Take a fresh look at your lifestyle.

العناصر الفنية في وصية الإمام الكاظم (عليه السلام) لهشام بن الحكم

0 676

 

              تعرف الوصية بأنها كلام يوجهه الموصي إلى شخص محدد تنفيذاً لعلم أو إرشاداً لسلوك عبادي معين بالتزامه به في حياة الموصي أو بعد وفاته، وتتم الوصية في حياة الموصي إلى وال ٍ أو قاض ٍ أو عامل أو قائد عسكري، في حين تتم الوصية في ما بعد الوفاة بالمطالبة بتنفيذ عمل عبادي يتحدد بأولاده أو أقاربه أو غيرهم(1)،

             وقد تكون على شكل رسالة تُكتب إلى أحد الأشخاص، أو خطاب يُوجه إلى طرف، وتتميز بوحدة الموضوع أو بتنوع الموضوعات، وكل موضوع يتميز بموضوع جزئي بحيث تلتقي الموضوعات الجزئية عند مصب فكري متجانس(2).

            ويعنينا من ذلك، أن نقدم نموذجاً من أدب الإمام الكاظم (عليه السلام) في ميدان الكلمة أو التوصية،… متمثلاً في خطابه المعروف الذي وجهه إلى هشام بن الحكم، وهو خطاب يخضع لوحدة موضوعية هي سمات الشخصية الإسلامية العقلية والنفسية والاجتماعية، فلم يقتصر الإمام الكاظم (عليه السلام) على رسم السمات النفسية بل تجاوز إلى رسم السمات الشاملة للشخصية وفي مقدمتها السمات العبادية فلم يفصل بين ما هو عبادي من (الإيمان، والطاعة،…) ،وما هو نفسي مثل (الكآبة ، وما يضادها) أو ما هو عقلي مثل (الحفظ أو النسيان) بل يجمعها في وحدة سلوكية على أن هذا التصنيف للسمات أقرب إلى العلم منه إلى الفن، بيد أنّ الإمام لم يعرض لهذا التصنيف إلا في سياق فني هو فن الكلمة أو التوصية فقد أخضع الإمام الكلمة إلى وحدة الموضوع من جانب مع توشيحها بلغة الفن من جانب آخر،

             ولعل أهم ما عالجته هذه الوصية هو دور العقل من خلال النهج القرآني الذي أكد دور العقل كحجة لله على العباد من خلال مسألة الإيمان والكفر والضلال والاستقامة والانحراف، سلبيات السلوك وإيجابياته من خلال تحريكه أو تجميده ثم دخوله في التفاصيل العملية المتنوعة لأوضاع الإنسان الفردية والاجتماعية فالعقل لم يعد مجرد قوة تتصل بالكليات العامة بل تحول قاعدة للوعي التفصيلي المحدد للإنسان مواقع الحكمة في حياته بحيث يضع الأشياء في موضعها المناسب، ويدرس الأمور بطريقة واعية وبحسابات دقيقة ولا يكتفي بالنتائج الفكرية فلا بد أن يتحرك في خط النتائج العملية.

             ثم انطلقت الوصية لتربط الخوف من الله والعمل للآخرة والتوازن في السلوك الاجتماعي، والاتزان في الكلام بالعقل مما يجعل من هذه الوصية وثيقة إسلامية للمنهج القرآني في تقييم العقل، وفي مسؤولية تحريكه، وفي الأفق الواسع الذي يتحرك من خلاله الإنسان في عالم الفكر والعمل، وبذا يتداخل المنهج الأخلاقي مع المنهج العقلي فلا يقع المسلم في قبضة الخرافة، ولا يتحرك في أجواء الوهم والخيال.

             وقد احتشدتْ في وصية الإمام الكاظم (عليه السلام) إلى هشام بن الحكم مجموعة من العناصر الفنية المتنوعة المتمثلة بالعناصر الإيقاعية والصورية واللفظية والبنائية، ويمكن أن نلمع إلى هذه العناصر بالآتي(3):

العبارة المسجّعة أو المجنّسة التي طغت ْ على نص الوصية من ذلك مثلاً قوله: (يا هشام من صدق لسانه زكى عمله، ومن حسنت نيته زيد في رزقه، ومن حسن بره بإخوانه وأهله مدّ في عمره. يا هشام لا تمنحوا الجهال الحكمة فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم. يا هشام كما تركوا لكم الحكمة فاتركوا لهم الدنيا. يا هشام لا دين لمن لا مروّة له، ولا مروّة لمن لا عقل له، وأنّ أعظم الناس قدراً الذي لا يرى الدنيا لنفسه خطراً، أما إنّ أبدانكم ليس لها ثمن إلا الجنة فلا تبيعوها بغيرها …)(4).

