Take a fresh look at your lifestyle.

تواضع النبي محمد(صلى الله عليه وآله)في رؤية أمير المؤمنين(عليه السلام)

0 258
الدكتورة انتصار عدنان العواد
جامعة البصرة/ كلية الآداب

        التواضع: خلق كريم، وخلة جذابة، تستهوي القلوب، وتستثير الإعجاب والتقدير(1). ومن موجبات المعرفة الحقة للذات الإلهية استشعار الفقر في ذات الإنسان، يقول أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام): (وإِنَّه لَا يَنْبَغِي لِمَنْ عَرَفَ عَظَمَةَ اللهِ أَنْ يَتَعَظَّمَ، فَإِنَّ رِفْعَةَ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ مَا عَظَمَتُه أَنْ يَتَوَاضَعُوا لَه، وسَلَامَةَ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ مَا قُدْرَتُه أَنْ يَسْتَسْلِمُوا لَه)(2).

         فالإنسان بقدر ما يدرك من عظم الله تعالى وجلاله وجبروته، فإنه يستشعر الفقر في نفسه إلى الله والحقارة تجاهه، ويدرك أنه لا ينبغي له أن يستعظم ذاته؛ لأن المنزلة والتقدير إنما يكون لمن رأى أن العظمة لله وحده سبحانه، والخاشعون من عباد الله هم أولئك الذين يستشعرون العظمة له عز اسمه (إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ) (فاطر:28))(3).

            وفي موضع آخر يقول أمير المؤمنين (عليه السلام):

           (إِنَّ مِنْ حَقِّ مَنْ عَظُمَ جَلَالُ الله سُبْحَانَه فِي نَفْسِه، وجَلَّ مَوْضِعُه مِنْ قَلْبِه، أَنْ يَصْغُرَ عِنْدَه لِعِظَمِ ذَلِكَ كُلُّ مَا سِوَاه)(4)، فمن عظم جلال الله في قلبه صغر عنده كل ما سواه، وقد تجلى التواضع بأبهى وأكمل صورته في أخص خلق الله وأقربهم منزلة منه ألا وهم الأنبياء، إذ نجد في كلام الإمام (عليه السلام) وقفة مع هذه الخصلة من خصال أنبياء الله، إذ يقول (عليه السلام):

         (فَلَوْ رَخَّصَ اللهُ فِي الْكِبْرِ لأَحَدٍ مِنْ عِبَادِهِ، لَرَخَّصَ فِيهِ لِخَاصَّةِ أَنْبِيَائِهِ ومَلائِكَتِهِ، ولَكِنَّهُ سُبْحَانَهُ كَرَّهً إِلَيْهِمُ التَّكبُّرَ، ورَضِيَ لَهُمُ التَّوَاضُعَ)(5)، ففي قوله ها هنا استدلال على تحريم الكبر مطلقًا، وأنه لا رخصه فيه لأحد من خلق الله.

           إن الكبر نقيض التواضع، وأما حقيقته: فهي هيئة نفسانية تنشأ عن تصور الإنسان نفسه أكمل من غيره، وأعلى رتبة وتلك الهيئة تعود إلى ما يحصل للنفس عن ذلك التصور من النفخ والهزة والتعزز والتعظم والركون إلى ما تصورته من كمالاتها، وشرفها على غيرها، ولذلك قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (أعوذ بك من نفخة الكبر)(6)، وهي رذيلة تحت الفجور تقابل فضيلة التواضع(7).

          وقد ورد ذم هذه الخصلة في كتاب الله وسنة نبيه (صلى الله عليه وآله) منها قوله تعالى: (كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ)(غافر:35)، (وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ) (إبراهيم:15)، وفي الحديث القدسي: (يقول الله عز وجل: الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدًا منهما ألقيته في جهنم)(8)، وقال النبي (صلى الله عليه وآله): (لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر)(9).

         وإلى هذا المعنى يشير أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) بقوله:

     (الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي لَبِسَ الْعِزَّ والْكِبْرِيَاءَ، واخْتَارَهُمَا لِنَفْسِه دُونَ خَلْقِه، وجَعَلَهُمَا حِمًى وحَرَماً عَلَى غَيْرِه، واصْطَفَاهُمَا لِجَلَالِه، وجَعَلَ اللَّعْنَةَ عَلَى مَنْ نَازَعَه فِيهِمَا مِنْ عِبَادِه)(10). ومعنى اختياره هنا تفرده باستحقاقهما لذاته، فإن المستحق للعز والكبرياء بالذات ليس إلّا هو، ودلَّ على ذلك قوله تعالى: (عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ)(الرعد:9)، والألف واللام هنا يفيد حصر الكبرياء والعلو فيه(11). وأما قوله (عليه السلام): (وجَعَلَهُمَا حِمًى وحَرَماً عَلَى غَيْرِه)(12)، فقد استعار لفظ الحمى والحرم باعتبار اختياره لهما وتحريمهما على غيره من خلقه، كما يحمي الملك المرعى والحرم(13).

