Take a fresh look at your lifestyle.

الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) وبناء الدولة المدنيّة

0 226

         إن دولة يثرب التي أقامها رسول الله (صلى الله عليه وآله) والتي تستمد تشريعاتها من الإسلام، هي بلا شك انطلقت ولا زالت الدولة الفكرية والقانونية التي أُنشئت على أساس سيادة القانون الإلهي الخالد، ولازال المعاندون وعصاة التاريخ وكل المتنكرين للفطرة والحق والعدالة يتخبطون بين أقصى اليمين وأقصى الشمال، جاعلين من البشرية ألعوبةً ومختبرًا لنظرياتهم القاصرة والمقصرة، بينما نجد أن سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) قد صدعت برسالة خاتم الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله الطاهرين ومنقذ البشرية من الضلالات والانحراف(1).

         فبعد وصوله (صلى الله عليه وآله) يثرب مهاجراً من مكة، شرع بوضع أسس الدولة المدنية، فقام ببناء مقر تلك الدولة الحديثة وهو المسجد الذي يعدّ مكانًا للعبادة، ومركزاً ومقراً للحكومة، حيث تجري فيه الاجتماعات والتخطيط للدفاع عن المدينة من الأعداء وتعبئة الجند، وإلقاء البيانات والارشادات وحل النزاعات بين الناس والقضاء بينهم، ومن ثم بيتاً لمال المسلمين فيه تجمع الزكوات وفيه توزع على مستحقيها.

        وبما أن مجتمع المدينة كان ذا ولاءات متعددة، نظرًا لخلفياته القبلية والعرقية والدينية، ففيه القبائل العربية ومنها الأوس والخزرج المتناحرة عبر تاريخها، وقد جاءهم المهاجرون مع النبي (صلى الله عليه وآله) من مكة، وفيها اليهود، وحولهم النصارى. فقد قام الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) بتوحيد هذه الولاءات وتذويب الفوارق الطبقية وتهذيب الانتماءات القبلية والعرقية وجعل الإسلام هو المعيار للتفاضل، والمحور الذي يدور فيه مواطنو يثرب.

         فقد أعلن النبي (صلى الله عليه وآله) الدستور الأول للدولة الإسلامية الكبرى، وذلك في وثيقة تنظم حياة الفرد والمجتمع وتحدد الحقوق والواجبات لجميع الناس، وقد سميت فيما بعد بـ (صحيفة المدينة)، (إن إصدار هذهِ الوثيقة (الصحيفة) يمثل تطوراً كبيراً في مفاهيم الاجتماع السياسي، فهذهِ جماعة تقوم لأول مرة في الجزيرة العربية على غير نظام القبيلة، وعلى غير أساس رابطة الدم، حيث انصهرت قبيلتا الأوس والخزرج في جماعة الأنصار، ثم انصهر الأنصار والمهاجرون في جماعة المسلمين، ثم ترابطت هذه الجماعة المسلمة مع اليهود الذين يشاركونهم الحياة في المدينة إلى أمد، ولأول مرة بحكم القانون حيث ترد الأمور إلى الدولة ومن خلال تغيير شامل وتحوّل سريع طوى الدستور صفحة اجتماعية طابعها القبيلة، وفتح صفحة جديدة أكثر إيجابية وأقرب إلى الترابط والتكامل والوحدة الفكرية(2).

          إن نصوص هذه الصحيفة منبثقة من القرآن الكريم في المبادئ العامة، من حيث اعتبار المسلمين أُمة واحدة من دون الناس، ومن حيث التراحم والتعاون بينهم، ومن حيث الاحتفاظ برابطة الولاء وما يترتب عليها من حقوق بينهم، ثم من حيث مراعاة حقوق القرابة والصحبة والجوار، كذلك تحديد المسؤولية الشخصية والبعد عن ثارات الجاهلية وحميتها وفي وجوب الخضوع للقانون، وردّ الأمر للدولة بأجهزتها للتصرف بالأمور، وفي شؤون الحرب والسلم، وأن حرب الأفراد وسلمهم إنما تدخل في الاختصاص العام فلا تحدث فردياً، وكذلك معاونة الدولة في إقرار النظام والأخذ على يد الظالم وعدم نصر المحدث وإيوائه، ومن ثم أعطت هذه الصحيفة صفة للجماعة الإسلامية بعد تقييد الحدود القبلية، أو على الأقل لم يجعل النبي (صلى الله عليه وآله) لها وجوداً رسمياً بالنسبة للدولة أو بلفظ آخر ارتفع هو عن المستوى القبلي المحدد، وبهذا أصبح الإسلام ملكاً لمن دخل فيه، فدخلت بناءً على هذه القاعدة شعوب كثيرة في الإسلام من دون أن يضع الرسول (صلى الله عليه وآله) أمامها عقبات تحول بينها وبين الانخراط في العالم الإسلامي(3).

