Take a fresh look at your lifestyle.

ثورة الإمام الحسين(عليه السلام) .. دروس وعبر

0 284
            (كل يوم عاشوراء وكل أرض كربلاء).
           كلمة تعبّر عن حقيقة تاريخية هامة لا مجال فيها للشك والارتياب، كما أنها قابلة للتكرار دوماً في كل واقع وزمان.. وهذا ما أثبته لنا التاريخ. فلقد تحولت ملحمة كربلاء إلى مسيرة ثورية امتدت مع الزمن، كما امتدت إلى آفاق بعيدة أو قل: إنها بالفعل سارت في البعد الزمكاني لتتحدى كل الثورات وتضفي على جسدها حلة حمراء تشير إلى تلك الدماء الزاكيات التي سالت على ثرى الطف لتنبت بذلك شجرة الحرية.
     وللحرية الحمراء باب             بكل يـد مضرجــة يدق
              وذلك لأن لكل شعب أو أمة رموزاً في مختلف مرافق حياتها.. وكل رمز من هذه الرموز يقوم بوظيفة تجميع وتركيز التجربة في المرفق الخاص به. وملحمة كربلاء تحولت إلى رمز للثورة الأصيلة التي جمعت في واقعها كل شروط وعوامل وخصائص الثورة الإسلامية بل هي أساس لكل ثورة حق قبال الباطل،
              لقد استوعبت هذه التجربة كل دروس الرسالة السماوية عبر التاريخ، حتى في غير مجال الثورة فيما يتعلق بسائر مجالات الحياة، والسبب في ذلك بسيط وواضح جداً، وهو أن قلم الصراع هو أفضل قلم يكتب بحبر الدم على لوح الزمن ما لا يمكن للمتغيرات أن تنل منها شيئاً. وحينما يترسخ مبدأ وتتكرس عقيدة تتجذر قيمه بدماء الشهداء في أوج المعركة بين الجاهلية والإسلام، فلابد أن يبقى ذلك المبدأ وتبقى تلك العقيدة راسخة شامخة دائماً وأبد الدهر.
            وكربلاء ليست مدرسة للبطولة الثورية والجهاد الميداني فحسب وإنما هي أيضاً مدرسة لبطولة الإنسان حينما يخرج من ذاته، من شح نفسه من حدوده الضيقة ليملأ الدنيا شجاعة وبطولة فهي في الواقع قد حملت معنى المفهومين الجهاد الأكبر والأصغر… كربلاء مدرسة الوفاء، مدرسة التبتل والضراع، مدرسة الحب والتضحية، مدرسة العلم والتقوى،مدرسة التوبة والمغفرة فضلاً عن كونها مدرسة الجهاد والاستشهاد.
           وبالتالي فان كربلاء رمز لكل ملحمة.. وبذلك أصبحت مسيرة خالدة وشمساً تسطع بنورها الوهاج لتهب الحياة للجميع. إذ أننا حينما نجدد ذكرى الإمام الحسين(عليه السلام) وأهل بيته وأصحابه المستشهدين في أرض كربلاء في سنة (61هـ)، فإننا نتذكر أيضاً ملحمة مسلم بن عقيل في الكوفة، وملحمة الحسين الشهيد، صاحب فخ بين مكة والمدينة، وجهاد الأبطال من أبناء الإمام الحسين(عليه السلام)، وأبناء زيد بن علي بن الحسين(عليهم السلام)، وبالتالي فإننا نتذكر مكابدة كل الثائرين عبر تاريخنا المليء بدم الثوار، والمضوّع بأجساد شهدائنا الطاهرة.
           من هنا أصبحت [كل أرض كربلاء] و[كل يوم عاشوراء]، لأن عجلة كربلاء طوت بعدي الزمان والمكان كما ذكرنا. وتعظيمنا نحن الأمة الإسلامية الثورية وتقديرنا وتكريمنا لهذه الملحمة، إنما هو تكريم لكل ثورة رسالية أصيلة، ولكل دم زكي طاهر أريق في أية ثورة بل إن من الأصح أن نقول ” كربلاء هي التي تكرمنا إن ذكرناها وهي التي تخلدنا قبل أن نخلدها“. وإذا ما أردنا أن نتكلم عن شيء من فلسفة البكاء على الإمام الحسين(عليه السلام) وهو أمر أكدت عليه الشريعة المحمدية والسنة النبوية المقدسة وما البكاء على الإمام الحسين(عليه السلام) بوسيلة للعجز.
            كما أن حزننا لا يعد يأساً وأداة للانطواء إنما هو أمل يفتح لنا الطريق واسعاً، ويسد أمامنا أبواب الخزي والتخاذل والغرور والخداع الذاتي..
          إن بكاءنا تنديد بالظلم، وعويلنا وصراخنا إنما هو صراخ الضمير الحر والحي النابض في وجدان أمنتا، وصراخ النفس الأبية ضد العبودية والطغيان. وبالتالي هو ثورة بحد ذاته على الفساد المنتشر في أنحاء الارض..
           وتكريمنا للشهداء معراجنا إلى ذلك المستوى الأسمى الذي بلغه هؤلاء الأبرار. إنهم مدرّسونا، فنتعلم منهم كيف ننتصر على ذواتنا، ونصل إلى مستوى آبائنا وأسلافنا الذين ذهبوا شهداء في طريق الحق. وإليك عزيزي القارئ قسماً من دروس عاشوراء وإلا فالإحاطة بكل ذلك أمر متعسرللغاية لقصور العقل بأن يدرك كل أبعاد الثورة ومعطياتها.