العناصر الصورية المتمثلة بعناصر التشبيه والاستعارة والتمثيل والرمز، والتشبيه هو فن من فنون علم البيان في البلاغة العربية يقوم على عقد مماثلة بين أمرين أو أكثر وجعل أحدهما مشابهاً للآخر لاشتراكهما في صفة أو أكثر بأداة تشبيه لغرض يقصده المتكلم(5) فمن التشبيهات قوله (عليه السلام): (يا هشام إن مثل الدنيا مثل الحية مسها لين وفي جوفها السم القاتل، يحذرها الرجال ذوو العقول ويهوي إليها الصبيان بأيديهم … يا هشام مثل الدنيا مثل ماء البحر كلما شرب منه العطشان ازداد عطشاً حتى يقتله)(6) ،

           إذ تضمنت الصورة التشبيهية تشبيهين للدنيا:

الأول: تشبيهه الدنيا بالحية التي تقتل الإنسان بسمِّها،

والثاني: تشبيهه الدنيا بماء البحر الذي لا يروي الظمآن حتى يموت من الظمأ وكذا قوله:

          (يا هشام إنّ الزرع ينبت في السهل ولا ينبت في الصفا. كذلك الحكمة تعمر في قلب المتواضع ولا تعمر في قلب المتكبر الجبار…)(7)، وكذا قوله:

            (يا هشام إنّ كل الناس يبصر النجوم ولكن لا يهتدي بها إلا من يعرف مجاريها ومنازلها. وكذلك أنتم تدرسون الحكمة ولكن لا يهتدي بها منكم إلا من عمل بها)(8).

       ومن الاستعارات قوله:

             (يا هشام لا تمنحوا الجهال الحكمة فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم )(9) ،

             وثمة استعارة مكنية فيها تشخيص فضلاً عن تشبيه بليغ في قوله:

         (يا هشام إياك والطمع ، وعليك باليأس مما في أيدي الناس، وأمت الطمع من المخلوقين، فإن الطمع مفتاح الذل، واختلاس العقل، واختلاف المروات، وتدنيس العرض، والذهاب بالعلم،…)(10)،

          فقد استعار للطمع موتاً إذ شبّه الطمع بشخص حي دلّ عليه بذكر لازم من لوازمه، ومع هذه الاستعارة وغيرها من الاستعارات (نعايش تلاقياً بين سياقين ودلالتين فالكلمة المستعارة من محيط بعيد عما يجري في السياق الأساسي لا تنفصل دلالتها، وتتحول بل هي تحمل ظلال السياق القديم، وتكتسب من هذا الإطار الدلالي الجديد فتغدو كلمة جديدة إذ لا تبقى على حالتها السالفة)(11) ،

           ثم جاء بتشبيه بليغ حُذفَتْ أداته ووجه الشبه فقد شبّه الطمع بمفتاح الذل واختلاس العقل وغيرهما، ومن التمثيل قوله: (يا هشام إن ضوء الجسد في عينه، فإن كان البصر مضيئا استضاء الجسد كله. وإن ضوء الروح العقل…)(12)، وهي صورة استعارية مركبة، فضوء الجسد في البصر، وضوء الروح في العقل أو البصيرة، الصور الجزئية الموجودة في الوصية تشكل بمجموعها صورة كلية إذ الصورة المركبة من (الزرع وعلاقته بالسهل والصفا)، ومن شموخ الرأس وخفضه وعلاقته بالجرح، وعلاقة أولئك بالحكمة، وبالتواضع تشكل صورة كلية، وكذلك تفسر سبب اللجوء إلى العناصر الفنية لتقديم الحقائق المرتبطة بفاعلية العقل،

