Take a fresh look at your lifestyle.

مرقد القاسم بن موسى الكاظم(عليه السلام) دار السلام.. ومأوى قلوب الأنام

0 848
                                 الإرهاب ذلك الشبح المهدد للبشرية، مفهوم عام يضم صوراً متنوعة ومتعددة وكلها تصب في معنى الشر، فالقتل والإبادة والتعذيب والتهجير القسري والتشريد نماذج من صور الإرهاب.
ولما كانت الحكومات المتعاقبة على الدولة الإسلامية في العهدين الأموي والعباسي، عالمة بمدى تعسفها وظلمها لأبناء المجتمع الإسلامي، خصوصاً المعارضين لسياستها الظالمة فقد استعملت الإرهاب بشتى صوره ضد أصحاب المبادئ وطلاب الحق، وخلال العهد العباسي بالذات في فترة تولي هارون الرشيد كرسي الخلافة، أصبح الإرهاب جزءاً لا يتجزأ من سياسة الدولة باتجاه العلويين بصورة عامة، والأئمة الأطهار(عليهم السلام) بصورة خاصة بحيث أمر هارون الرشيد أحد جلاوزته المسمى حميد بن قحطبة، فقتل في ليلة واحدة ستين علوياً كلهم من ذرية علي وفاطمة(عليهما السلام)، بل واستعمل كل النماذج التي أشرنا إليها آنفاً.
فكان على العلويين أن يرضخوا لأمر من أمرين:
الأول: البقاء في منازلهم والاستسلام للموت الذي قد يحل بهم، عاجلاً أم آجلاً.
الثاني: مفارقة الأوطان والأهل والتشرد في البلدان والقفار.
وكان القاسم بن موسى بن جعفر(عليهما السلام)، سليل الدوحة المحمدية من الفئة التي فضلت الخيار الثاني، فقد فارق المدينة المنورة، حيث منبت أسرته ومربع قومه ودار أبيه، وواصل المسير لعله يبلغ مأمناً من الأرض، يتقي فيه إرهاب العباسيين وبطشهم، فكانت رحلة شاقة ولا نعلم هل خطط لها مسبقاً بحيث يكون العراق الوجه الذي يقصده أم أن المقادير أخذت بيده الكريمة لتودعه أرض سورا فينزل فيها ضيفاً على أهلها، ثم ليضم ثراها الزاكي جثمانه الطاهر.
اليوم ينتصب قبره المشرف علماً خالداً وصرحاً مقدساً يفزع إليه الخائفون ويأوي إلى حماه المحتاجون، فينتجعون من فضله ويلتمسون كرمه ولم لا وهو باب المراد وقرة عين باب الحوائج ومنتدى نيل الرغائب، شبيه موسى بن عمران قدستْ أمٌ ولدته.
وأنت تقف على مشارف المدينة التي احتوت مرقده وتشرفت بحملها اسمه (مدينة القاسم) يترآى لك هذا التراكب بين الأبنية والنخيل فمرة يتداخل وأخرى يتباعد والفارق الوحيد بينهما تلك القبة الذهبية الساطعة، والمنائر الشامخة التي تبدو وكأنها أكف مشرعة إلى الله، تدعو المحبين والزائرين من بعد لزيارة روضة ملأت الأفق بشذاها، وضاهت الجنان بقداستها، روضة حلت فيها بضعة من سيد المرسلين(صلى الله عليه وآله) وشجنة من إمام المتقين(عليه السلام) فكانت مهبطاً للملائكة ومحطاً للبركات.
زرناها وتنسمنا من عبق أريجها فكانت لنا فيها وقفة، سجلنا خلالها استطلاع مجلتنا لهذا العدد.
قبس من أنوار القاسم(عليه السلام):
حياته:
هو القاسم بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين الشهيد بن الشهيد بن علي بن أبي طالب(عليهم السلام) أما أمه فهي السيدة (تكتم) الملقبة بأم البنين وهي أم الإمام أبي الحسن علي بن موسى وأم السيدة الفاضلة فاطمة المعصومة(1) وعليه فالقاسم(عليه السلام) شقيق الإمام الرضا(عليه السلام) لأمه وأبيه فالأب هو الإمام موسى(عليه السلام)، العبد الصالح الذي شهد له الموالي والمعادي بالورع والتقوى والكرم أليس ذلك الرجل يقول: عجبت لمن تأتيه صرار موسى ويشكو القلة.
وقد عانى الإمام(عليه السلام) حبوساً ومطاميراً، حتى قيده أعداؤه بالحديد وهو في عبادته منهمك وبمناجاة ربه عنهم في شغل إلى أن التحق بركب أجداده الطاهرين(عليهم السلام) صابراً محتسباً مسموماً شهيداً.
وأما الأم فقد ذكر في فضلها المؤرخون: (أن الإمام الرضا(عليه السلام) كان يرتضع كثيراً، وكان تام الخلق، فقالت: أعينوني بمرضع، فقيل لها: أنقص الدر؟ فقالت: ما أكذب والله ما نقص الدر ولكن علي ورد من صلاتي وتسبيحي وقد نقص منذ ولدت)(2).
من هذا الأب الطاهر، انحدر القاسم(عليه السلام) ومن هذه الأم التي حملت في أحشائها نجماً من نجوم الإمامة، خرج إلى هذه الدنيا.
ولد القاسم(عليه السلام) سنة (150هـ) في المدينة المنورة(3)، فهو يصغر الإمام الرضا(عليه السلام) أخاه بحولين، نشأ في كنف والده الذي رأى في ولده نباهة ونبوغ منذ صباه، وكان يحبه حباً شديداً، وهذا لا يعني: أن الإمام(عليه السلام) يميز ولداً عن آخر بل يحب الجميع، فالولد ريحانة إن أصابته شوكة تمزق قلب الوالد قبل أن يبكي منها الولد، ولكن الولد الذكي النبيه الذي تجتمع فيه صفات عالية تجعل محبة والده تتضاعف اتجاهه، وفي خبر طويل ورد بطريق يزيد بن السليط عن الإمام الكاظم(عليه السلام) في طريق مكة أنه قال له: (أخبرك ـ يا أبا عمارة ـ أني خرجت من منزلي فأوصيت إلى ابني فلان (يعني الإمام الرضا(عليه السلام) وأشركت معه بني في الظاهر، وأوصيته في الباطن، فأفردته وحده، ولو كان الأمر إلي لجعلته في القاسم ابني، لحبي ورأفتي عليه ولكن ذلك إلى الله عز وجل يجعله حيث يشاء)(4).