  أولاً: خط الثورة ومقارعة النظام الفاسد:

             خط الثورة كان أبداً قاطرة التقدم للأمم، وطريقاً لتبديد سبات الإنسان، وخروجاً عن الجمود، وانطلاقاً نحو بناء المستقبل، بينما كان خط الأنظمة الفاسدة خطاً مضاداً لهذه الحركة التقدمية عبر التاريخ، ومن هنا فإن هناك ثقافتين تتراوحان في الحركة الاجتماعية..
              ثقافة الأنظمة التي تتمحور حول شرعية المؤسسات الجامدة الرجعية القائمة، وثقافة الشعوب.. ثقافة الثورة التي تعطي الشرعية لبناء المستقبل. وعاشوراء في تاريخنا الإسلامي تؤكد شرعية الثورة، وتعطينا بداية للعمل الثوري كون الحق لا يبتدأ مرحلته بالاستسلام والصمت ، والذل والخنوع، وانما يبدأ بالرفض. انظر إلى كلمة التوحيد فإنها تبدأ بحرف [لا]إذ إنها تطهر القلب من الشرك لكي يستعد فيما بعد لأن يستلهم الفيوضات الإلهية والرحمات الربانية. وحينما نقول:
              (لا إله إلا الله). إن هذه العبارة التي تجسد تكريساً للرسالات السماوية، فكل الأنبياء(عليهم السلام) بعثوا لكي يكرسوا خط الحنفية البيضاء. أي: الرفض لكل ما هو شرك وفساد وانحراف، وخط الرفض هذا الذي انبعث في الأمة الإسلامية كان موجهاً ضد الخارج، أي ضد من سموا بالكفار والمشركين والجاهلين، لأن حركة الفتح الإسلامي المتصاعدة منذ بداية الهجرة تقريباً وحتى سنة (61هـ) والتي كانت تتلاطم كأمواج البحر تتوسع في سرعة هائلة، وجهت رفض الأمة وتمرد الجماهير وثورة الشعب ضد الفساد الاجنبي في الارض، ولذلك كانت كل البطولات التي سجلت في تاريخنا الإسلامي قبل ملحمة كربلاء موجهة لأعداء الأمة الخارجيين، وليس ضد الانحراف الداخلي الذي كان ينخر في أعماق الأمة الإسلامية،
               وفي نفس الوقت كانت النفوس الأبية والروح المتعطشة للشهادة والقلوب الملتهبة إيماناً وحماساً من أجل الدين، كانت تترك داخل البلاد وتتوجه إلى الفتوحات الإسلامية خارجها حتى أصبح المثل الأعلى للشهيد هو أن يقتل في حدود الأمة الإسلامية، أما داخل الدولة فكانت عربدات معاوية ومفاسد يزيد، وجرائم زياد وابن زياد، وتحريفات سمرة بن جندب، ومن أشبه هي الرائجة، وبلغ الانحراف الذروة داخل كيان الأمة الإسلامية العملاق حتى يكاد يسقط بسبب تلك الأرضة التي كانت تنخر في العصى التي تعتمد وتتكئ عليها الأمة لولا ملحمة الإمام الحسين(عليه السلام) وشرعية الثورة.
           بلى لولا سيد الشهداء الإمام الحسين بن علي(عليهما السلام) والذي بعث من وادي كربلاء صرخة دوت عبر التاريخ الإسلامي، وصنعت بطولة من نوع جديد جسدت فلسفة الشهادة وروح الرسالة وحماس التضحية من أجل الله في الثورة التحررية داخل الأمة الإسلامية في مقاومة الانحراف الداخلي. وبالتالي حافظت على عمق هذه الشجرة.
            لذلك لو قيل إن شجرة الإسلام قد سقيت بدم الحسين بن علي(عليهما السلام)، فان ذلك ليس جزافاً، فلولا هذا الدم لما قام للإسلام عود، وبيد أن الشجرة قد نمت بدماء الشهداء الأولين كجعفر بن أبي طالب وحمزة سيد الشهداء في عصرهم، إلا أن أرضة الفساد في هذه الأمة كاد يؤدي بهذه الشجرة إلى السقوط، فجاء دم الإمام الحسين(عليه السلام) ليصحح هذا الخلل ويقطع شجرة الفساد من الاصل ويحل بدلها شجرة الاصلاح والفلاح ماؤها دماء الحسين(عليه السلام) وأهل بيته وأصحابه.