            لذا ينتهي الإمام من تقرير هذه الحقائق إلى التعبير عن سمات الشخصية الإسلامية بالمقابلات بذكر الصفة وضدها، وهو ما يسميه البلاغيون بالطباق حتى يوصل هذه الصفات إلى أكثر من سبعين صفة فالإيمان يقابله الكفر، والرجاء يقابله القنوط ، والحفظ يقابله النسيان، والفهم يقابله الغباوة، وغيره(13) كما في قوله لهشام:

             (إِنَّ اللَّه عَزَّ وجَلَّ خَلَقَ الْعَقْلَ وهُوَ أَوَّلُ خَلْقٍ مِنَ الرُّوحَانِيِّينَ عَنْ يَمِينِ الْعَرْشِ مِنْ نُورِه فَقَالَ لَه أَدْبِرْ فَأَدْبَرَ ثُمَّ قَالَ لَه أَقْبِلْ فَأَقْبَلَ فَقَالَ اللَّه تَبَارَكَ وتَعَالَى خَلَقْتُكَ خَلْقاً عَظِيماً وكَرَّمْتُكَ عَلَى جَمِيعِ خَلْقِي… )(14).

التضمين أو الاقتباس من القرآن الكريم، وأحاديث النبي (صلى الله عليه وآله)، وأقوال أمير المؤمنين (عليه السلام)، وبعض الأئمة (عليهم السلام)، وهذا مما يشد تماسك النص بنائياً ونصياً لاسيما وأنّ القرآن والعترة صنوان لا يفترقان بنص النبي (صلى الله عليه وآله) إذ يقول في ذلك: (إني تارك فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض(15) ،

            ويعرّف الاقتباس بأنه فن يقوم على تضمين الشعر أو النثر آية قرآنية أو حديثاً أو مثلاً، إما باللفظ والمعنى، وإما بالمعنى دون اللفظ، وذلك بجعل النص المقتبس متداخلاً مع دلالة النص المقتبس له(16)، بحيث لا يفهم منه النقل عن القائل الحقيقي(17)،

             ويسمى هذا الفن في الدراسات الحديثة بالتناص وظهرت مصطلحات أخرى مرادفة للتناص هي التناصي والتناصية وتداخل النصوص بفعل التأثير الاصطلاحي الذي ظهر في اللغة والنقد(18).

            ويعزو كثير من النقاد المعاصرين سبب ظهور هذا الفن واستخدمه في الخطاب النقدي المعاصر إلى تأثير المدرسة البنيوية وما فرضته من قيود صارمة على دراسة النص الأدبي فقد رفضتْ كل أثر يشير إلى المبدع وآرائه ورؤاه الفكرية موكّدة أن النص الأدبي بناء لغوي قائم بذاته ويفسر نفسه بنفسه فلا يحتاج إلى مؤثرات خارجية(19).

             ومن اقتباسات الإمام القرآنية قوله: (يا هشام إن الله تبارك وتعالى أكمل للناس الحجج بالعقول، ونصر النبيين بالبيان، ودلهم على ربوبيته بالأدلة، فقال: (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)(البقرة:163ـ 164).

            يا هشام قد جعل الله ذلك دليلا على معرفته بأن لهم مدبرا، فقال: (وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)(النحل:12))(20).

            ومن تضمين الإمام أحاديث النبي (صلى الله عليه وآله) قوله:

          (يا هشام قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إذا رَأَيتُمُ المُؤمِنَ صَموتًا فَأدنوا مِنهُ فَإِنَّهُ يُلقِي الحِكمَةَ. والمؤمنُ قَليلُ الكَلامِ كَثيرُ العَمَلِ والمُنافِقُ كَثيرُ الكَلامِ قَليلُ العَمَلِ)(21).

             ومن تضمين الإمام أقوال أمير المؤمنين (عليه السلام) قوله:

             (يا هشام كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: مَا عُبِدَ اللهُ بِشَيْءٍ أَفْضَلَ مِنَ الْعَقْلِ ومَا تَمَّ عَقْلُ امْرِئٍ حَتَّى يَكُونَ فِيه خِصَالٌ شَتَّى الْكُفْرُ والشَّرُّ مِنْه مَأْمُونَانِ والرُّشْدُ والْخَيْرُ مِنْه مَأْمُولَانِ،… ))(22).