ومن هذا الخبر يتبين لنا:
1ـ مدى صعوبة الفترة التي كان يعيشها الإمام الكاظم(عليه السلام) بحيث لا يستطيع التصريح باسم ولده الإمام الرضا(عليه السلام) فيقول فلان، ثم يشرك معه أولاده كيلا يتميز الإمام(عليه السلام) فيكون أحد الأوصياء حاله حال أخوته.
2ـ اختصاص القاسم(عليه السلام) بدرجة عالية من الثقة والمحبة والرأفة عند والده فالإمام(عليه السلام) يرى في ولده ذلك الطاهر، الطيب، العابد الذي تتوفر فيه صفات الإمام ولكن العهد الإلهي يقضي بجعل منصب الإمام خالصاً للإمام علي الرضا(عليه السلام) بعد والده الإمام الكاظم(عليه السلام).
فالقاسم هنا مثل إسماعيل بن الإمام الصادق(عليه السلام) الذي كان يحبه حباً عظيماً ومثل محمد بن الإمام الهادي(عليهما السلام) الذي مات في حياة والده(عليه السلام)، فشق عليه الإمام العسكري(عليه السلام) جيبه فقال له والده الإمام الهادي(عليه السلام): (أحدث لله شكراً فقد أحدث فيك أمراً).
والفارق الوحيد بينهم أن القاسم(عليه السلام) كان حياً بعد أبيه(عليه السلام) بينما مات إسماعيل ومحمد(عليهما السلام) في حياة الإمامين الصادق والهادي(عليهما السلام).

 

رحلة القاسم(عليه السلام):
قرر القاسم(عليه السلام) (بعد أن رأى بعينيه كيف تهجم رجال الشرطة على والده الإمام الكاظم(عليه السلام) وهو يصلي في المسجد النبوي الشريف وأخذوه من مناجاته وصلاته لينقلوه إلى السجون في البصرة وبغداد أن يغادر المدينة، بالرغم من رصد حركته وحركة أخوته من قبل رجال الدولة والعيون المنتشرين الذي ينقلون الأخبار إلى دار الخلافة).

وقد ذكر الأستاذ محمد علي عابدين أسباباً(5) لمغادرة القاسم(عليه السلام) أو كما أسماها هجرته وهي:
1ـ إنقاذ النفس من أيدي الجلاوزة والجلادين، طالما ثمة فرصة للإنقاذ.
2ـ الخروج من دائرة المراقبة والتربص والإرهاب الذي يحيطهم لاسيما الشباب منهم.
3ـ تفويت الفرصة على العدو، وإعاقة تنفيذ خطة القبض على جميع آل الرسول(صلى الله عليه وآله) ـ خصوصاً أولاد الإمام موسى(عليه السلام) ـ .
4ـ الخشية على نساء الأسرة المشرفة المحمديات الهاشميات، فعملية الهجرة والهروب أهون وقعاً عليهن من القبض والسجن والقتل… لاسيما وقد بلغ الثكل مبلغه من النساء المخدرات بسبب تكرار المصائب والفواجع، بحيث لا تتحمله أي مجموعة نساء غيرهن.
5ـ ويعتقد أن من الأسباب هو استشهاد والده الإمام موسى(عليه السلام) في السجن.
وهناك هدف جدير بالإشارة وهو (أن القاسم خرج وهو يهدف إلى تحقيق مهمة كبيرة الشأن، تقتضي بحفظ وصيانة إمامة أخيه علي الرضا(عليه السلام) من كيد الخصوم، بطريقة التشويش والتغطية على معالم شخص الإمام(عليه السلام) الذي سيخلف الإمام موسى(عليه السلام) فبناءً على منزلة القاسم في العلم والحكمة والتقوى والفضل عند أبيه خصوصاً، فإن السلطة ستشتبه بكونه هو الإمام ـ إلى حين ـ وليس علي الرضا(عليه السلام) إلى أن تظهر حقيقة الإمام ويأمن على سلامة الرضا(عليه السلام)، وتكون السلطة قد شغلت نفسها بالبحث عن القاسم(عليه السلام) والاعتقاد بأهميته وتعيينه لأنه سيكون امتداداً لخط أبيه الشهيد في السجن)(6).
ومهما تكن الأسباب والأهداف، فقد شرع القاسم(عليه السلام) في قطع تلك المسافات وواصل الدرب حتى دخل أرض سورا.
رحلة القاسم بين التحقيق والتلفيق:
ذكرت الكتب قصة رحلة القاسم من مدينة جده(صلى الله عليه وآله) وحتى عودة طفلته إلى المدينة والقصة(7) هي: (وهاجر من المدينة المنورة صابراً في دين الله ذاكراً له كاتماً لاسمه ونسبه إلى الكوفة مع قوافل تجارية ولما أشرف على الكوفة توجه ماشياً بمحاذاة نهر الفرات عند أرض سورا في أسفل الكوفة، وبعد مسير شاق وطويل، أعياه التعب وأجهده الظمأ أشرف على حي اسمه (باخمرا) نسبة إلى اشتهار سكانه بخمار الطين أي تخميره وخلطه بالتبن ليصبح صالحاً للطبخ والبناء وصنع الأدوات الفخارية، فوجد بنتين تتزودان بالماء من البئر وتقول إحداهن للأخرى: (لا وحق صاحب بيعة الغدير ما كان الأمر كذا وكذا) فسمع قسم البنت مما جعله يستبشر خيراً ويطمئن لأهل الحي فدنا يمشي باستحياء نحوهن، وقال للتي أقسمت: من تعنين بصاحب الغدير؟ فقالت مولاي علي بن أبي طالب، فسر لهذا الحديث وقال: من صاحب هذا الحي؟، فأجابته: إحداهن إنه والدي.