          ويقول الإمام علي (عليه السلام):

         (ومَا بَيْنَ الله وبَيْنَ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِه هَوَادَةٌ، فِي إِبَاحَةِ حِمًى حَرَّمَه عَلَى الْعَالَمِينَ)(14)، فليس بين الله وبين أحد من خلقه صلح، فيخصص بإباحة حكم حرمه على سائر خلقه، فيختلف بذلك حكمه فيهم لأن الصلح من عوارض الحاجة أو الخوف المحالين عليه تعالى(15). وبهذا يتضح لنا مراده من قوله المار الذكر، فلو رخص الله في الكبر لأحد من عباده لرخص فيه لخاصة أنبيائه وأوليائه.

         إذ أن وجه الملازمة فيه أن الأنبياء خواص الله وأحباؤه وأهل طاعته، فلو كان فيه رخصة لم يجعلها إلّا لهم، وتقدير الاستثناء فيه لنقيض الآتي: لكنه لم يرخص فيه لهم، فينتج أنه لم يرخص فيه لأحد من عباده، لكنه حذف هنا استثناء النقيض واستثنى بعض لوازمه، وهو تكريهه التكبر عليهم، وذلك بوعيده للمستكبرين على الكبر، ثم برضى التواضع لهم، وذلك بأمرهم فيه، كما قال تعالى: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) (الحجر: 88)) ونحوه(16).

          ثم شرع أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) في بيان دلائل التواضع في الأنبياء وسماته، إذ يقول:

         (فَأَلْصَقُوا بِالأَرْضِ خُدُودَهُمْ، وعَفَّرُوا فِي التُّرَابِ وُجُوهَهُمْ)(17). امتثالًا لما أمروا به من التواضع والتذلل للخالق، (وخفضوا أجنحتهم للمؤمنين، وكانوا قومًا مستضعفين امتثالًا لما مروا به من التواضع للخلائق، قال المجلسي: خفض الجناح كناية عن لين الجانب وحسن الخلق والشفقة)(18).

         وجاء في تفسير قوله تعالى: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (الشعراء :215)، إن الطائر إذا أراد أن ينحط للوقوع كسر جناحه وخفضه، وإذا أراد أن ينهض للطيران رفع جناحه، فجعل خفض جناحه عند الانحطاط مثلًا في التواضع ولين الجانب، رفعه قول أحدهم:

وأنت الشهير بخفض الجناح              فلا تك في رفعه أجدلا(19)

ينهاه عن التكبر بعد التواضع(20). والعرب تقول لمن كان ساكنًا وقورًا: إنه خافض الجناح(21).

         وأما قوله (عليه السلام): (وكانوا قوما مستضعفين)، كونهم متصفين بالضعف والمسكنة في نظر الناس وضيق العيش في الدنيا.

           وقد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) أشد الناس تواضعًا، وأبعدهم عن الكبر، والمتتبع لسيرته الشريفة يلمس ذلك بوضوح، وقد ذكر أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) شاهدًا على ذلك في حديثه عن نمط معيشته (عليه السلام)، فقال: (ولَقَدْ كَانَ (صلى الله عليه وآله) يَأْكُلُ عَلَى الأَرْضِ، ويَجْلِسُ جِلْسَةَ الْعَبْدِ، ويَخْصِفُ بِيَدِه نَعْلَه، ويَرْقَعُ بِيَدِه ثَوْبَه، ويَرْكَبُ الْحِمَارَ الْعَارِيَ، ويُرْدِفُ خَلْفَه)(22)، إذ كان (صلى الله عليه وآله) يتخذ في جلسته هيئة تبعد عن نفس جالسها أي فخر أو تكبر، ولكنها تفرض الهيبة في نفوس الآخرين، والمراد من جلوسه جلسة العبد، إما أن يجلس على الارض أو يجلس من غير تربع خلاف جلوس الملوك، أو الجلوس دون شرفه، إذ كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا دخل منزلًا قعد في أدنى المجلس إليه حين يدخل(23).

         وتضمن كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) ذكر عدة مزايا تشير إلى تواضع النبي (صلى الله عليه وآله) منها:

1– لبس النعل المخصوف، فهو دليل ظاهر على التواضع، ولاسيما إذا كان لابسها هو الخاصف.

2– لبس الثوب المرقع.

3– ركوب الحمار العاري. وإرداف غيره خلفه.

كل ذلك آية التواضع وهضم النفس، وأوكد في الدلالة عليه(24).

        وقال الإمام الرّضا (عليه السلام) عن آبائه عن النّبي (صلى الله عليه وآله)، قال: خمس لا أدعهنّ حتى الممات: الأكل على الحضيض مع العبد، وركوبي الحمار مؤكفًا، وحلب العنز بيدي، ولبس الصوف، والتسليم على الصبيان لتكون سنة من بعدي(25).

