Take a fresh look at your lifestyle.

أثر التجويد في تقويم اللسان لتحقيق التدبر

0 6٬156

     

           اختار الله تعالى أن يكون اللسان العربي مظهراً لوحيه، ومستودعًا لمراده، وأن يكون العرب هم المتلقون أولًا لرسالته الخاتمة وإبلاغ مراده؛ لأنهم أفصح الأمم لساناً ولغتهم أسهل اللغات انتشاراً، وأكثرها تحملًا للمعاني مع إيجاز لفظه، قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ)(إبراهيم:4).

          واللفظ هو جسد المعنى، إذ (اللفظ جسم، وروحه المعنى، وارتباطه به كارتباط الروح بالجسم، يضعف بضعفه، ويقوى بقوته)(1).

          (ودراسة قواعد تجويد القرآن الكريم هي التي تعنى بألفاظ القرآن، وتحافظ على قالب المعنى صحيحاً قوياً متيناً سليماً؛ حتى تبقى المعاني في الألفاظ صحيحة سليمةً قويةً، وبقدر صحة الحامل وسلامته تكون صحة المعاني وسلامتها)(2).

          فالتجويد هو اللبنة الأولى للنطق العربي السليم؛ لتعلقه بدراسة أمرين مهمين هما: مخارج الحروف وصفاتها، فمن أتقنهما وأحرز معرفتهما كان مؤهلًا للإلمام بقواعد التجويد النظرية.

         فالالتزام بقواعد التجويد، ولاسيما مخارج الحروف وصفاتها، هو الذي يُسهم في المحافظة على عربية القرآن وفصاحته، ومتى (عريت التلاوة منه لم يكن موافقاً لما جاء عن الرسول (صلى الله عليه وآله) ونقلة القرآن، ومن ثم فإن ملامح الإعجاز الأدائي تتوارى)(3).

          ولا شك في أن سلامة النطق تزيد الفهم، وتعين على التدبر، ومتى ما قرئ القرآن مجوداً مصححاً تلذذت الأسماع بتلاوته، وخشعت القلوب عند قراءته، وجال الفكر في تدبره(4).

1.العناية بمخارج الحروف وصفاتها وأثرها في التدبر:

          يقوم علم التجويد على عنصرين رئيسين هما: مخارج الحروف وصفاتها، فمن أتقنهما سهل عليه الإحاطة بقواعد التجويد الأخرى.

          وقد أكد علماء التجويد منذ وقت مبكر أهمية دراسة المخارج والصفات؛ لأنها مبتنية على أساس الوصول إلى التدبر؛ لأن التدبر يتوقف على إخراج الأصوات من مخارجها بصورة صحيحة.

          وقد أشار مكي إلى ذلك بقوله: (وإذ قد ذكرنا صفات الحروف … فلنذكر الآن مخارج الحروف حرفًا بعد حرف، ونذكر مع كلِّ حرفٍ ما يليق به من ألفاظ كتاب الله تعالى مما في اللفظ به إشكالٌ، أو فيه بعض صعوبةٍ على اللسان، فيتحفَّظ القارئ منه عند قراءته، ويأخذ نفسه بالتجويد فيه وبإعطائه حقّه، وإخراجه من مخرجه)(5)، ويقول الداني: (اعلموا أن قُطبَ التجويد وملاك التحقيق معرفة مخارج الحروف وصفاتها التي بها ينفصل بعضها من بعض، وإن اشترك في المخرج)(6).

         فقدم علماء التجويد دراسة صوتية شاملة تتضمن الحديث عن مخارج الحروف وصفاتها وأحكامها التركيبية؛ وذلك لمعالجة اللحن في القرآن الكريم، الذي يذهب برونقه وجمال نظمه وإعجازه، فضلاً عن فهمه وتدبر آياته .

           فنجدهم قد أكدوا دراسة مخارج الأصوات وصفاتها بشكل كبير، وفصّلوا الحديث فيهما، وسأعرض هنا حديثهم عنها.
والمخرج عندهم: (هو الموضع الذي ينشأ منه الحرف)(7) .