فأرشدته إلى دار ضيافة والدها وعند وصوله هناك استقبله رئيس الحي فأكرم وفادته وأحسن له الضيافة وقضى عنده ثلاثة أيام ثم سأل عن اسمه ونسبه فأجابه أن اسمه الغريب وقال القاسم(عليه السلام) لرئيس الحي: يا عم ما عبد الله بشيء أفضل من العمل، فهلا اخترت لي عملاً يكون لي مغنماً فقد طاب عيشي بين ظهرانيكم.
فقال الشيخ: اختر لك عملاً، فقال القاسم(عليه السلام): اجعلني أسقي الماء، وخلال إقامة القاسم(عليه السلام) أسفر الحي عن أنهار الأمطار، فاخضرت الأرض وأينعت الثمار على غير مواسمها ونزلت الخيرات، فوقع حبه في قلوب أهل الحي.
وتستمر القصة تعرض كيفية عرض رئيس الحي عليه الزواج من كريمته (… فقبل القاسم المصاهرة والزواج من البنت التي أقسمت بصاحب بيعة يوم الغدير عند أول قدومه للحي، وتزوج الغريب ابنة رئيس الحي في جو من السرور والبهجة).
ثم يذكر المصدر: (ولقد عانى القاسم(عليه السلام) كثيراً من ألم الغربة والبعد عن الأهل والحزن الذي ما انفك ينخر قلبه الرقيق فأسرع إليه المرض وأقعده في فراشه فلم يكد يفارق الله طرفة عين أبداً فاشتد عليه مرضه وأهل الحي يجتمعون عنده، ثم تباطأت أنفاسه ودنا الأجل مما جعله يفصح عن ذكر اسمه الطاهر، فأجهش الجميع بالبكاء معاتبين النفس على تقصيرها في حق حفيد الرسول(صلى الله عليه وآله) ثم قاموا بخشوع وإجلال وعليهم آثار الحزن فحملوا جثمان التقوى والصلاح إلى شاهق الحي عند موضع اختاره بنفسه) وقد خمن الباحث السنة التي توفي بها القاسم(عليه السلام) (192هـ)…
أما وصيته فقد أوصى عمه شيخ باخمرا بقوله: (يا عم إذا مت غسلني وكفني وادفني، وإذا صار وقت الحج، حج أنت وابنتك وابنتي هذه، فإذا فرغت من مناسك الحج، اجعل طريقك على المدينة فإذا أتيت باب المدينة، انزل ابنتي على بابها فستدرج وتمشي وامشي أنت وزوجتي خلفها حتى تقف على باب عالية فتلك الدار دارنا، فتدخل البيت وليس فيه إلا النساء وكلهن أرامل).
وفي السنة الثانية من وفاة القاسم(عليه السلام) حج العم وأخذ بنت القاسم معه، وصار كل ما قاله(عليه السلام) حيث طرقت يتيمة القاسم(عليه السلام) الباب ففتح لها، واجتمع حولها الهاشميات يسألنها عن اسمها ومن أبوها فبكت فلما خرجت أم القاسم(عليه السلام) نظرت إليها ورأت شمائلها فجعلت تنادي واولداه واقاسماه.. والله هذه يتيمة القاسم ثم أخبرتهن البنت بوقوف جدها وأمها على الباب، وقيل إن أم القاسم مرضت لما علمت بحدث ولدها فلم تمكث إلا ثلاثة أيام حتى ماتت).
وقد نظم الأديب الحاج رشيد الكيشوان قصيدة في هذا المعنى حيث قال في حقه:
ترك الديار بليلة ليلاء
متخفياً عن أعين الأعداء
إذ راح يطلب مخبئاً يخبو به
ليريح نفساً من ضنى وعناء
سلك الفرات وراح يقطع سهله
متحملاً لمشقة شعثاء
متنقلاً بين القرى برتابة
يأتي خباء بعده لخباء
حتى أتى نهراً عليه تستقي
بنتان من سكانه بوكاء
وأتى إليه صوت مقسمة بمن
هو جده حقاً بغير مراء
ودنا قريباً منهما متسائلاً
ولمن به تعنين في استحياء
فتعجبت من قوله ببساطة
أعني علياً سيد البطحاء
هو صاحب المختار في غزواته
وله علينا بيعة الأمراء
بغدير خم قال عنه محمد
من كان يقبل بيعتي وولائي
من كنت مولاه فهذا حيدر
بعدي وصيي فيهم ولوائي
فأجابها هل تدليني على
بيت الرئيس لكي يزول بلائي
قالت فبشرى إنما هو والدي
أكرم بما ترجو بطول بقاء
وأتت به تمشي وراه بحشمة
أدباً وحفظاً في أصول حياء
حتى أتت دار الضيافة أومأت
إن هاهنا ألق العصا بفناء
وأراد أن يملي الأواني عندهم
ماء بكل صبيحة ومساء
وإذا به يقضي نهاراً صائماً
والليل يعبد ربه بخفاء
وعليه يطلع الرئيس مباغتاً
لصلاته في خشية وبكاء
وإذا به كالبدر يسطع نوره
عنه تجلت وحشة الظلماء
وأراد يعرفه لمن هو ينتمي
في أصله ببصيرة ورواء
فالح لكن دون جدوى إنما
يخفي عليه مخافة البلواء
وأراده صهراً ففوض أمره
فيما أراد بسكتة وحياء
وتمخض التزويج عن إكمامة
أنثى فكانت نجمة الأحياء
لكنما مرض الشريد ولم يزل
فيه ولم ينفعه أي دواء
وتقاربت منه المنية واكتوى
فيه الرئيس بلوعة وعزاء
ويقول هيا يا بُني ألم تقل
لي من أبوك لكي يطيب رجائي
فأجابه في عبرة مكبوتة
أذكت على طول المدى أحشائي
إن كنت تسأل دارنا فيها أتى
جبريل يخدم أهلها بولاء
أو كنت تسأل عن ترابي أنه
مهد الرسالة يثرب الامناء
أو كنت تسأل عن أبي فلأنه الـ
مختار أحمد سيد البلغاء(8)
فقد ذكر القصة، مؤيداً لها الأستاذ عبد العظيم عباس الجبوري في كتابه (القاسم نجل الإمام موسى الكاظم(عليه السلام))، معتمداً على كتاب شجرة طوبى للشيخ مهدي الحائري إلا أن العلامة الجليل الشيخ عبد الجبار الساعدي لا يؤيد هذه القصة، فبعد أن يتعرض لذكر حياة القاسم(عليه السلام) بصورة مفصلة يذكر قائلاً:
(خلاصة المطاف: هذا كل ما ورد في التاريخ عن حياة القاسم ابن الإمام موسى بن جعفر، ولو ورد أكثر من ذلك لذكرته، ولو صح غير ما ذكرت لأوردته أيضاً، وبناء على ذلك فأنت حاكم بنفسك بقية أخبار القاسم التي تلهج بها الألسنة والتي لا صحة ولا مستند لها من الحقيقة والواقع…)(8).