الإجمال والتفصيل: ويعرف الإجمال بأنه صياغة الدلالة بعبارات عامة لا تتضح جزئياتها ومعالمها إلا بالتفصيل الذي تتبين من خلاله معالم الشيء وجزئياته(23)، ومثال ذلك في الوصية قوله (عليه السلام):

              (يا هشام إن أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يقول: لَا يَجْلِسُ فِي صَدْرِ الْمَجْلِسِ إِلَّا رَجُلٌ فِيه ثَلَاثُ خِصَالٍ، يُجِيبُ إِذَا سُئِلَ، ويَنْطِقُ إِذَا عَجَزَ الْقَوْمُ عَنِ الْكَلَامِ، ويُشِيرُ بِالرَّأْيِ الَّذِي يَكُونُ فِيه صَلَاحُ أَهْلِه، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ فِيه شَيْءٌ مِنْهُنَّ فَجَلَسَ فَهُوَ أَحْمَقُ)(24).

             ومن ذلك أيضاً في تضمينه قول الإمام الحسن (عليه السلام)، وقول الإمام السجاد (عليه السلام)قوله: (وقَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ (عليه السلام): إِذَا طَلَبْتُمُ الْحَوَائِجَ فَاطْلُبُوهَا مِنْ أَهْلِهَا، قِيلَ يَا ابْنَ رَسُولِ الله ومَنْ أَهْلُهَا؟ قَالَ: الَّذِينَ قَصَّ الله فِي كِتَابِه وذَكَرَهُمْ، فَقَالَ: (إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الأَلْبابِ) قَالَ: هُمْ أُولُو الْعُقُولِ،

            وقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ (عليه السلام) مُجَالَسَةُ الصَّالِحِينَ دَاعِيَةٌ إِلَى الصَّلَاحِ وآدَابُ الْعُلَمَاءِ زِيَادَةٌ فِي الْعَقْلِ وطَاعَةُ وُلَاةِ الْعَدْلِ تَمَامُ الْعِزِّ واسْتِثْمَارُ الْمَالِ تَمَامُ الْمُرُوءَةِ وإِرْشَادُ الْمُسْتَشِيرِ قَضَاءٌ لِحَقِّ النِّعْمَةِ وكَفُّ الأَذَى مِنْ كَمَالِ الْعَقْلِ وفِيه رَاحَةُ الْبَدَنِ عَاجِلاً وآجِلاً))(25).

 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1)ينظر: تاريخ الأدب العربي في ضوء المنهج الإسلامي/ د.محمود البستاني 476.
2)ينظر: أدب الشريعة الإسلامية / د.محمود البستاني 311.
3)ينظر: تاريخ الأدب العربي في ضوء المنهج الإسلامي/ د.محمود البستاني 478-479.
4)الكافي/ الكليني 2/155، وينظر: تحف العقول/ ابن شعبة الحراني 388.
5)ينظر: أساليب البيان في القرآن / السيد جعفر الحسيني 205والبلاغة الحديثة في ضوء المنهج الإسلامي/ د.محمود البستاني 93.
6)تحف العقول396.
7)المصدر نفسه ،المكان نفسه.
8)ينظر: المصدر نفسه392.
9)ينظر: المصدر نفسه389.
10)ينظر: المصدر نفسه 399.
11)جماليات الأسلوب – الصورة الفنية في الأدب العربي/د. فايز الداية 120.
12)تحف العقول 396.
13)ينظر: تاريخ الأدب العربي 479-480.
14)الكافي للكليني/ ج1ص21.
15)بحار الأنوار 2/100.
16) ينظر: البلاغة الحديثة 112.
17) ينظر: البلاغة والتطبيق /د.أحمد مطلوب ود. كامل حسن البصير 439.
18) ينظر: اللسانيات وآفاق الدرس اللغوي/ د. أحمد محمد قدّور120.
19) ينظر: التناص بين النظرية والتطبيق – شعر البياتي نموذجاً / د.أحمد طعمة حلبي 13.
20) الكافي للكليني/ ج1ص13.
21) تحف العقول 397.
22) الكافي للكليني/ ج1ص18.
23) ينظر: البلاغة الحديثة 64-65.
24) بحار الأنوار 1/141.
25) الكافي للكليني/ج1ص19.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.