Take a fresh look at your lifestyle.

رسالة الحسين (ع) إلى البصرة .. رؤية تاريخية

0 620
            لما تهيأت الظروف المناسبة لقيام الإمام الحسين(عليه السلام) بنهضته المباركة، بدأ(عليه السلام) بتحشيد الرأي العام وتعبئة الطاقات في الحواضر الإسلامية للمشاركة الفعالة في تصحيح الواقع الذي كانت تعيشه الأمة آنذاك، فلم يأل(عليه السلام) جهداً في دعوة الناس والتعريف بمضمون النهضة وهدفها السامي، وقد تنوعت صور هذا الجهد فتارة نراه(عليه السلام) يلتزم منهج الخطاب المباشر مع من يفد إليه أو حينما تحين فرصة لقاء له مع عموم الناس، وأخرى نراه يلتزم أسلوب المراسلة للتواصل مع الآخرين.
            وكانت البصرة البلد الوحيد الذي راسله سيد الشهداء(عليه السلام)، من تلقاء نفسه دون أن يكتب أهلها إليه، عكس الكوفة التي راسله أهلها طالبين منه صراحة السير إليهم.
            لنحاول الإجابة عن السبب الذي حدا بالحسين(عليه السلام) أن يراسل البصريين ويطلب منهم النصرة، لماذا البصرة بالذات وواقعة الجمل لا زالت تلقي بظلالها على المجتمع البصري الذي ألف العداء لعلي وآل بيته(عليهم السلام)؟ حتى عُدّ مجتمعاً عثماني الهوى والميل، ما الذي كان(عليه السلام) يتوقعه من رد على رسالته، هل يستجيب البصريون لطلبه، أم أنه(عليه السلام) أرسل رسالته لشيعة البصرة حصراً دون الآخرين؟.
          لابد لنا من معرفة نص الرسالة التي بعث بها الحسين(عليه السلام) لتكون مداراً للبحث وسوف نورد هنا نصين أولهما نقله الطبري في تاريخه، والنص الثاني نقله الشيخ ابن نما في مقتله (مثير الأحزان) والسيد ابن طاووس في (اللهوف).

 

  النص الأول:

            (كتب حسين مع مولى لهم يقال له سليمان وكتب بنسخة إلى رؤوس الأخماس بالبصرة وإلى الأشراف فكتب إلى مالك بن مسمع البكري وإلى الأحنف بن قيس وإلى المنذر بن الجارود وإلى مسعود بن عمرو وإلى قيس بن الهيثم وإلى عمرو بن عبيد الله بن معمر فجاءت منه نسخة واحدة إلى جميع أشرافها ..
            أما بعد : فإن الله اصطفى محمداً صلى الله عليه وسلم على خلقه وأكرمه بنبوته واختاره لرسالته ثم قبضه الله إليه وقد نصح لعباده وبلغ ما أرسل به صلى الله عليه وسلم وكنا أهله وأولياءه وأوصياءه وورثته وأحق الناس بمقامه في الناس فاستأثر علينا قومنا بذلك فرضينا وكرهنا الفرقة وأحببنا العافية ونحن نعلم أنا أحق بذلك الحق المستحق علينا ممن تولاه وقد أحسنوا وأصلحوا وتحروا الحق فرحمهم الله وغفر لنا ولهم وقد بعثت رسولي إليكم بهذا الكتاب وأنا أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم فإن السنة قد أميتت وإن البدعة قد أحييت وإن تسمعوا قولي وتطيعوا أمري أهدكم سبيل الرشاد والسلام عليكم ورحمة الله.
            فكل من قرأ ذلك الكتاب من أشراف الناس كتمه غير المنذر بن الجارود فإنه خشي بزعمه أن يكون دسيساً من قبل عبيد الله فجاءه بالرسول من العشية التي يريد صبيحتها أن يسبق إلى الكوفة وأقرأه كتابه فقدم الرسول فضرب عنقه)(1).