فهو (أعزه الله) يبدي تعجباً من ذكرها بدون مصدر فيقول: (ولست أدري ما الذي حدا ببعض من كتب تسطيرها ونشرها بين الناس وهي العارية من كل صحة وواقع وليتهم ذكروا لنا المصدر في نقلهم ـ ولو كان مغموراً ـ لهان الخطب… أما إنك تقرأ فصولاً وروايات تستغرق عدة صفحات ولم يذكر لك المؤلف مصدر اعتماده فهذا يحز في النفس ويستدعي الألم لضيعة الحقائق والمتاجرة باسم الدين والتأليف)(9). ونحن نترك للباحث المجال في تحقيق حال هذه القصة ولا يتسنى الآن الجزم بشيء.

 

فيمن زاره من بعد وفاته(عليه السلام):
نص السيد رضي الدين علي بن موسى بن طاووس في كتابه (مصباح الزائر) على استحباب زيارة القاسم(عليه السلام) وقرنه بأبي الفضل العباس(عليه السلام) وعلي بن الحسين الأكبر وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على عظمة القاسم(عليه السلام) وعلو منزلته عند الأئمة(عليهم السلام) وأهل العلم، وعليه فقد زاره ثلة من علمائنا الأعلام نذكر منهم:
1ـ علي بن محمد بن يونس، البياضي العاملي، صاحب الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم، المتوفي سنة (877هـ) فقد قال: (خرجت مع جماعة نزيد على أربعين رجلاً إلى زيارة القاسم بن موسى الكاظم، فكنا عن حضرته نحو ميل من الأرض، فرأينا فارساً معترضاَ فظنناه يريد أخذ ما معنا، فخبينا ما خفنا عليه فلما وصلنا رأينا آثار فرسه، ولم نره، فنظرنا ما حول القبة فلم نر أحداً، فتعجبنا من ذلك مع استواء الأرض وحضور الشمس وعدم المانع فلا يمتنع إذ يكون هو الإمام أو أحد الأبدال، فلا ينكر حضور شخص لا يرى لسر أودعه الله فيه)(11).
2ـ زين الدين بن نور الدين علي الجبعي، الشهيد الثاني، المستشهد يوم الجمعة من شهر رجب سنة (966هـ)، حيث يذكر في رحلته وزيارته العتبات المشرفة في العراق (…ورحلنا منه ـ أي سلمان المحمدي ـ إلى مشهد الحسين(عليه السلام) ووصلنا يوم الأحد منتصف الشهر المذكور وأقمنا به إلى يوم الجمعة وتوجهنا منه إلى الحلة وأقمنا بها إلى يوم الجمعة وتوجهنا منها إلى زيارة القاسم ثم إلى الكوفة ومنها إلى المشهد العلوي المقدس)(12).
3ـ ذكر المرحوم الميرزا النوري، قصة طريفة اتفقت للعلامة الشاعر السيد صادق الفحام المتوفى (1204هـ) مع سيد الطائفة السيد مهدي بحر العلوم المتوفى سنة (1212هـ) حين خروجه من النجف إلى الهاشمية لزيارة القاسم ومعه جماعة من أهل العلم والأدب، كالشيخ أحمد البلاغي، والشيخ راضي نصار نقلها النوري عن السيد مهدي الهندي(13).
كما زاره عدد من العلماء والشعراء، كل يلوذ بقبته النوراء، ويتقرب إلى الله بفنون المناجاة والدعاء.
فيمن كتب عن القاسم(عليه السلام):
أما من كتب عن القاسم(عليه السلام) وأرخ العمارة التي دفن فيها فنذكر جملة منهم:
1ـ سماحة الشهيد السيد محمد تقي الجلالي(قدس سره)، وهذا السيد الجليل ممن استهواه البقاء في تلك البقعة المباركة، فحط رحاله مرشداً دينياً لأهل القاسم(عليه السلام)، وكيلاً عن مرجع العصر السيد محسن الحكيم(قدس سره) وذلك سنة (1385هـ).
وقد قدم هذا العلامة خدمات جليلة لمدينة القاسم(عليه السلام) لازالت مذكورة ومشكورة عند أهلها وقد عدها سماحة الشيخ الساعدي فبلغت إحدى عشرة خدمة بين مسجد وحسينية ومؤسسة(15)… الخ.
وقد كتب عن المرقد في كتابه (تاريخ الروضة القاسمية) طبع ضمن كتاب حياة القاسم(عليه السلام) (1394هـ)، وما أن بدأ الحكم البائد برنامجه الدموي الهادف لتصفية الرموز الدينية، كان السيد الجلالي من الرعيل الأول الذي التحق بركب الشهداء وذلك في عام (1402هـ)، وبذلك خسرت الناس شخصية فذة.
2ـ سماحة الشيخ عبد الجبار الساعدي (أدام الله بقاه)، حيث سلط الضوء على شخصية القاسم(عليه السلام) واتسمت دراسته بالتحليل والاعتماد على المصادر في إثبات الحقائق مع التوسع في ذكر تاريخ العتبة القاسمية المقدسة، وقد أطلق على كتابه اسم (العلوي الغريب) القاسم بن الإمام موسى بن جعفر عليهما السلام أضواء على حياته وتاريخ مرقده.