   ملحمة كربلاء رمز البطولة

             من هنا جاءت ملحمة كربلاء لتقسم البطولة إلى قسمين:

  النوع الأول: البطولة في الدفاع عن الثغور:

           الدفاع عن الأمة الإسلامية خارجياً حيث صبغت البطولات الافق بالدم لتحرر البشرية من نير الاستعباد وتدافع عن نبتة الإسلام الوليدة، وكانت هذه التضحيات تقع على تخوم ومشارف وثغور الدولة الإسلامية.

  النوع الثاني: بطولة التصحيح الداخلي:

            التضحية لزرع الثقافة الرسالية الثورية في العمق الإسلامي. فبطولة من أجل تحرير الآخرين. وبطولة أخرى من أجل حرية الأمة الإسلامية ذاتها.
           ومن هنا نستطيع أن نؤكد بأن ملحمة كربلاء أعطت شرعية للثورة ولبطولاتها وللشهادة من أجلها. وبعد كربلاء وجدنا بأن كل الحركات التحررية بلا استثناء من الخوارج إلى حركة الزيدية، إلى حركة الإسماعيلية وإلى حركة القرامطة وإلى كل الحركات داخل الأمة الإسلامية كانت تحاول أن ترتبط بخيط يمدها إلى كربلاء. وأن تستلهم من معركة الإمام الحسين(عليه السلام) دروسها. وأن تغذي أبناءها بروح البطولة المنبعثة من وادي كربلاء، هكذا كانت ثورة الإمام الحسين تمتاز بصفة العطاء وهكذا أصبحت مسيرة ثورية أخترقت حاجزالزمان والمكان.

   ثانياً: حضارة الأمة والضغط الخارجي:

            على طول تاريخ الأمة الإسلامية التي دخلت الآن في السنة الثامنة بعد الاربعمائة والالف من بداية انطلاقها بعد الهجرة، على طول هذه الحقبة الزمنية تعرضت أمتنا لضغوط حضارية شديدة جداً كادت تذوب بسببها.
            إن هذه الضغوط الحضارية لم تكن خطيرة في الجانب العسكري، لان أمتنا قد تحصنت منذ البدء بفلسفة الشهادة التي لا يخشى عليها من الذوبان العسكري، ولم تكن اقتصادية الاتجاه، لان أمتنا لم تعتمد على محور المال والثروة والاقتصاد. بل تمحورت حول قيمة الحق. لذلك لم تكن الضغوط الاقتصادية قادرة على تذويب أمتنا عبر التاريخ، ولم تكن الضغوط الاجتماعية كذلك، لأن أمتنا تدرعت بدرع حصين من الروابط الاجتماعية المتينة. بل كانت تلك الضغوط ثقافية، الثقافة التي تتسرب كالماء تدخل في عمق القواعد الارضية للامة، وتفسد جماهيرها ثقافياً وفكرياً بطريقة أو بأخرى. هذا الضغط كان أشد خطراً من ألف سيف بل مائة ألف سيف بل مليون سيف وعلنا نطلق على ذلك بالغزو الثقافي.
             إذن كيف نحافظ على أمتنا من خطر هذا الغزو عبر التايخ. والجواب على ما نعتقد هو مجالس الذكر.
            لا ريب أن العلماء الأمناء على حلال الله وحرامه هم أول من حافظ على هذه الثقافة، وأول من ضحى من أجلها. فحينما كانت ورقة الكتاب تهمة تكفي لإعدام كاتبها، وحينما كانت الدنيا تضيق بأهل العلم الحقيقيين ولا تزال. حينئذ كان المنبر الحسيني وجلسات الذكر ومواكب العزاء كلها أداة لتمد الجماهير بثقافة رسالية حية صافية نقية بعيدة عن الرواسب الجاهلية وعن الافكار المستوردة.
            وحينما دخلت ملحمة عاشوراء وعي الأمة الإسلامية، فإننا لم نكن نخشى من انهيار ثقافي لأن عاشوراء ركيزة ثقافية قوية تركزت في عمق الإنسان المسلم كون كل إنسان مسلم لاسيما الفرد الرسالي يعيش في قلبه خريطة مصغرة لكربلاء ومنذ نعومة أظفاره. ويحمل في قلبه شخصية الإمام الحسين(عليه السلام) وأهل بيته وحتى ذلك الطفل الرضيع الذي أعدم رمياً بالسهام في أرض كربلاء بعد أن ذاق الأمرين من العطش والحر، إنه هو الآخر يعيش مثلاً للبراءة.. ومثلاً للبطولة في قلب كل إنسان مسلم بل تعدى الامر إلى من يدين بغير الإسلام
             فهذا غاندي يؤكد في أقواله على أنه لم ينتصر إلا بالحسين(عليه السلام) وقد يتعدى ذلك أيضاً لأن يتأسى بالحسين(عليه السلام) من لا دين له فينتفض في داخله ولعله يصحح مساره فثورة الإمام الحسين(عليه السلام) لم تكن تختص بفئة دون أخرى أو بزمان دون آخر كما تقدم، ومن هنا أصبح المنبر الحسيني وما يرافقه من وسائل اعلامية – واستخدم هنا كلمة المنبر بمفهومه الشامل – أصبح درعاً للامة الإسلامية من الهجمات الثقافية الخطيرة ولا يزال. ولابد لنا أن نستلهم حقيقة مفادها “الشعائر الحسينية وبكل مسمياتها هي الشريان النابض لجسد الأمة وحصنها المنيع من أن تتأثر بما اسميناه بالغزو الثقافي”.