         وكان فراشه (صلى الله عليه وآله) غاية في التواضع، (عن علي (عليه السلام): كان فراش رسول الله (صلى الله عليه وآله) عباءة. وكانت مرفقته ـ وسادته ـ أدم حشوها ليف. … وكان (صلى الله عليه وآله) كثيرا ما يتوسد وسادة له من أدم حشوها ليف ويجلس عليها. … وكان له بساط من شعر يجلس عليه وربما صلى عليه. كان (صلى الله عليه وآله) ينام على الحصير ليس تحته شيء غيره)(26).

          ومن مظاهر تواضعه (صلى الله عليه وآله): (إذا انتهى إلى قوم جلس حيث انتهى به المجلس، ويأمر بذلك ويعطي كل جلسائه نصيبه. لا يحسب جليسه أن أحدًا أكرم عليه منه، وإذا جلس إليه أحدهم لم يقم (صلى الله عليه وآله) حتى يقوم الذي جلس إليه، إلّا أن يستعجله أمر فيستأذنه، ولا يقابل أحدًا بما يكره، ولا يجزي السيئة بمثلها. بل يعفو ويصفح. وكان يعود المرضى ويحب المساكين ويجالسهم. ويشهد جنائزهم. ولا يحقر فقيرًا لفقره، ولا يهاب ملكًا لملكه، ويعظم النعمة وإن قلَّت. ولا يذم منها شيئا، وما عاب طعامًا قط، إن اشتهاه أكله وإلا تركه. وكان يحفظ جاره ويكرم ضيفه، وكان أكثر الناس تبسما، وأحسنهم بشرا(27).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1)مهدي الصدر: أخلاق أهل البيت (عليهم السلام): ص 36.
2)نهج البلاغة: ص269.
3)عبد المجيد زهادت: التربية والتعليم في نهج البلاغة: ص 89.
4)نهج البلاغة: ص 453.
5)نهج البلاغة: ص392.
6)المازندراني: شرح أصول الكافي: 1/235.
7)ابن ميثم: شرح نهج البلاغة: 4 / 275.
8)الحميدي: مسند الحميدي: 2/486. ابن راهويه: المسند: 1/305. ابن حنبل: المسند: 2/248. ابن ابي الدنيا: التواضع والخمول: ص3. البيهقي: شعب الإيمان: 6/281. البيهقي: معارج نهج البلاغة: ص358. ابن الجوزي: دفع شبه التشبيه: ص232. المنذري: الترغيب والترهيب: 3/562. المجلسي الأول: روضة المتقين: 4/48. الفيض الكاشاني: الوافي: 1/161. المجلسي: ملاذ الأخيار: 5/59. النوري: المستدرك: 12/31.
9)البخاري: التاريخ الكبير: 5/2. الترمذي: السنن: 3/244. الكليني: الكافي: 2/310. الصدوق: ثواب الأعمال: ص221. النووي: الأذكار النووية: ص350، شرح صحيح مسلم :2/89. الدميري: حياة الحيوان :1/496. الشهيد الثاني: رسائل الشهيد الثاني: 2/812، منية المريد ص156. البهوتي: كشف القناع: 1/ 270. الكحلاني: سبل السلام: 4/200. الشوكاني: نيل الأوطار: 2/108.
10)نهج البلاغة: ص 384 – 385.
11)ابن ميثم: شرح نهج البلاغة: 4 / 277.
12)نهج البلاغة: ص385.
13)ابن ميثم: شرح نهج البلاغة: 4 / 277.
14)نهج البلاغة ص386.
15)ابن ميثم: شرح نهج البلاغة: 4 / 291.
16)ابن ميثم: شرح نهج البلاغة: 4 / 317.
17)نهج البلاغة: ص392.
18)بحار الأنوار: 14/479.
19)استشهدت مصادر التراث بهذا البيت كثيرا دون الإشارة لقائله. ينظر: الزمخشري: الكشاف: 3/131. أو حيان الأندلسي: البحر المحيط: 7/43 . الأفندي: تنزيل الآيات على الشواهد من الأبيات: ص498. حبيب الله الخوئي: شرح نهج البلاغة: 11/315. الآلوسي: روح المعاني: 19/135. الشنقيطي: أضواء البيان: 2/316.
20)حبيب الله الخوئي: منهاج البراعة: 11 / 267.
21)ابن ميثم البحراني: شرح نهج البلاغة: 4 / 317.
22)نهج البلاغة: ص 299.
23)حبيب الله الخوئي: منهاج البراعة: 9 / 320.
24)حبيب الله الخوئي: منهاج البراعة: 9 / 320 – 321.
25)الصدوق: الأمالي ص130، الخصال ص271، علل الشرائع 1/130، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2/87، الطبرسي: مكارم الأخلاق ص115، الأشتري: تنبيه الخواطر 2/475، الحر العاملي: وسائل الشيعة 12/62، 24/256، البحراني: حلية الأبرار: 1/215، المشهدي: كنز الدقائق: 5/63، البروجردي: جامع أحاديث الشيعة 14/307.
26)مكارم الأخلاق/الطبرسي/ ص37.
27)امتاع الأسماع/المقريزي/ج2 ص189.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.