Take a fresh look at your lifestyle.

نظرة حول اختراق نهضة مسلم بن عقيل(عليه السلام)

0 251

                     ربما يأسف المتتبع والباحث في الثورة الحسينية ومعطياتها بادئ ذي بدء، للسهولة الكبيرة التي قام بها ابن زياد في عملية اختراق حركة مسلم بن عقيل(عليه السلام) من داخلها، بواسطة مولاه: (معقل)، وكان ذلك عن طريق مسلم بن عوسجة الأسدي(رضي الله عنه).

لم يكن مسلم بن عوسجة(رضي الله عنه) بالشخص العادي؛ بل كان علماً من أعلام الشيعة، وكان لشجاعته صدى كبير في الفتوحات الإسلامية، كما شهد بذلك عدوه شبث بن ربعي حيث يقول: (ثكلتكم أمهاتكم! إنما تقتلون أنفسكم بأيديكم، وتذلون أنفسكم لغيركم. أتفرحون أن يقتل مثل مسلم بن عوسجة؟! أما والذي أسلمت له، لرُب موقف له قد رأيته في المسلمين كريم. لقد رأيته يوم سَلَق آذربيجان قتل ستة من المشركين قبل أن تتامّ خيول المسلمين، أفيقتل منكم مثله وتفرحون؟!)(1).

والذي يخالج أذهان البعض من المتتبعين، أن على مسلم بن عوسجة(رضي الله عنه) أن يأخذ حذره أكثر، وأن يحتاط أشد الاحتياط من كل شخص، فضلاً عن كونه شخصاً غريباً، وكان عليه أن يطمئن أشد الاطمئنان إلى معقل (مولى ابن زياد) قبل أن يأذن له بالدخول على مسلم بن عقيل(عليه السلام)، والذي أدى إلى اختراق تلك النهضة ـ التي كان مسلم(عليه السلام) يزمع بالقيام بها ـ، والقضاء عليها في مهدها ومن داخلها!

بيد أن الذي قد وقع فعلاً لم يكن فيه تقصير من جانب ابن عوسجة(رضي الله عنه)، ولم يتهاون في حذره وحيطته، ولكن معقلاً كان كما وصف: (ماهراً في صناعته، وخبيراً فيما انتُدب إليه)(2)، لكي يخترق حركة مسلم(عليه السلام) من داخلها.

أما بالنسبة إلى سهولة تعرف معقل إلى ابن عوسجة(رضي الله عنه) فلم يكن يحتاج ـ فيما أحسب ـ إلى كثير جهد ومشقة، إذا علمنا أنه(رضي الله عنه) كان معروفًا، وأن معقلاً نفسه قد كشف له سهولة تعرّفه إليه بقوله: (سمعت نفراً يقولون: هذا رجلٌ له علم بأهل هذا البيت، فأتيتك لتقبض هذا المال وتدلني على صاحبك فأبايعه، وإن شئتَ أخذتَ البيعة له قبل لقائه)، في الوقت الذي عبّر له ابن عوسجة(رضي الله عنه) عن استيائه للسرعة في التعرّف إليه حيث قال: (.. ولقد ساءني معرفتك إيّاي بهذا الأمر من قبل أن ينمى مخافة هذا الطاغية وسطوته..)(3).

ولو نظرنا إلى القضية بواقعية أكبر، فإننا سنجد..
أولاً: أن ابن عوسجة(رضي الله عنه) لم يدخل معقلاً على مسلم(عليه السلام) فوراً، بل إنه أخّره أياماً عديدة قبل أن يطلب الإذن له، وكان قد طلب منه أن يجتمع معه في منزله لكي يتعرّف إليه وعلى ملكاته النفسية أكثر حيث قال له فيما قال: (اختلف إليَّ أياماً في منزلي فإني طالبٌ لك الإذن على صاحبك)(4).

ثانياً: إنه لم يدخله على مسلم بن
عقيل(عليه السلام) حتى طلب له الإذن بالدخول، وأُذن له، ومن غير شك ولا شبهة، أن طلب الإذن يتم بعد أن شرح له ابن عوسجة(رضي الله عنه)
ظاهر الحال الذي قام معقل بالتظاهر به، والاطمئنان الذي حصل.

ثالثاً: قال ابن نما(رحمه الله): (ثم إن عبيد الله بن زياد حيث خفي عليه حديث مسلم دعا مولى له يقال له: معقل، فأعطاه أربعة آلاف درهم.. وأمره بحسن التوصّل إلى من يتولّى البيعة وقال: أعلمه أنّك من أهل حمص جئت لهذا الأمر، فلم يزل يتلطف حتى وصل إلى مسلم بن عوسجة الأسدي..)(5). فإن هذا النص يدل فيما يدل، على مهارة ابن زياد اللعين في التجسس، حيث أوصاه

بأن يتظاهر بأنه من أهل حمص بالذات، وكان ذلك لسببين:

الأول: حتى يمنع ابن عوسجة(رضي الله عنه) من إمكانية السؤال عنه، والاستفسار عن حقيقة حاله بين قبائل الكوفة.
الثاني: كون أهل حمص ـ على ما يظهر ـ من المعروفين بحب أهل البيت(عليهم السلام)،

فتكون تلك ذريعة للاطمئنان عند من يتخذه معقل منفذاً لاختراق حركة
مسلم(عليه السلام) من الداخل.

وخلاصة الأمر: أن معقلاً كان قد سار بخطةٍ محكمة، وكان بالفعل متقنًا لدوره المرسوم له، حيث كان بارعا في الكذب، بل أفاقًا، فحضوره اليومي مثلًا مع مسلم بن عقيل(عليه السلام) على الرغم أنه كان شخصًا غريبًا نوعا ما، إلا أنه استطاع أداء الدور بإتقان وخداعهم (إن الكريم إذا خادعته انخدعا)، ولكن لا ننسى أنهم ليسوا أول من اخترق بواسطة الجواسيس، بل إن هذا الأمر من الأمور المألوفة التي اعتادت كل الأنظمة عليها، وأن نتذكر قول أمير المؤمنين علي(عليه السلام): (ما معاوية بأدهى مني، ولكنه يغدر ويفجر).

نشرت في العدد 54


المصادر:
(1) تأريخ الطبري 3: 325، الكامل في التأريخ 3: 290.
(2) حياة الإمام الحسين(عليه السلام) ٢: ٣٢٩.
(3) إبصار العين: ١٠٨-١٠٩، وراجع الإرشاد: ١٨٩، تأريخ الطبري ٣: ٢٨٢.
(4) الإرشاد: ١٨٩.
(5) مثير الأحزان: ٣٢.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.