Take a fresh look at your lifestyle.

الزواج من منظور آيات الأحكام

0 312

 

              لقد خص الباري عز وجل الإسلام بجملة من الأحكام التي أفرد لها القرآن الكريم آيات عديدة سميت بآيات الأحكام، والتي صنف العلماء فيها المؤلفات، فمنهم من أوصلها إلى خمسمائة آية، ومنهم من قال إنها ثلاثمائة، في حين لم يحددها آخرون بعدد معين، قائلين إن القرآن كله أحكام، رعاية منه تعالى لحفظ النظام لدى منتحلي الإسلام. ومن تلك الأحكام، الأحكام التي تتعلق بالزواج، ذلك النظام الذي يمكن للإنسان من خلاله بناء ذاته فضلًا عن مجتمعه، ولم يسن الإسلام نظامًا كنظام التزويج، ولولاه لما سعدت البشرية، ولتمزقت عرى الأمم والمجتمعات.

لقد شرع الإسلام ثلاثة أنواع من الزواج، وهي كما يلي :

    الأول: الزواج الدائم

ويعني اصطلاحًا : العلاقة الزوجية الناتجة عن عقد دائم بين الزوجين مع توفر الشروط(1).

          وقد وردت آيتان في الكتاب العزيز ذكرفيهما هذا النوع من أنواع الزواج وهي:

1. (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)(الروم:21).

2. (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ )(النساء:3).

الحكم المستنبط من الآيتين :

   1. يستفاد من الآيتين أعلاه استحباب الزواج مؤكدًا، كما أشار إلى ذلك جملة من الفقهاء، منهم الشيخ المفيد والعلامة الحلي(2) وغيرهما، هذا في الحكم الأولي، وقد يتحول إلى الوجوب إذا غلبت على المرء شهوته خوفًا من الوقوع في الحرام.

    2. وهو المراد في المقام، من أن ذكر العدد في الآية الثانية هو في خصوص النكاح الدائم دون غيره(3).

مع أن الآيتين لم تشيرا إلى النكاح الدائم فحسب.

    3. النتيجة : إن إشارة الآية إلى مثنى وثلاث ورباع يستدل منه على استحباب الزواج بالعقد الدائم.

    الثاني: النكاح المنقطع أو (المتعة):

           ويقصد به اصطلاحًا : العلاقة بين الزوجين المترتبة عن العقد بينهما بين الزوجين لفترة مؤقتة مع توفر الشروط(4).

وقد ذكر القرآن الكريم ذلك في قوله تعالى :

          (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ مِن بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً )(النساء:24).

الحكم المستنبط من الآية:

انقسم الفقهاء على عدة آراء في مشروعية واستحباب زواج المتعة، وكما يلي:

1. الإمامية : يستدلون بالآية وجملة من الروايات على الاستحباب.

2. جمهور الفقهاء من المذاهب الإسلامية الأخرى لا يرون ذلك، بل يحرمونها(5).

3. استند فقهاء الجمهور إلى قول الخليفة عمر بن الخطاب (متعتان كانتا في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأنا أُحرمهما وأُعاقب عليهما)(6).

4. الرأي الأرجح :عند مقابلة رأي الإمامية ورأي الجمهور يتبين أن الأرجح هو رأي الإمامية، استنادًا لما ورد في الآية الشريفة، كما أن السُنَّة لا يمكن أن تنسخ الكتاب، لأنها في رتبة ثانية بعده، ويؤيد ذلك ما ورد من الروايات التي أكدت صحة رأي الإمامية والتي منها ما ورد عن الإمام علي (عليه السلام) : (لولا ما سبق من رأي عمر بن الخطاب لأمرت بالمتعة، ثم ما زنى إلّا شقي)(7).

الفروق بين النكاح الدائم والمنقطع:

       ذكر الفقهاء جملة من الفروق بين النكاح الدائم والمنقطع وهي(8):

1. يشترط في كليهما التلفظ بصيغة عقد الزواج من الإيجاب والقبول.

      ففي الدائم, تقول المرأة للرجل: زوّجتكَ (أو أنكحتك) نفسي على المهر المعلوم. فيقول الرجل لها: قبلت.

     وفي الموقّت، تقول المرأة للرجل: متّعتك (أو انكحتك) نفسي على المهر المعلوم في المدة المعلومة. فيقول الرجل لها : قبلت.

2. يشترط في كليهما تعيين المهر. ولا فرق بين أن يكون المهر مالاً – كألف دينار أو درهم – أو غير مال كمنفعة أو عمل أو تعليم أو غير ذلك.

