عسكر الوهابيين إلى النجف ووقع في أطراف العراق ـ كالحلة وكربلاء ـ البلاء المبين من القتل في الزوار والمترددين، وحرق الزرع، وكان أهل النجف كالمحاصرين)(24).

            كما نقل غارة أخرى للوهابية في أحداث هذه السنة عن الشيخ محمد لائذ النجفي ومفادها: في إحدى غارات الوهابيين على مدينة النجف تحصن الناس على سورها ولم يستطع الوهابيون دخول المدينة، فعرجوا إلى مسجد الكوفة فقتلوا الناس ـ وهم معتكفين فيه للعبادة ـ والمصلين في محاريبهم،

            وفي اليوم التالي هرع جماعة من النجفيين المسلحين إلى مسجد الكوفة، فوجدوا فيه المذبوحين، وقد تمكن أحد أولاد الشيخ محمد رضا النحوي من إنقاذ السيد رضا بن السيد محمد مهدي بحر العلوم، وروى الشيخ محمد طاهر الدزفولي وهو أحد الناجين من المذبحة الوهابية في الكوفة بقوله: إنه فرّ مع السيد رضا بحر العلوم من المسجد، واختبآ في حفيرة كانت بخربة خلف المسجد، والدماء قد صبغت المحاريب(25).

          وبقيت مدينة النجف الاشرف تقارع الوهابيين بصمود وبسالة تحت لواء الإمام الشيخ جعفر الكبير(26)، فقد قاد الجموع المسلحة وأوصلها إلى النصر المؤزر حتى وفاته عام 1228هـ.

 

  بشرى:

              وللسيد أبو الحسن ابن الشاه كوثر النجفي قصيد فائية جميلة يصور فيها ‏ فشل ابن سعود وجيشه في استهداف مدينة النجف جاء فيها(27):‏

     بشرى لمن سكنوا كوفان والنجفا                 وجاوروا المرتضى أعلى الورى شرفا

     مولى مناقبه عن عدّها قصرت                    كل البرايا ولم تعلم لها طرفا

     منها (سعود) كساه الذل خالقه                     ولم يزل بنكال دائم وجفا

     أراد تهديم ما الباري يشيده                        من قبة لسقام العالمين شفا

     وجمّع الجيش من أهل الحجاز ومن               سكان نجد ومن للمؤمنين قفا

     وقد أتى الناس قبل الفجر في صفر               بتاسع الشهر نحو السور قد زحفا

     مقسما جيشه أقسام أربعة                          كل له سائق يعييه إن وقفا

     حتى أتى السور قوم منهم فرقوا                   ففاجؤوا حتفهم في الحال قد صدفا

     وصفّ بالباب قوما مكثرين لها                     من المعاول في حزب قد ارتدفا

     والناس في غفلة حتى إذا انتبهوا                  أعطوا الثبات وباريهم بهم رؤفا

     فهزّموا الجند نصرا من إلههم                     والسوء عنهم بعون الله قد صرفا

     وردّ سلطان نجد ملء أعينه                        حزنا وقد باء بالخسران وانصرفا

     فلا السلالم والأدراج نافعة                          بل ربنا قد كفانا شرها وكفى

     وقد طوى الله وقت الحرب في عجل              لأنه لم يكن ما كان قد وصفا

     ولم ينل غير قتل في جماعته                       والكل في عدد القتلى قد اختلفا

     وكان مذ بانَ نجم الصبح أوله                      ومنتهاه طلوع الفجر حين صفا

     وثم معجزة أخرى لسيدنا                           في ذلك اليوم من بعض الذي سلفا

     قد كان في حجرة للصّحن ما ادّخروا             وجمّعوه من البارود قد جرفا

     أصابه بعض نار ثم برَّدها                         مبرّدٌ نار إبراهيم إذ قذفا

     فلا تخف بعد ما عاينت من عجب                 ولا تكونن ممّن قلبه رجفا

     وقرَّ عينا وطب نفساً فإنك في                      جوار حامي الحمى قد صرت مكتنفا

 

عاقبة السوء :

             توالت الهجمات الإجرامية على المدن المقدسة من قبل ثلاثة من أمراء الوهابية، وكانت عاقبة هؤلاء إلى سوء، حيث قتل الأول وهو عبد العزيز على يد أحد أبناء مدينة كربلاء في عقر داره وبين أبنائه في الدرعية ، ومات ابنه سعود بمرض عضال أبقاه ذليلا طريح الفراش لا يقربه أحد خوفا من العدوى، كما أعدم ولده عبد الله بعد أن أسره الجيش العثماني وبعثه مكبلًا بالسلاسل إلى الأستانة، فقد طلب السلطان العثماني (محمود الثاني) من والي مصر محمد علي باشا بتجهيز حملة عسكرية كبيرة للهجوم على الحجاز واستئصال الخطر الوهابي من جذوره، وقد تمكن بالفعل ولده إبراهيم باشا بعد حروب طاحنة من احتلال الدرعية عام (1818م)، وأسر أميرهم الوهابي (عبد الله بن سعود)(28).