        وعدد مخارج الأصوات عند علماء التجويد على الأشهر سبعة عشر مخرجاً(8)، وقال بعضهم إنها ستة عشر مخرجاً(9)، وأنقصها آخرون لتكون خمسة عشر مخرجاً(10).

وترتيب المخارج بحسب مواضع النطق كالآتي:

          الجوف: وهو مخرج حروف المد الثلاثة (ا، و ، ي)، أقصى الحلق: (ء ، هـ)، وسط الحلق: (ع ، ح)، أدنى الحلق: (غ ، خ)، أقصى اللسان وما فوقه من الحنك الأعلى: (ق)، أقصى اللسان أسفل مخرج القاف (ك)، من وسط اللسان بينه وبين ما يقابله من وسط الحنك الأعلى: (ج ، ش ، ي غير المدية)، من بين أول حافة اللسان وما يليها من الأضراس: (ض)، من حافة اللسان من أدناه إلى منتهى طرف اللسان: (ل) ، من طرف اللسان بينه وبين ما فويق الثنايا العليا: (ن)، من طرف اللسان بينه وبين ما فويق الثنايا العليا غير أنه أدخل إلى ظهر اللسان: (ر)، مما بين طرف اللسان وأصول الثنايا العليا: (ط ، د ، ت)، مما بين طرف اللسان وفوق الثنايا: (ز ، س ، ص)، مما بين طرف اللسان وأطراف الثنايا العليا: (ظ ، ذ ، ث)، مما بين الشفتين: (ب ، م ، و)، من الخياشم: (ن ، م المخفاة)(11).

          الصفة: (كيفية عارضة للحرف عند حصوله في المخرج، وتتميز بذلك الحروف المتحدة بعضها عن بعض)(12).

         وعدد صفات الأصوات عند علماء التجويد على الأشهر ست عشرة صفةً(13)، وقد بالغ بها بعضهم فوصلت لديه إلى أربع وأربعين صفة(14).

وقسّم الحسن ابن أم قاسم المرادي الصفات على قسمين هما:

1ـ صفات مميزة: وهي التي تميز بين الحروف المتشاركة في المخرج ولولاها لاتحدت أصواتها ولم تتميز ذواتها، وهي: (الجهر والهمس، والشدة والرخاوة والتوسط، والإطباق والانفتاح)(15).
والأصوات المهموسة جمعت في قولهم (فحثّه شخصٌ سكت)، وما عداها فهو مجهور، والأصوات الشديدة جمعت في قولهم (أجدك قطبت)، والمتوسطة (لن عمر)، وما عداهما فهو رخوٌ، الحروف المطبقة هي (ص، ض، ط، ظ)، وما عداها فهو منفتح(16).

صفات محسنة: وهي التي تُعطي الصوت جرسه الخاص به، من غير أن يكون له سمة التفريق بين الأصوات، فهي محسنة للأصوات التي تتصف بها فقط، ولا تكون سبباً لتمييزها من غيرها، وهي: (الصفير، والقلقلة، واللين، والانحراف، والتكرار، والتفشي، والاستطالة، والاستعلاء، والغنة)(17).

وأصوات الصفير هي (س، ز، ص)، وأصوات القلقلة هي (قطب جد)، وصوتا اللين هما (ي، و الساكنتان المفتوح ما قبلهما)، وصوت الانحراف هو (ل)، وصوت التكرار هو (ر)، وصوت التفشي هو (ش)، وصوت الاستطالة هو (ض)، وصوتا الغنة هما (ن، م)(18).
           

          وتحدث علماء التجويد عن صفة كل حرف، وبينوا الفرق بينه وبين الصفات المقابلة له إن كان له مقابل، وسجلوا ملحوظاتهم بشأن الأصوات ونطقها وما الذي يفعله الإخلال بالصفات من تغيير في الحروف.