3ـ الأستاذ محمد علي عابدين، قدم أيضاً دراسة في حياة القاسم(عليه السلام) أسماها (القاسم بن الإمام موسى الكاظم).
4ـ الحاج جبار حسين الصكر، من سدنة القاسم(عليه السلام) أيضاً كتب في حياته(عليه السلام) بعنوان (حياة القاسم وتاريخ الروضة).
5ـ الأستاذ عبد العظيم عباس الجبوري، أعد دراسة شاملة عن القاسم(عليه السلام) ومدينته، وأهداها إلى باب الحوائج موسى بن جعفر(عليهما السلام) وقد أطلق على هذه الهدية اسم (القاسم، نجل الإمام موسى الكاظم(عليه السلام)، سيرة إمام وتاريخ مدينة).
الأرض التي توفي فيها(عليه السلام):
ذكرنا أن اسم المدينة التي قصدها القاسم(عليه السلام) تدعى سورا و(سورا موضع بالعراق من أرض بابل) وهي مدينة السريانيين، وهي قريبة من الوقف والحلة المزيدية)(16).
فسورا منطقة تاريخية، قديمة الذكر تمتد حتى زمن السريانيين، وذلك بحكم قربها من بابل، وهذه الأرض كثيرة الخيرات، حيث تجود أرضها بالخصب والنماء ومعروف عنها أي سورا بكثرة البساتين، ولهذا فقد بذل معاوية لجعدة بنت الأشعث عشرة آلاف درهم وإقطاع عشر ضياع من أرض سورا(17) على أن تغتال الإمام الحسن(عليه السلام) بالسم.
تحديد القبر الشريف:
وردت عدة أقوال في تحديد قبر القاسم(عليه السلام) منها:
ـ (والقاسم بن الكاظم(عليهما السلام) المدفون في سورا، المعروفة الآن بأرض نهر الجربوعية من أعمال الحلة السيفية)(18).
ـ (وقبر القاسم قريب من الحلة السيفية عند الهاشمية، وهو مزار متبرك به يقصده الناس للزيارة وطلب البركة)(19).
ـ (أما مرقده الشريف فيقع في سورا وتعرف البقعة الطيبة في هذا الوقت بناحية القاسم، فقد نسبت إلى اسمه الشريف وهي إحدى نواحي قضاء الهاشمية التابع إلى محافظة بابل ـ الحلة ـ سابقاً)(20).
العمارات التي طرأت على الحرم القاسمي المطهر:
تذكر المصادر التاريخية أن أول عمارة قامت على قبره الشريف، كانت (بنية القوم الذي مات القاسم(عليه السلام) بينهم)(21) وقد ذكر الجبوري (أن الذي بناها شيخ حي باخمرا، وهو على شكل غرفة، ربما بنيت من الطين واللبن وقد كتب عليها (هذا قبر القاسم سليل الإمام الكاظم)(22)، ثم توالت العمارات ففي عصر البويهيين بددت تلك الأبنية، وذلك في القرن الرابع والخامس من الهجرة.
في القرن السادس والسابع الهجريين، قامت الأسرة العلوية الساكنة قرب المرقد بتجديد البناء بشكل جيد والقيام بخدمته حيث اشتهر المرقد فقصدت إليه الناس بالزيارة والسكن(23).

وقد ذكر الشيخ حرز الدين أن هناك (بناء عرفوه على قبر سيدنا القاسم كان في عهد الملوك الصفوية، وأول من زار العتبات المقدسة في العراق من الصفويين هو السلطان شاه إسماعيل الأول سنة (914هـ) وكان وقتئذ مرقداً حوله حرم وعليه قبة، ورسم قبره كان صندوقاً خشبياً في بستان كثيرة الأشجار)(24).
أما العمارة الخامسة، فهي عمارة آل سعد وقد أقيمت سنة (1204هـ)، وآل سعد هم قبيلة تسكن كربلاء وقد أرخ السيد صادق الفحام لهذا البناء قائلاً(25):
جزاكم الله آل سعد
خيراً وأوفى لكم جزاه
جددتم مشهد ابن موسى
لنا وأحكمتوا بناه
نلتم بذلك فخراً وعزاً
يقصر الوصف عن مداه
يا زائر السيد الذي
قد أخلصه الله واجتباه
وزاده الله من لدنه فضلاً
خص به دون من سواه
مولى الورى القاسم الذي
من يزره يزر الرضا أخاه
إذا أتيت المقام فانظر
تجد بناءً عليٌ سناه
ألق العصا ثم قل وأرخ
(وُفق للخير من بناه)
(1204هـ)
أما العمارة السادسة فيرجع تاريخها إلى سنة (1288هـ) الموافقة للعام (1868م) وقد بناها السيد آغا علي شاه الحسيني، والشاهد على ذلك رخامة صفراء بنيت بجانب باب الحرم على يمين الداخل طولها نصف متر وعرضها ربع متر بسبعة أسطر بخط الثلث ونصها: (قد بني هذا المشهد الشريف والضريح المبارك قربة إلى الله وطلباً لمرضاته لسيدنا القاسم بن الإمام الهمام موسى بن جعفر(عليهم السلام) الأكرم السيد السند النبيل العلوي الفاطمي آغا علي شاه الحسيني بن السيدين المحتشمين السيد حسن الحسيني والمدعو بأقا خان والمخدرة الجليلة (بي بي سركار) وكان ذلك في شهر ذي القعدة الحرام سنة (1288هـ)).
ثم يقول: (ويظهر من هذه الأسماء والألقاب أن المتبرع من سكنة الهند، وهذه العمارة حدثت عليها تطورات، وتتكون العمارة من:
1ـ حرم مربع طول ضلعه (7،5م).
2ـ صندوق خشبي على القبر.
3ـ شباك خشبي يعلو الصندوق.
4ـ قبة كبيرة بيضاء.
5ـ أواوين على جانبي الحرم الشمالي والجنوبي في كل جانب ثلاثة منها وكل إيوان طوله (2،9م) وعرضه (2،8م) وارتفاعه (4،2م).
6ـ طارمة أمام الحرم من جهة الشمال، أمام الأواوين الشمالية طولها (10م) وعرضها (3،35م) وارتفاعها (5م).