 

   النص الثاني:

            (وكتب عليه السلام إلى وجوه البصرة منهم الأحنف بن قيس وقيس بن الهيثم والمنذر بن الجارود العبدي ويزيد بن مسعود النهشلي وبعث الكتاب مع ذراع السدوسي وقيل مع سليمان المكنى بأبي رزين , فيه:
           (إني أدعوكم إلى الله وإلى نبيه فإن السنة قد أميتت، وإن البدعة قد أحييت، فإن تجيبوا دعوتي، وتطيعوا أمري أهدكم سبيل الرشاد) فلما وصل الكتاب كتموا على الرسول إلا المنذر بن الجارود فإنه أتى عبيد الله بالكتاب ورسول الحسين لأنه خاف أن يكون الكتاب قد دسّه عبيد الله فلما قرأ الكتاب ضرب عنق الرسول, وأما الأحنف بن قيس فإنه كتب إلى الحسين عليه السلام: أما بعد فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنّك الذين لا يوقنون)(2).
        عند المقارنة بين النصين نلاحظ :

  أولاً: وجوه التشابه:

      رسول الحسين في كلا النصين هو سليمان المكنى بأبي رزين وإن قدم ابن نما شخصاً يدعى (ذراع السدوسي) على أن نص الطبري ذكر (مع مولى لهم) فهل كان سليمان ـ رسول الحسين ـ من موالي بني هاشم؟ وقد اتحدت الروايتان في ذكر نهاية هذا الرسول المأساوية.
     2ـ تشابهت الروايتان في ذكر الأحنف بن قيس والمنذر بن الجارود وقيس بن الهيثم فقط.
    نص الرسالة في رواية ابن نما نص قصير فأما أن يكون قد اختصره والصحيح ما نقله الطبري، أو تكون طبيعة النص هكذا لأنه نص رسالة مستعجلة مختصرة تركز على طبيعة الوضع القائم ولا تحفل بالمواضيع الثانوية وبذا فقد يكون نص الطبري طرأت عليه إضافة، والنص المشترك بين النصين هو:
             (إني أدعوكم إلى الله وإلى نبيه فإن السنة قد أميتت، فإن تجيبوا دعوتي، وتطيعوا أمري أهدكم سبيل الرشاد) يبين فيه الحسين(عليه السلام) دعوة عامة مطلقة إلى ما يرضي الله فلم نره(عليه السلام) يدعوهم علانية للالتحاق به وإنما جاءت دعوة مفتوحة يستشف الذي يقرأ الرسالة بين ثناياه عن هذه الدعوة.

  ثانياً: أوجه الاختلاف:

      ذكرت رواية ابن نما وجوه أهل البصرة، بينما ذكرت رواية الطبري رؤوس الأخماس بالبصرة والأشراف، حيث ذكر الطبري إضافة للمتقدمين في وجه التشابه كل من مالك بن مسمع البكري ومسعود بن عمرو وعمرو بن عبيد الله بن معمر، بينما جعل ابن نما يزيد بن مسعود النهشلي محل الثلاثة.
    إضافة الطبري على نص ابن نما وهي: (أما بعد فإن الله اصطفى محمداً صلى الله عليه وسلم على خلقه وأكرمه بنبوته واختاره لرسالته ثم قبضه الله إليه وقد نصح لعباده وبلغ ما أرسل به صلى الله عليه و سلم وكنا أهله وأولياءه وأوصياءه وورثته وأحق الناس بمقامه في الناس فاستأثر علينا قومنا بذلك فرضينا وكرهنا الفرقة وأحببنا العافية ونحن نعلم أنا أحق بذلك الحق المستحق علينا ممن تولاه وقد أحسنوا وأصلحوا وتحروا الحق فرحمهم الله وغفر لنا ولهم)
  المتأمل في نص الطبري يجد :
    أ ـ إشارة الإمام الحسين(عليه السلام) إلى أحقية أهل البيت(عليهم السلام) في الخلافة بعد وفاة الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله).
    ب ـ ترضيه(عليه السلام) على القوم الذين ابتزوا منهم حقهم وإن علم(عليه السلام) بإن أهل بيته أحق منهم وذلك منعاً للفرقة وحباً للعافية.
    ج ـ ترحمه عليهم فقد أحسنوا وأصلحوا وتحروا الحق.
            ولعل الطبري زج هذه الزيادة ـ إن صحت ـ للتأكيد على الاستنتاجين الأخيرين، حيث أراد إظهار كون الإمام راضياً عما فعلوه الأوائل، محباً لجمع الكلمة جانحاً إلى العافية والواقع عكس ذلك بالإمام ندد لأكثر من مرة بمواقف الصحابة الذين حادوا عن الصواب وأقصوا أصحاب الحق عن حقهم، ثم بين الطبري أن الإمام(عليه السلام) رأى بعد أن استقامت لهم الخلافة، أحسنوا الصنع وأصلحوا الشأن وتحروا عن الحق فعملوا به وليس لنا على هذا الكلام تعليق بل نتركه لمن يتحرى في كتب التاريخ وسيكشف صحة قول الطبري من عدمها.