3. يشترط في كليهما إذن الولي – الأب والجد من طرف الأب – إذا كانت البنت بكراً أو من بحكمها، كمن فقدت بكارتها بغير عقد شرعي، ولا يشترط في كليهما إذن الولي إذا كانت المرأة ثيبًا.

4. يشترط في كليهما العدّة بالمدخول بها، لمن تريد أن تتزوّج ثانية.

5. يشترط في الدائم النفقة على الزوجة, ولا يشترط في الموقّت، إلاّ مع الشرط ضمن العقد.

6. يشترط في الموقّت ذكر مدّة التمتّع, كسنة أو شهر أو يوم أو غير ذلك.

7. يشترط في الدائم التوارث بين الزوجين.

8. يشترط الإشهاد في طلاق الزوجة الدائمة.

9. لا طلاق في زواج الموقّت، وإنّما تبين المرأة بانقضاء المدّة المقرّرة أو بهبة بقية المدّة لها.

10. لا يشترط في كليهما الإشهاد حال العقد, بل هو أمر مستحب.

    الثالث : (ملك اليمين)

            ملك اليمين اصطلاحًا: هم الأرقاء المملوكون لِمن ملكهم عبيداً، ذكوراً أو إناثاً. والمقصود به في المقام النساء مِن الرقيق، وهنّ الإماء، إذ يحقّ لمالكهنّ أن يطأهنّ مِن غير عقد زواج، ولا شهود، ولا مهر، فهنّ لسن أزواجاً، فإذا جامعهن سُمّيْنَ (سراري) جمع: سُرّيـة(9).

وقد وردت في الكتاب العزيز عدة آيات تذكر هذا النوع من الزواج، وهي :

1. قوله تعالى:(وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ مِن بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً)(النساء:24).

2. (وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ )(النساء:25).

3. (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ )( المؤمنون:5ـ 7).

4. (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آَتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا)(الأحزاب:50).

الحكم المستنبط من الآيات الشريفة:

           مشروعية زواج الإماء بل واستحبابه، وقد فعله الأنبياء، فقد تسرَّى إبراهيم (عليه السلام) من هاجر فولدت له إسماعيل (عليه السلام). وفعله نبينا (صلى الله عليه وآله)، وفعله الصحابة والصالحون والعلماء وأجمع عليه العلماء كلهم ولا يحل لأحد أن يحرمه أو أن يمنعه، ومن يحرم فعل ذلك فهو آثم مخالف لإجماع العلماء. ولا خلاف في إباحة التسري ووطء الإماء؛ لقول الله تعالى : (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ).

          وقد كانت مارية القبطية أم ولد، وهي أم إبراهيم ابن النبي (صلى الله عليه وآله) التي قال فيها (أَعِتَقَها ولدُها)، وكان لأمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) أمهات أولاد، وكان لعمر بن الخطاب أمهات أولاد أوصى لكل واحدة منهن بأربعمائة، كما كان لكثير من الصحابة، وكان علي بن الحسين والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله من أمهات الأولاد(10).

مما تقدم يمكننا أن نستنتج جملة من الأمور، وهي:

1. أنه ثمة ثلاثة أنواع من الزواج، هي الدائم والمنقطع وملك اليمين.

2. مشروعية تلك الأنواع بل استحبابها .

3. مما تقدم يتبين مشروعية نكاح المتعة كما ذهب إليه الإمامية.

4. الظاهر أن الحكمة من تشريع نكاح المتعة هو القضاء على جريمة الزنا التي تؤول بالمجتمع إلى الهاوية في وقت لم يتمكن الرجل من تغطية نفقات الأسرة .

5. لعل الحكمة من تشريع زواج الإماء هو بث روح السلم والتعاون بين طبقات المجتمع وإلغاء مسألة الرق تدريجيًا، والتي كانت سائدة في المجتمع آنذاك كأعراف اجتماعية.

            وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1)الصابوني : احكام الزواج في الإسلام،ص12 .
2)الشيخ المفيد: المبسوط ، ص67 . وكذلك اورده العلامة الحلي في شرائع الإسلام 3/4.
3)المصدر نفسه .
4)أحكام الزواج في الإسلام ،ص40 .
5)محمد جواد مغنية: الفقه على المذاهب الخمسة , ص 109.
6)البخاري: صحيح البخاري ،ج 6، باب حرمة نكاح المتعة.
7)كنز العمال/المتقي الهندي/ج16ص523.
8)الفقه على المذاهب الخمسة، ص 41.
9)شرائع الإسلام :3/12 .
10)المصدر نفسه،

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.