7ـ الصحن الجانبي، حيث لم يكن الصحن الشريف في هذا البناء محيطاً بالحرم كما هو متعارف عليه الآن، بل كان في الجانب الشمالي فقط، طوله (36م) وعرضه (10م) وكان الباب في منتصف الحائط الشمالي.
أما الصحن فيتكون من:
1ـ الطرف الشمالي وفيه:
أ ـ غرفة صغيرة متصلة بالحائط الشمالي جنب الصحن.
ب ـ بئر كبير لاستعمالات الوضوء وشرب الزوار.
جـ ـ حوضان للماء.
د ـ أواوين.
هـ ـ سلم سطح الحرم.
2ـ الطرف الغربي وفيه:
أ ـ غرفة كبيرة متصلة بالجدار الشمالي بجانب باب الصحن.
ب ـ أواوين متصلة في جدار الحرم)(26).
فيما قيل فيه من الشعر:
لما كان القاسم(عليه السلام) باباً من أبواب الحوائج ومفزعاً يضح إليه القاصدون، فقد استجار بروضته ثلة من الشعراء والناظمين من العلماء ومنهم:
1ـ العلامة الشاعر الشيخ محمد حسن سميسم، والذي قال في حضرته(عليه السلام):
إن بت ليلك كاظماً
فعليك بابن الكاظم
هو قاسم عفو الورى
أكرم به من قاسم
2ـ ما قاله الشاعر المرحوم الشيخ عبد الغني الخضري:
ماذا بباخمرا ومن ذا يوجد
فالناس من شغف إليها تقصد
ولقد تطاول في رباها مشهد
تعنو له شمس الضحى والفرقد
عجباً أكنت بغفلة عمن بها
فيها فتى بجهوده نتهجد
أو ما علمت بها لموسى قد ثوى
شبل له الدنيا تقوم وتقعد
فولاؤهم فرض وبلغة حسبة
نص الكتاب به وحدث أحمد
صنو الرضا وشقيقه والمجتبى
وسليل طه والتقي السيد
القاسم المشهور في صلواته
وصلاته والقائم المتعبد
آلاؤه مشهودة وخلاله
معروفة والناس فيها تشهد
3ـ ما قاله السيد محمد جمال الهاشمي (تغمده الله برحمته):
إن رمت أن تحيا وعيشك ناعم
فاقصد ضريحاً حل فيه القاسم
تقضى به الحاجات وهي عويصة
ويرد عنك السوء وهو مهاجم
فيه تحل المشكلات فقبره
كالبيت في زواره متزاحم
من كابن موسى نال مجداً في الورى
كالفجر في أنواره متلاطم
من جده خير الأنام محمد
من أمه أم الكواكب فاطم
نسب به كالبدر يزهر حيدر
ويطاول الشمس المضيئة هاشم
وله مقام في الجهاد مقدس
تهتز منه لهاذم وصوارم
4ـ ما قاله الخطيب الأديب الشيخ محمد باقر الإيرواني:
يا قاصداً قبراً بباخمرا سما
مجداً لك البشرى بثغر باسم
فلقد ثوى في القبر روح محمد
وعزيز حيدرة ومهجة فاطم
ومشرد ضاق الفضاء به أسى
ومروع من جور حكم الظالم
لا لوم إن طال المحب بكاؤه
لغريب باخمرا بدمع ساجم
هو قدوة للمؤمنين وسلوة
للصابرين وشعلة من هاشم
وهو الملاذ لكل طالب حاجة
وأخو الرضا وأبوه موسى الكاظم
صوت الخلود أشاد في عنوانه
وتفاخر الدنيا بمجد القاسم
5ـ ما قاله المرحوم الخطيب الأديب السيد مهدي الأعرجي:
أصنو الإمام وعم الإمام
ويا ابن الأئمة من هاشم
ويا عالماً بضمير الفؤاد
ويا بن الملقب بالعالم
قدمت إليك بسؤالي وأنت
لأهل الكرامة للقادم
وجئتك من مشهدي زائراً
بقلب بأشواقه هائم
لتقسم لي زورة لأخيك
فديتك في الناس من قاسم
وحاشاك يا سيدي أن تظن
وترجعني مرجع النادم
فإني خادمكم والكريم
يرق ويحنو على الخادم
زيارتنا للمرقد المطهر:
في يوم الرابع من صفر عام (1427هـ)، توجهنا نحو المرقد الطاهر لسليل كاظم الغيظ(عليه السلام)، نزلنا على مقربة من ذلك الصرح الخالد، وقادنا الشوق لكي ندخل من الباب الرئيسية للصحن المبارك.

الصحن المبارك عبارة عن ساحة واسعة تقدر مساحتها بـ(5625م2)، يتوسطها المقام الذي يضم بداخله المرقد يفتح الصحن على الخارج من الجهات الأربع، حيث تتوسط كل جهة باب كبيرة مزينة بالنقوش، يحيطها الكاشي الكربلائي المزخرف والمنقوش، وقد سميت هذه الأبواب للتمييز بينها حيث أصبحت كالتالي:
1ـ باب الإمام موسى الكاظم(عليه السلام)، وتقع في الجانب الشمالي.
2ـ باب الإمام الرضا(عليه السلام)، وتفتح على الجانب الشرقي حيث جهة مزار الإمام الرضا(عليه السلام).
3ـ باب القبلة، وتقع في الجانب الجنوبي، وهي الباب الرئيسة اليوم لدخول الزائرين.
4ـ باب الأمير(عليه السلام)، وتقع في الجانب الغربي.
قبل أن نتحدث عن المرقد لابد لنا من التوقف عند حركة الإعمار التي شهدها، والتي غيرت معالم المرقد بالكامل فبعد أن كان ذا مساحة محدودة، أصبح اليوم وبفضل الجهود المبذولة من المراقد التي يشار لها بالبنان عند ذكر مراقد العراق، حيث أضفت عليه جمالية خاصة وألبسته حلة جديدة.