  أسباب إرسال الإمام (عليه السلام) الرسالة

             يعزي الباحث الشيخ محمد الهنداوي قيام الإمام الحسين(عليه السلام) بمراسلة البصريين للأمور التالية(3):
   1ـ إن البصرة هي ثاني اكبر مدن العراق، فإذا قيل العراقان، قصد: الكوفة والبصرة، وعليه فإن الإمام(عليه السلام) أراد أن يكسب موقف البصريين لصالحه، باعتبارهم كثافة بشرية ونوعية، وبالتالي سيكون لهم تأثير في عملية الصراع.
    إن البصرة قريبة من الكوفة بالقياس مع بقية المدن، فهي اقرب من اليمن ومصر والحجاز، وكذلك كان الإمام(عليه السلام) يريد أن يسبق الأحداث، إذ لو نجحت ثورته في الكوفة فإنه لن يفاجأ بمناصرة البصرة لأعدائه مستقبلاً.
    لا ننسى إن في البصرة شيعة كثيرون.
            أما الباحث الشيخ نجم الدين الطبسي فيبين علة مبادرة الإمام الحسين في الكتابة إلى أشراف البصرة ورؤسائها قائلاً(4):
           (لا يشك مطلع على التاريخ الإسلامي بالأهمية الخاصة التي كانت تتمتع بها كل من ولايتي الكوفة والبصرة وأثرهما البالغ على حركة أحداث العالم الإسلامي آنذاك، خصوصاً وأن هاتين الولايتين المهمتين لم تنغلقا لصالح الحكم الأموي كما انغلق الشام تماماً لصالحه آنذاك، فمحبو أهل البيت(عليهم السلام) وشيعتهم في كل من هاتين الولايتين برغم الإرهاب والقمع الأموي كانت لهم اجتماعاتهم ومنتدياتهم السرية وتطلعاتهم إلى يوم الخلاص من كابوس الحكم الأموي.
          نعم هناك فارق واضح بين الكوفة والبصرة من حيث تاريخ كل منهما في نصرة أمير المؤمنين(عليه السلام) ومن حيث عدد الشيعة في كل منهما ومن حيث درجة تحفزهم للتحرك ضد الحكم الأموي ويضاف إلى ذلك إن البصرة آنذاك كانت تحت سيطرة والٍ قوي وإرهابي مستبد هو عبيد الله بن زياد الذي كان قد هيمن على إدارة أمورها وأحكم الرقابة الشديدة على أهلها في وقت كانت الكوفة قد تراخت أزمة أمورها بيد والٍ ضعيف يميل إلى العافية والسلامة هو النعمان بن بشير، فكان الشيعة في الكوفة أقدر على الحركة والفعل من الشيعة في البصرة عموماً، مما قد يفسر مبادرة أهل الكوفة وبهذا الكم الكثير إلى المبادرة في الكتابة إلى الإمام(عليه السلام) ودعوته إليهم، في وقت لم تصل إلى الإمام(عليه السلام) رسالة من أهل البصرة يدعونه فيها إليهم أو يظهرون فيها استعدادهم لنصرته.
           فبادر الإمام(عليه السلام) إلى الكتابة إلى أهل البصرة عن طريق أشرافها ورؤساء الأخماس فيها، لأن أهلها ـ عد خلص الشيعة منهم ـ لا يتجاوزون أشرافهم في اتخاذ موقف وقرار، فكان لا بد من مخاطبتهم عن طريق أشرافهم ورؤساء الأخماس، وإن كان بعض هؤلاء ممن يميل إلى بني أمية، وبعضهم ممن لا يؤتمن، وبعضهم ممن لا تتسق مواقفه باتجاه واحد.
           ولعل الإمام(عليه السلام) أراد الحجة على الجميع، مع ما قد تثمره رسالته من صدّ المتردد من الأشراف ورؤساء الأخماس عن الانضمام إلى أي فعل مضاد لحركة الإمام(عليه السلام)، وما تثمره هذه الرسالة أيضاً من إعلام البصريين الراغبين في نصرته بأمر نهضته وتعبئتهم لذلك من خلال أشرافهم الموالين لأهل البيت(عليهم السلام) كمثل يزيد بن مسعود النهشلي وأمثاله).
            على إن الباحث محمد الأسدي بيّن في معرض رده على السؤال الذي طرحه : لماذا كتب الإمام الحسين(عليه السلام) إلى أشراف البصرة ولم يكتب إلى أهل اليمن أو غيرها من البلدان؟ قائلاً(5):
            (السبب الراجح عندنا هو إن البصرة باعتبار جوارها الجغرافي ووقوعها ضمن الخارطة السياسية للعراق يومذاك كان يعنيها ما سيجري في الكوفة وأن موقفها سيكون ذا تأثير سلبي أو إيجابي على مسيرة الأحداث، كما أن فيها بقايا من الشيعة وإن كانوا أقل حركة وأقل معارضة من شيعة الكوفة، فالغالب على شيعة البصرة كما يبدو أنهم كانوا أكثر استتاراً من شيعة الكوفة، حتى أن بعض مبرزيهم صاروا من المقربين لزياد بن أبيه ولابنه عبيد الله مثل الأحنف بن قيس وشريك بن الأعور والمنذر بن الجارود الذي تزوج عبيد الله بن زياد ابنته هند.
           ولقد كان الإمام الحسين(عليه السلام) يأمل في أن يحرك كتابه إليهم العزيمة على النهضة والاندفاع لنصرته، ولكن الذي حصل هو إن المنذر بن الجارود وشى بالرسول القادم بكتاب الإمام الحسين(عليه السلام) خشية أن يكون على حد زعمه مدسوساً عليه من قبل عبيد الله بن زياد، فقام هذا الأخير بقتل الرسول والتهيؤ للحركة نحو الكوفة).