         ومازال أتباع أهل البيت يتذكرون بألم تلك الغارات الوهابية ومحاولات الأعراب الفاشلة لهدم مراقد أئمة أهل البيت(عليهم السلام) والنيل من محبيهم في كل عام، خصوصًا بعد أن أضيفت جريمة أخرى لسجل الجرائم البشعة التي قام بها أتباع ذلك الفكر الضال، لما أقدم زمرة من أتباعهم بتفجير قبة مرقد الإمامين العسكريين في سامراء في الثالث والعشرين من شهر محرم 1427هـ وأتبعها تفجير آخر لمنارتي المرقد الشريف في السابع والعشرين من شهر جمادى الأولى سنة 1428هـ، هذا فضلًا عن جريمتهم السابقة في تهديم قبور الأئمة والصالحين في أرض البقيع.

——————————————————————-

الهوامش:
(1) الدرعية، محمد فهد العيسى، 94.
(2) الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء، العبقات العنبرية، 112.
(3) د. حسن الحكيم، المفصل، 1/398.
(4) تاريخ النجف الأشرف، محمد حسين حرز الدين، 2/382.
(5) ماضي النجف وحاضرها، الشيخ جعفر محبوبة، 1/ 326.
(6) المفصل، د. حسن الحكيم، 1/400.
(7) تاريخ النجف، محمد حسين حرز الدين، 2/384.
(8) ماضي النجف وحاضرها، الشيخ جعفر محبوبة، 1/326.
(9) أعتقد أن أسم (عثمان) هو أسم حركي تنكر به هذا البطل لكي تنطلي الخدعة على أهالي الدرعية، حتى ينال مبتغاه.
(10) العثمانيون وآل سعود، د. زكريا قورشون، 63، الدرعية، محمد بن فهد العيسى، 74.
(11) هو الشيخ جعفر ابن الشيخ خضر ابن الشيخ يحيى بن مطر بن سيف المالكي ‏الجناجي. اشتهر بـ(كاشف الغطاء)، بعد أن ألف كتابه (كشف الغطاء عن مبهمات ‏الشريعة الغراء)، كان له مكانة كبيرة في وسط الحوزة العلمية وقد أطراه العلماء ‏من المعاصرين له والمتأخرين عنه بأحاديث جمة لا يمكن حصرها، وأثنى عليه عدد ‏كبير من الفقهاء والعلماء، وكانوا يسعون من خلال هذا الثناء إلى إيضاح قوّته ‏الفقهية، ومقدرته في التحقيق والتدقيق، مشيرين في الوقت نفسه إلى سائر أبعاد ‏شخصيته وجوانب حياته المتعددة. ينظر ،منهج الرشاد لمن أراد السداد ، الشيخ جعفر كاشف الغطاء، 9.
(12) العبقات العنبرية، كاشف الغطاء،114 ، كما ذكر حرز الدين في حوادث 1217هـ نقل خزائن المرقد العلوي بعد أن أرسل الوزير والي بغداد سليمان باشا أمناء من طرفه إلى مشهد أمير المؤمنين، واحضر الخزينة التي فيها ثمانية وعشرين حمل بغالي من ذهب وفضة وقناديل وتجملات ووضعها في خزينة بلدة الكاظم. ينظر تاريخ النجف، 2/385.
(13) العبقات العنبرية، كاشف الغطاء، 114.
(14) المفصل، د.حسن الحكيم، 1/402.
(15) العبقات العنبرية، كاشف الغطاء، 114ـ115تاريخ النجف، 2/389، المفصل، 1/402.
(16) المفصل، 1/402، تاريخ النجف، 2/393.
(17) العبقات العنبرية، كاشف الغطاء، 115، تاريخ النجف ، 2/387، المفصل، 1/408، ماضي النجف وحاضرها، جعفر محبوبة، 1/327.
(18) المفصل، 1/408.
(19) تاريخ النجف، محمد حسين حرز الدين ، 2/389، المفصل، د.حسن الحكيم، 1/408.
(20) تاريخ النجف، محمد حسين حرز الدين ، 2/389
(21) المفصل، د. حسن الحكيم، 1/418.
(22) تاريخ النجف، محمد حسين حرز الدين ، 2/969، المفصل، د. حسن الحكيم، 1/412، ماضي النجف وحاضرها، جعفر محبوبة، 1/327.
(23) ماضي النجف وحاضرها، محبوبة، 1/328.
(24) تاريخ النجف، محمد حسين حرز الدين، 2/397.
(25) تاريخ النجف، محمد حسين حرز الدين ، 2/399.
(26) أصدر الشيخ جعفر الكبير (قده) سنة 1227هـ كتاب في الجهاد اسماه (غاية المراد في أحكام الجهاد) والمسمى أيضا
بـ( الحسام البتار في قتال الكفار).
(27) انشد هذه القصيدة بعد فشل الحملة الوهابية على مدينة النجف في التاسع من صفر عام 1221هـ ــ 1806م ‏.
(28) المفصل، د. حسن الحكيم، 1/411.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.