 

أهم بنود الوثيقة:

1ـ جعل المسلمين أمة واحدة على اختلاف شعوبهم وقبائلهم.

2ـ إقرار المهاجرين من قريش على عاداتهم وسننهم في أحكام الديات والدماء، وقد نسخ ذلك أخيرًا بفرض الحدود والديات على أسلوب خاص وضعه الإسلام وبينته بالتفصيل كتب الفقه الإسلامي.

3ـ مسؤولية المهاجرين عن فداء أسيرهم وتخليصه من أيدي المشركين.

4ـ المسؤولية الشاملة لجميع الطوائف والقبائل بأن تفدي أسيرها بالقسط والمعروف.

5ـ إقرار القبائل التي وردت أسماؤها في الصحيفة على عاداتها، وإن كل طائفة مسؤولة عن فداء عانيها.

6ـ قيام المؤمنين بإعانة المثقل منهم بالديون من أجل الفداء.

7ـ إنكار البغي والظلم وشجبه في جميع المجالات ومناهضة القائم به وإن كان ولدًا لأحدهم فإنهم مسؤولون جميعًا لو أخلوا به.

8ـ عدم قود المؤمن بالكافر لو قتله، فتؤخذ منه الدية لا غير.

9ـ منح أدنى المسلمين أن يجير أي شخص يشاء.

10ـ عدم السماح للمشركين بأن يجيروا مالًا أو دمًا للمشركين من قريش.

11ـ إن القاتل للمؤمن من غير سبب يقاد به، إلّا أن يرضى أولياء المقتول بالديّة فتؤخذ منه.

12ـ عدم السماح للمسلمين بنصرة المحدثين والمبتدعين في الإسلام ولزوم مقاومتهم.

13ـ قيام النبي (صلى الله عليه وآله) بحل المشاكل والخصومات التي تحدث بين المسلمين أو بينهم وبين اليهود.

14ـ منح اليهود الحقوق العامة من الأمن والحرية وغير ذلك، بشرط أن يسايروا المسلمين، ولا يعيثوا في الأرض فسادًا.

15ـ اعتبار الجار كالنفس غير مضار ولا آثم.

هذه بعض أهم البنود التي احتوتها الوثيقة، والتي تعد أول دستور للدولة الإسلامية، وقد تعرض جماعة من الكتاب الإسلاميين إلى شرحها وايضاح مضامينها(4).

هيكلية الدولة المدنية بحسب الدستور

1. الدولة:

           يقدم هذا الدستور صورة للتنظيم القانوني الذي وضعه الرسول (صلى الله عليه وآله) لترتيب أوضاع المدينة في مراحلها المبكرة من الناحية الاجتماعية والاقتصادية والدينية، وقد شكلت فكرة إيجاد (أمة واحدة من دون الناس) المحور المركزي في إنشاء وتحديد الدولة بنواحيها المذكورة، وهو المحور الذي دارت من حوله مختلف الأحكام والمعالجات في هذا الدستور الوارد في الصحيفة.

2. الشعب:

         يظهر من النصوص التي تضمنتها الصحيفة أن هذه الأمة (الدولة) قد تشكل شعبها من المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب أي من المهاجرين والانصار، ولكنها لم تكن مقصورة عليهم، بل اتسعت لتشمل من تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم، أي كل من ارتضى أن يكون معهم من أهل المدينة، كما عدَّت الصحيفة يهود بني عوف وغيرهم من اليهود المتحالفين من بطون القبائل الأخرى أمة أخرى (أي مكوّن آخر) في هذه الأمة (الدولة) لأنهم ارتضوا العيش في إطارها وعلى وفق المبادئ التي تضمنتها الصحيفة.