   ثالثاً: الثورة انتفاضة إنسانية وحقيقة تاريخية:

             إن قيمة كربلاء وملحمتها الثورية ليست فقط في إنها كانت ثورة، بل لانها ثورة في ثورة، وتغيير وتصحيح لمسار الثورات وحركات التغيير، انظروا إلى التاريخ الإسلامي لتجدوا كم من ثورة انحرفت إلى فوضى، وكم من ثورة تحولت إلى حزبية ضيقة، وإلى ديكتاتورية ارهابية، وكم من ثورة نسيت أهدافها وتحولت إلى ثورة مضادة حينما وصلت إلى السلطة.

 

   ضمانات استقامة الثورة

  أولاً: الابتعاد عن الأهداف الدنيوية:

             لو قلبنا صفحات التاريخ وقرأنا عن القرامطة في العالم الإسلامي لتبين لنا أنهم كانوا ثوريين، لكن ثورتهم انطلقت من دوافع الثأر والانتقام والبغضاء والحقد، ولكن انظروا إلى الإمام الحسين(عليه السلام) كيف يعلمنا دروس الثورة، ففي صورة من صور كربلاء يبكي الإمام الحسين(عليه السلام) بكاءً عالياً وينشج بصوت رفيع، فيسأله أحد أصحابه، يابن رسول الله لماذا تبكي هذا البكاء العالي وأنت الحسين بن علي البطل الشجاع الذي خططت من أجل أن تستشهد في سبيل الله؟قال: نعم ليس بكائي لنفسي ولا لأهل بيتي، وليس لهؤلاء القتلى من حولي. وإنما بكائي لأجل هؤلاء القوم الذين سيدخلون النار بسببي!!
             كان يبكي لأعدائه، ويحاول قدر جهده أن ينصحهم ويهديهم طريق السبيل والرشاد، وكان من أجلهم يحارب، ولو تسنى للحسين(عليه السلام) أن ينتصر لفعل بهم ما وعد والده الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام) أن يفعل بمن أراد قتله وهو (ابن ملجم) قال: إذا أنا شفيت من هذه الضربة فسوف أعفو عنك. الثورة يجب أن تكون بعيدة عن الحقد الأسود، وإلا فإنها تتحول إلى ثورة مضادة، لأن الثورة يجب أن تقوم على منهج الله الحكيم، وإلا ستصبح شركاً!! الثورة يجب أن تكون من أجل الله لا من أجل الذات ولا من أجل الشهوات.