   هل أتت رسالة الحسين(عليه السلام) إلى البصريين ثمارها؟

           أهم ثمرة من ثمرات رسالة الحسين(عليه السلام) فيما أخال هي الحالة التي خلقتها في جو البصرة حيث لاقت هذه الرسالة وبالرغم من التكتم الإعلامي الشديد الذي أحيط بها من قبل المخاطبين بها إلا أنها أخذت صدىً واسعاً خصوصاً في الأوساط الشيعية في حين يعزو الأستاذ محمد الأسدي السبب إلى:
            (…أن خبر الكتاب قد شاع في البصرة سواء بسبب قتل الرسول أو بسبب آخر، ولا نشك أن عبيد الله بن زياد قد اتخذ تدابير مشددة من أجل مواجهة أي حركة ومثل هذه التدابير قد تكون سبباً في إشاعة الخبر)(6).
   كما أثمرت هذه الرسالة عما يلي:
   1ـ تحرك الشيعة من البصريين استجابة لرسالة الحسين(عليه السلام)، فقد اورد المؤرخون نصاً بيّنوا فيه اجتماعهم في دار امرأة من عبد القيس يقال لها مارية بنت سعد او منقذ حيث أعدوا العدة واحكموا الرأي في نصرة الحسين(عليه السلام) إلا أن السبل قد انقطعت بهم وكانوا قد خططوا للإنضمام مع الحسين(عليه السلام) في اثناء الطريق إلى الكوفة.
   2ـ ظهور مسعود بن يزيد النهشلي –حسب رواية ابن نما وابن طاووس- وقد دعا عشيرته وطلب منهم نصرة الحسين(عليه السلام) ولما استجاب له ثلة منهم خرج معهم لكنه سمع بمقتل الحسين فلم يستطيع مواصلة الطريق فعاد إلى البصرة ولما سمع الحسين(عليه السلام) باستعداده لنصرته قال: (مالك يا بن مسعود أمنك الله من الخوف وأعزك وأرواك يوم العطش الأكبر)، ومسعود هذا هو شقيق زوجة الإمام علي(عليه السلام) ليلى بنت مسعود والغريب إن الطبري تجاهل تماما هذا الرجل وخطبته في عشيرته وما ترتب أثر ذلك.
    التحاق عدد من شيعة البصرة واستشهادهم مع الإمام الحسين(عليه السلام) في كربلاء، أمثال الحجاج بن بدر التميمي، وقعنب بن عمر النمري، الأدهم بن امية العبدي، سيف بن مالك العبدي، عامر بن مسلم العبدي ومولاه سالم،يزيد بن ثبيط العبدي، عبد الله بن يزيد العبدي، عبيد الله بن يزيد العبدي(7).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الطبري، تاريخ، 4/266.
(2) مثير الأحزان، ص121.
(3) قراءة في الخطاب الحسيني، ص79.
(4) الإمام الحسين في مكة المكرمة، ص28.
(5) ما قبل عاشوراء، ص169.
(6) المصدر السابق، ص70.
(7) السماوي، إبصار العين في أنصار الحسين(عليه السلام)،
ص203.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.