           وبذلك كانت الأمة التي حددتها الصحيفة صيغةً وسطاً بين الجماعة الواحدة التي تعتنق ديناً واحداً، وبين الجماعة التي أرسل الله عزوجل لها رسوله محمدًا (صلى الله عليه وآله) سواء آمنوا بهِ أم لم يؤمنوا(5).

3. الإطار الفكري:

           إن هذهِ الأمة هي الجماعة التي ارتضت أن تعيش في إطار الإسلام بمنظوماته الفكرية ونظمه المختلفة الحاكمة وتحت قيادة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) سواء آمنوا برسالته الإسلامية أم لم يؤمنوا بها، وهكذا تشكل الهيكل والإطار السياسي والفكري العام لهذه الأمة.

4. الإطار الاجتماعي:

           إن هذه الأمة التي حددتها الصحيفة وأفسحت لها مجال التطور والتوسع لتتحول إلى دولة تضم دولاً أخرى وجغرافية أخرى فتجاوزت حدودها الأولى إلى دولة عالمية تضم شعوباً جديدة بلغات جديدة، فلم تحاول إلغاء النظام القبلي الذي كان الناس يعيشون في إطاره منذ زمن بعيد، بشكل تام بل اعترفت به وحاولت في الوقت نفسه تعديله وتهذيبه ليتفق مع فكرة الأمة الواحدة(6).

5. إطار الحقوق والواجبات:

          لقد نظمت الصحيفة حقوق الأفراد والتزاماتهم في المجتمع، فنصت على أن جميع أفراد الأمة متساوون في حق الجوار لأن (ذمة الله واحدة يجير عليهم أدناهم)(7) غير أن الصحيفة قيدت هذا الحق بالنسبة للمشركين من قريش لأنها، كانت في حالة حرب مع المشركين.

         كما نصت الصحيفة على احترام حقوق الولاء إلّا بأخذ الإذن والموافقة من أجل تجنب الخلافات، كما أكدت الصحيفة المسؤولية الفردية في المجتمع فلا يحاسب الفرد إلا على أعماله ولا يؤخذ بجريرة غيره كما كان الأمر في ظل القيم القبلية القائمة على العصبية.

6. تعدد المكونات وحريتها:

           أشارت الصحيفة لمجموعات بشرية يتشكل منها مجتمع دولة المدينة من المسلمين واليهود من سكان المدينة وممن يلتحقون بهم، وهذا يعطي صفة الاتساع والاستقطاب والتعددية بمفاهيمها المختلفة التي تتصف بها هذه الدولة مع ضمان حقوق وحرية ممارسة عقيدة وطقوس هذه المكونات.

           لقد اعترفت الصحيفة لليهود بحرية ممارسة عقيدتهم، وديانتهم كما ضمنت لهم الحماية والمساواة في المعاملة فنصت على أنه: (من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة، غير مظلومين ولا متناصر عليهم) لقد أقرت الصحيفة مفهوم الحرية الدينية بأوسع معانيه، وضربت عرض الحائط مبدأ التعصب ومصادرة الآراء والمعتقدات، على اعتبار أن أهل الكتاب سيتجاوبون مع الدعوة الجديدة ويسندونها في لحظات الخطر والصراع ضد العدو الوثني المشترك، أو أنهم على أسوأ الاحتمالات والتقادير سيكفون هذه الدولة شرورهم. كما نصت على مبدأ المسؤولية الفردية لليهود كما لغيرهم.

7. مصدر السلطات:

            إن دراسة نصوص الصحيفة تشير إلى أنها جاءت تنفيذاً للمبادئ التي قررها القرآن الكريم، فقد نصت على أن صاحب السيادة والقرار والحكم في هذه الدولة (المدينة) هو الله تعالى، أما الرسول (صلى الله عليه وآله) فيمثل السلطة التنفيذية والقضائية التي تدير الأمور وتوجهها على وفق أوامر الله تعالى وتشريعاته، فقد ورد في نص الصحيفة على وجوب الرجوع إلى الله ورسوله فيما يختلف فيه، كما في النص التالي: (وإنكم مهما اختلفتم فيه من شيء فإن مرده إلى الله عزوجل وإلى محمد (صلى الله عليه وآله))، مطابقاً لما ورد في القرآن الكريم: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ)(النساء: 59)،

           إذاً نحن الآن أمام دولة تتوافر لها عناصر الدولة من إقليم محدد بأرض المدينة وضواحيها، وشعب مؤلف من المهاجرين والأنصار واليهود، وسلطة متمثلة بحكومة الرسول (صلى الله عليه وآله) واستقلال كامل في حكم شعبها وإقليمها، حيث لم يكن مصطلح الدولة معروفًا بمعناه القانوني والسياسي عند العرب المسلمين قبل هذه المرحلة.