تحدث إلينا الحاج لطفي سلمان، أحد المؤمنين الذين واكبوا عملية إعادة إعمار وترميم الروضة القاسمية المطهرة فقال:
استقرت الفكرة لدى الخيرين من أبناء مدينة القاسم(عليه السلام) على توسعة وترميم وإعمار مرقد السيد القاسم بن الإمام موسى الكاظم(عليه السلام)، حيث انطلق المشروع بتاريخ 20/5/1995م بمباركة المرجعية الدينية العليا المتمثلة بسماحة آية الله العظمى السيد السيستاني (مدّ ظله) وبرعاية سماحة المرجع الديني الكبير السيد محمد سعيد الحكيم (مدّ ظله) الذي شد على أيدينا وشجعنا في البداية على هذا المشروع الضخم قياساً لإمكانياتنا المادية المحدودة وبالرغم من المخاطر المحدقة بنا، فرجال السلطة ما برحوا يستفسرون عن مصادر الدعم المادي والمعنوي التي كانت تحدد مسار المشروع ومدى التقدم في إنجازه، ولابد لنا أن نشير إلى الجهود المبذولة من قبل المرحوم الحاج حسين عبود والحاج كاظم عماش اللذين وضعا حجر الأساس في المساهمة الأولى لأهل المدينة، وعلى أثرها توزع العمل على المؤمنين فمنهم من يساهم بما يستطيع من المال، ومنهم من ساهم بالجهد حيث شارك في أعمال البناء، ولا نستطيع نكران الجهود التي بذلها سماحة الشهيد السعيد السيد محمد تقي الجلالي في إعمار هذا المرقد المبارك، بل كان يتمنى(رحمه الله) أن يرى القبة المذهبة ولكن يد الجلادين التي امتدت إليه، حالت دون ما يتمنى آنذاك، واليوم أصبح ما تمنى حقيقة والحمد لله.
كانت الفكرة تنصب على إدخال جزء من الصحن إلى الحرم المبارك بحيث تؤخذ مسافة عشرة أمتار من كل جهة من الجهات الأربع المحيطة بالحرم وتم ربطها بأربعة أعمدة رئيسية.
أما تذهيب القبة، فله قصة تمتد منذ زمن السيد الجلالي(رحمه الله) حيث جمع السيد ما مقداره ثمانين طابوقة ذهب، وكان يضعها في المكتبة، وعندما استشهد، هجمت قوات الأمن على المكتبة، فصادرت الكتب الموجودة وأخذت الثمانين طابوقة ولم نعلم إلى أين ذهبت؟ وعندما قررنا تذهيب القبة اعتماداً على المبالغ المستحصلة من الناس كهدايا ونذور حيث حصلنا على مبلغ يوفر لنا مقدار (80) طابوقة ذهب وقد وصلت إلينا من إيران عن طريق الإمارات العربية حيث كان حينها لا يسمح بدخول الذهب من إيران وعندها زار القاسم الشيخ باسم الغديري، سعودي الجنسية واتصل بنا يسألنا عما نحتاجه من مبالغ لإكمال الإعمار فأجبناه بتوجس وخيفة لأننا ظننا أنه محسوب على جهة أمنية فقلنا له إننا نحتاج ذهب لإكمال القبة وبالفعل بدأت تصل إلينا عبوات زجاجية، تحوي كل عبوة على (250) غرام من باودر الذهب الخالص وبدورنا اتصلنا بالسيد عباس الموسوي صاحب معمل (حكمت) لإنتاج الكاشي الكربلائي في كربلاء وأخبرناه أننا نرغب بتصنيع الكاشي المطلي بالذهب، تردد بادئ الأمر ثم وافق حيث أخذ يتردد على معامل طلي الحلي في بغداد ويجرب حتى تمكن أخيراً من إمكانية إنتاج الكاشي المذهب المطلوب لإكساء القبة.
أما الحاج حسن المعمار الكربلائي فقد استطاع بأسلوبه الفني وإمكاناته الفريدة وتمكنه العالي من نصب القبة وإكمال بنائها على أحسن وجه وفي عام (1998م)، اكتمل إكساء القبة بالذهب وبجهود عراقية صرفة منذ تذهيب الطابوق وحتى وضعه في هيكل القبة المباركة.
بلغ عدد الطابوق المطلي بالذهب حوالي (12000) طابوقة، أما المجموعة الصحية فتقع خارج الصحن وقد قام ببنائها الحاج محمود حوسة النجفي واليوم فقد خصص ديوان الوقف الشيعي قطعة أرض تبلغ مساحتها (1800م) لإقامة مجمع صحي حديث، يخدم أكبر عدد من الزائرين الذين يتوافدون على المرقد المبارك طيلة أيام الأسبوع، ويبلغ الذروة في يوم الخميس والجمعة، أما اليوم الأول من ذي الحجة فهو يوم تاريخي حيث يعده الناس يوم وفاة القاسم(عليه السلام)، فتزحف إليه الناس من البقاع البعيدة والقرى القريبة.
أما المهندس عبد الكريم مهدي رئيس المهندسين في اللجنة الهندسية المنتخبة لتطوير الروضة القاسمية فقد تحدث إلينا قائلاً: (تمثل البناء بإعادة تصميم وبناء الحرم الشريف وفق تصاميم معدة من قبل الكادر الهندسي في مديرية أوقاف محافظة بابل سابقاً (الوقف الشيعي)، ثم جرى العمل على إعادة بناء القبة والحرم والأروقة المحيطة بالحرم وتغليف الجدران بالكاشي الكربلائي وبنقشات إسلامية معاصرة، إضافة إلى ذلك فقد تم تزيين الواجهات بالأقواس الإسلامية وتغليف الجدران الداخلية للحرم بالمرايا مع تطبيق الأرضية بالمرمر وتزيين الجدران (الأزارة) بالمرمر، كما تم عمل شبكة (منظومة) كهرباء متكاملة.
كما تم تغليف جزء من المآذن بالذهب علماً أن ارتفاع المأذنتين يبلغ (33،5م) وستتم المباشرة بنصب أجهزة تبريد مهداة من مرقد الإمام الحسين(عليه السلام) وعددها أربعة وحدات، وتقوم إدارة الوقف الشيعي بالتعاون مع أهل الخير بإعادة تغليف السور الخارجي بالكاشي المزجج.