  ثانياً: التزام الهدف الأخروي:

             الإمام الحسين(عليه السلام) سار وهو يعلم أنه سيقتل، فإن ثورته لم تكن طلباً للمنصب. ولا بحثاً عن سلطان ولا من أجل العلو في الأرض، وهو الذي كان يكرر قوله تعالى: (تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)، بل خرج الإمام الحسين(عليه السلام) من مكة المكرمة إلى أرض كربلاء وهو يقول ويكرر قوله “ما خرجت أشراً ولا بطراً ولكنما خرجت طلباً للإصلاح في أمة جدي“.

  رابعاً: الثقافة الرسالية قاعدة الثورة:

             إن الثقافة الرسالية التي حاول الإمام الحسين(عليه السلام) وسعى من أجل بثها في الأمة الإسلامية عشر سنوات قبل قيامه عليه الصلاة والسلام بثورته المباركة. كانت القاعدة التي يجب أن تنبعث منها الثورة. ولو انبعثت من غيره هذه الثقافة الرسالية لتعرضت لانحرافات ونكسات خطيرة.
              ومن هنا تجد في خطب الإمام الحسين(عليه السلام) وأدعيته يوم عاشوراء ـ قد كررها أكثر من خمس مرات ـ أنه لم يكن يتحدث عن القضايا السياسية فحسب، وإنما كان يركز على القضايا الايدلوجية، وعن التوحيد، وعن الاتصال بالله سبحانه وتعالى.. لأن هذا هو الأساس وهذا هو الهدف.

  خامساً: عاشوراء وتجديد الذكر:

             إننا يجب أن نحيي ذكر الإمام الحسين(عليه السلام)، لأن أية أمة اذا أرادت النجاح والانتصار، فلابد أن تحضر في تاريخها، وأن يكون تاريخها حاضراً في واقعها. يحب أن نكون نحن في تاريخنا، لنكتب بروح عصرنا بمشاكلنا وبأوضاعنا وبتطلعاتنا السامية، وبمعنى نكتب من جديد، ونكتب حياتنا به. لذلك نحيي ذكر الإمام الحسين(عليه السلام) لتكون نوراً على مر كل السنين، ولتكون بطولاته نبراساً مضيئاً ولتكون حياتنا ـ اليوم ـ ومشاكلنا طريقاً لفهم ثورة الإمام الحسين(عليه السلام) وحياته وثورته.
              إنك لا تستطيع أن تفهم ثورة الإمام الحسين(عليه السلام) إلا بعد أن تفهم شبكات المؤامرات التي أحاطت اليوم بنا، لأن هذه الظروف هي التي توضح لنا كيف قام الإمام الحسين(عليه السلام)، كما أننا لا نستطيع أن نكسر الطوق المحيط بنا إلا إذا عرفنا كيف نستطيع تجديد وأعادة ملحمة كربلاء إلى واقعنا..
             نحن اليوم في عالمنا الإسلامي وبالذات في العراق نحتاج إلى ملحمة من نوع ملحمة كربلاء، وإلا فإن هذا الإرهاب ووسائل القوى الوحشية ستنال من ثورة هذا الشعب. إن شياطين الأرض تجتمع ـ الآن ـ من أجل محاصرة الرسالة الإسلامية، ومن أجل تصفية الحركات الإسلامية. هذه الحركات المستضعفة النابعة من وضع اقتصادي، ثقافي، اجتماعي، سياسي، عسكري.. متخلف، فكيف يمكن لهذه الحركات أن تنتصر على تلك المؤامرات، وتلك الشبكة الواسعة من الخطط الاستعمارية؟
             والجواب إنها تستطيع الانتصار فقط بالطريقة الحسينية.السبيل الوحيد للتخلص من قبضات الكبت والإرهاب الوحشية، إنما يتسنى بتفجير ثورة دائمة.. هي الثورة الحسينية.. ولذا ضحى اثنان وسبعون إنسان على تقدير كتاب التاريخ والسير من أجل بقاء الملايين من البشر ليرسموا لهم كيفية العيش بحرية.
               ووصيتي لكل ذي لب سواء كان من الخطباء أو القراء في الأماكن الحسينية في كل مكان ليتخذوا ويتخذ أصحاب المجالس، بل أقول لتتخذ الأمهات الحواضن في البيوت والآباء والأخوات من قضية الإمام الحسين(عليه السلام) منبراً ومنطلقاً لتعميق جذور الثورة في النفوس إن الحديث عن عاشوراء حديث ذو شجون وذو أبعاد مختلفة نتناول منه ما يكون أنفع وأحسن دواء لمشاكلنا، ولأمراضنا وبعد كل ما قيل نستطيع أن نصل إلى حقيقة مفادها ” الثورة الحسينية كتربة الإمام الحسين(عليه السلام) دواء لكل داء”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.