 

الخاتمة

          من الواضح أن هذا الدستور يؤسس لنظام الدولة المدنية الواحدة التي تستوعب كل أعراقها وأديانها ومذاهبها وطوائفها المختلفة.

          ولا شك أنه يُعنى بالدرجة الأولى بوحدة الأمة الإسلامية ومسألة التعايش بين الجميع والتي تعد أمل وطموح كل مسلم يريد الخير والإصلاح لأبناء هذه الأمة.

             ومن هنا نجد النصوص القرآنية تؤكد على ضرورة التآلف والتآخي محذرة من الفرقة والاختلاف، قال تعالى: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ)(الانبياء:92).

          وفي هذا المسار كانت بيانات الرسول والنصوص التي وردت عن أهل بيت النبوة صلوات الله وسلامه عليهم، هي الدعوة لجعل الإسلام والوحدة محور حركة المسلمين وقوتهم، وكما يقال في ظل (كلمة التوحيد وتوحيد الكلمة) وليس بالضرورة أن هذه النصوص يتوقف مرادها في حدود الاجتماع الإسلامي، إنما تتعداه إلى التعايش السلمي مع معتنقي الديانات الأخرى، فالإسلام كدين سماوي يرى أن هناك أصولاً ومشتركات جامعة بين أهل الديانات السماوية المختلفة منها:

1– وحدة الديانات: وهي الأصول المشتركة بين أتباع الديانات.

2– الوحدة الإنسانية: وهي الأصول المشتركة بين الأجناس البشرية.

3– وحدة النظم الحياتية: وهي نظم وقوانين الحياة والانسجام والتوافق، وقوامها الطبع الاجتماعي عند البشر. وحاجة الإنسان إلى غيره والتعامل معه.
وإن ضبط الحياة الإنسانية وإلزام المجتمع بنظم العدل والعدالة يمثل الأسس الضرورية التي تبتني عليها ركائز نظام التعايش السلمي والتآلف الاجتماعي.
قال تعالى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا) (آل عمران: 64).

           وهي الكلمة التي تشير إلى أن جميع البشرية بما أنها متساوية النسبة في العبودية لله تعالى فلا بد أن يتساوى الجميع في حق العيش والمواطنة والاجتماع). إن التشريع الإسلامي هو النور الذي يقود البشرية كما يصرح بذلك القران الكريم: (أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ)(إبراهيم:11)، وما دونه من السياسات والنظريات والتشريعات هي الظلمات، سواء الجاهلية الساذجة القديمة، أو المنظمة كما في التشريعات الوضعية ومعسكريها الشرقي والغربي.

          لا مجال للمقارنة بين وضعية القانون اللّاشرعي وشرعية الأحكام الشرعية من حيث النظرية والتطبيق كون القانون الوضعي قانون يضعه الإنسان بما تمليه عليه أفكاره وآراؤه وحاجاته التي تتميز بمحدوديتها وقصورها والناشئة نتيجة لعنصريته وأنانيته، بينما يمثل الإسلام رؤية السماء لدور الإنسان وخلافته في الأرض في ضوء ما شرعه الله تعالى.

 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1)سيرة الرسول في القيادة والمناهج الإنسانية/الشيخ سالم الصفار/ص18.
2)الإسلام وحركة التاريخ/أنور الجندي/ص33-34.
3)ينظر: مكة بين الجاهلية والإسلام/أحمد إبراهيم الشريف/ص393-399، الدولة الإسلامية / فلهوزن/ص11-15، دولة الفكرة/ فتحي عثمان/ص59-63.
4)النظام السياسي في الإسلام/باقر شريف القرشي/ ص36-37.
5)الأمة والجماعة والسلطة/السيد رضوان/ص44.
6)ينظر: ن.م/ص54.
7)نص الصحيفة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.