كذلك تم إنشاء قاعة للصلاة بمساحة (4×8)م كاملة المواصفات إضافة لعمل كليدارية جديدة لاستقبال الشخصيات.
بعد أن أكملنا اللقاء تجولنا في الصحن المبارك حيث يحيط بالصحن المبارك أروقة معدة لاستراحة الزائرين والمبيت إن لزم الأمر، يتخللها الكليدارية والمكتبة الواقعة في الجانب الغربي وهي أقدم مكتبة موجودة في الحرم القاسمي، وقد كانت مغلقة أيام النظام البائد، إضافة لقاعة الصلاة التي ذكرها لنا المهندس عبد الكريم.
وعندما تدخل إلى الرواق الخارجي المحيط بالحرم تلاحظ أبواباً ثلاثة الوسطى وهي الرئيسية، وقد كتب في أعلاها (قال الإمام الرضا(عليه السلام): من لم يتمكن على زيارتي فليزر أخي القاسم) وعلى القول هذا علامة استفهام، فهناك من يؤيده وآخر من ينفيه ويبني على كون أن (شأن القاسم أجل من أن يرغب الناس في زيارته)(27).
وأما المدخل الآخر فيقع على يسار الباب الرئيسية وهي باب مخصصة لدخول النساء كما لاحظنا على الجدار رواية منقوشة بالكاشي الكربلائي تقول: (جاء رجل إلى الإمام الرضا(عليه السلام) فقال: يا بن رسول الله عظم الله لك الأجر بأخيك القاسم، فقال له الإمام: في أي مكان وافاه الأجل، فقال الرجل: في سورا، في حي يدعى (باخمرا) فقد آمنوه وأكرموه، فقال(عليه السلام): اللهم آمن هذه البلدة من كرب الزمان كما آمنت أخي القاسم)، ويقابلها من الجهة اليمنى نفس الرواية وباب مغلقة.
أما الحرم فهو عبارة عن ساحة مربعة (30×30)م، يحيطها أروقة تطل على القبر الشريف من خلال أربعة مداخل، تتوسط الأروقة باحة مغلقة بواسطة القبة المزينة بالمرايا المزخرفة، منقوش عليها أسماء الأئمة عليهم السلام وطوقان كتب في الطوق الأعلى (آية الكرسي) وفي الطوق الأسفل كتبت آية (الله نور السموات والأرض…) يبلغ ارتفاع القبة (32)م وأما قطرها (12،5)م.
ينقسم الحرم إلى جانبين جزء للرجال وآخر للنساء تزيين الجدران نقوش بديعة مزخرفة بدقة وإتقان.
أما القبر المبارك فيعلوه شباك فضي بمساحة (2×2،5)م، يعلوه تاج ذهبي تتخلل قمته قناديل مضاءة، وكتائب مزخرفة صغيرة منقوش على كل كتيبة اسم من أسماء الله الحسنى أما ارتفاعه فيبلغ (2،5)م مستنداً على قاعدة من المرمر ترتفع ربع متر تقريباً.
أما الثرية التي تعلو القبر الطاهر فلا تتناسب بأي حال مع ضخامة القبة كذلك الشباك فهو صغير ولا يمكن الوصول إليه إلا لجماعة قليلة وعند الزيارة تكتظ الناس حوله ويؤدي ذلك إلى الزحام.
كلفنا العاملون على خدمة الروضة القاسمية وزائريها أن ننقل إلى الوقف الشيعي رغبتهم في إرسال لجنة من الوقف لتقف على احتياجات المرقد الذي يعد وكما ذكرنا من المراقد المهمة في العراق، وأهم الاحتياجات هي إنشاء غرفة خارج الصحن ليتسنى لكوادر الحماية الأمنية تفتيش النساء، إضافة لمجموعة من الخدمات التي يفتقر إليها المرقد، كما يطلبون من السيد رئيس ديوان الوقف زيارة القاسم(عليه السلام) الذي في زيارته شفاء للأسقام ودواء للنفس والجسد.
نشرت في العدد11

(1) حرز الدين، مراقد المعارف، 2/181، الطعان، وفاة الإمام الرضا، ص70.
(2) الساعدي، العلوي الغريب، ص75.
(3) الجبوري، القاسم نجل الإمام موسى الكاظم، سيرة إمام وتاريخ مدينة، ص16، الساعدي العلوي الغريب، ص79.
(4) الكليني، الكافي، م1/314.
(5) عابدين، القاسم بن الإمام موسى الكاظم، ص127.
(6) المصدر السابق ص129.
(7) الجبوري، القاسم نجل موسى بن جعفر، ص22ـ33.
(8) الساعدي، العلوي الغريب ص176.
(9) المصدر السابق ص96.
(10) المصدر السابق.
(11) البياضي، الصراط المستقيم، 2/263.
(12) الأمين، الشهيد الثاني، سيرته وما يتعلق به، ص46.
(13) الأمين، الشهيد الثاني، سيرته وما يتعلق به، ص46.
(14) الساعدي، العلوي الغريب، ص132.
(15) العلوي الغريب، ص162.
(16) الحموي، معجم البلدان، 5/168.
(17) الخصيبي، الهداية الكبرى، ص184.
(18) القزويني، فلك النجاة، ص336.
(19) الساعدي، العلوي الغريب، ص99.
(20) القرشي، حياة الإمام موسى بن جعفر، 2/432.
(21) الساعدي، العلوي الغريب، ص101.
(22) انظر: القاسم نجل الإمام موسى الكاظم، ص47.
(23) المصدر السابق.
(24) مراقد المعارف، 2/183.
(25) الساعدي، العلوي الغريب، ص102.
(26) لمزيد من المعلومات حول المرقد يراجع (كتاب الغريب العلوي) للشيخ عبد الجبار الساعدي فقد استعرض بشكل مسهب العمارات وفصل كل عمارة وما فيها، إضافة لكتاب القاسم نجل الإمام موسى الكاظم(عليه السلام) للأستاذ عبد العظيم عباس الجبوري الذي لم يدخر جهداً في التعريف بالعمارات المقامة على المرقد المبارك.
(27) المجلسي، بحار الأنوار، 48/311.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.