            يقول مكي: (لولا الجهر الذي في العين، لكانت حاءً)(19)، وقال في موضع آخر: (ولولا الهمس الذي في السين لكانت زاياً. كذلك لولا الجهر الذي في الزاي لكانت سيناً، إذ اشتركا في المخرج والصفير، والرخاوة، والانفتاح، والتسفل، وإنما اختلفا في الجهر والهمس)(20).

           وإلى ذلك ذهب محمد المرعشي، إذ قال: (ويفترق الطاء عن الدال بالإطباق والاستعلاء والتفخيم، فلولا هذه الثلاث لكانت دالاً، ولولا أضدادها في الدال لكانت طاء، وعن التاء بهذه الثلاث وبالجهر فلولا هذه الأربع لكانت تاء، ولولا أضدادها في التاء لكانت طاء)(21).

             قال عبد الوهاب القرطبي قديماً: (فأما حسن التخلص من دخول شوائب الحروف بعضها على بعض … فيكون السبب في ذلك أن يجتمع حرفان امتاز أحدهما عن الآخر بمزيَّة ما، إما بتفخيمٍ أو إطباقٍ أو تفشٍّ أو غير ذلك مع إمكان المزيَّة فيه، لأن الحرف بسبب اتحاده بما جاوره يجذبه إلى حيِّزه ويسلُبُهُ المزيّة الخاصة به، أو يدخل معه فيها، أو يحدث بينهما حرف يشبههما)(22).

           ثم يذكر بعد ذلك كيفية التخلص منها، بقوله: (والذي ينبغي أن يعتمده القارئ في ذلك حُسنُ التخلص منه بإفراده كُلٍّ(23) منهما بمزِّيتِه والتَّعمُّل لإيرادهِ بخاصِّيَّته)(24).

             ثم يورد بعد ذلك مثالاً تطبيقياً، إذ يقول: (ومن ذلك السين إذا كانت ساكنة مع حرفٍ من حروفِ الإطباق في كلمةٍ كقوله تعالى: (بِالْقِسْطَاسِ)(الإسراء:35)، (فَمَا اسْطَاعُوا) (الكهف:97) … وكذلك إن تحركت في مثل قوله: (وَلَوْ بَسَطَ)(الشورى:27)، و (لَئِنْ بَسَطْتَ)(المائدة:28) فَتَوَصَّلْ إلى تخليص السين من الإطباق في رِفقٍ وتؤُدةٍ لِئلاَّ تصيرَ صاداً بالقربِ من حروف الإطباق)(25).

رياضة اللسان وأثرها في تقويم اللسان وتصحيح النطق:

             عُنيَ علماء التجويد برياضة اللسان وكثرة التكرار، فكانوا يعتمدون على التلقي والمشافهة من أئمة القراءة، ثم يثبتون ذلك برياضة اللسان –أي تدريبه- وكثرة التكرار، لأجل الوصول إلى غاية الإتقان في تأدية أصوات القرآن الكريم؛ من خلال تأدية حقوقها من المخارج والصفات حال إفرادها، وتوفيتها أحكامها الخاصة حال تركيبها مع الأصوات الأخرى.

             قال الداني بعد تعريفه للتجويد: (وليس بين التجويد وتركه إلاّ رياضةُ مَنْ تَدَبَّرَهُ بِفكِّه)(26).

             وقد تأثّر ابن الجزري بمقولة الداني هذه، حتى ضمّنها في قصيدته المقدمة، إذ قال في البيت الثالث والثلاثين(27):

             وليسَ بَينَهُ وبَينَ تركِهِ            إلاّ رياضةُ امرئ بِفَكِّهِ

            وقال ابن الناظم أحمد بن الجزري في شرحه للبيت: (أي: ليس بين التجويد وتركه فرق إلا رياضة امرئ، أي: مداومته على القراءة بالتكرار، والسماع من أفواه المشايخ الحُذَّاقِ لا مجرد الاقتصار على النقل)(28)، وتابعه على ذلك أغلب شراح المقدمة(29).

           وكان كثيرٌ من علماء التجويد يُشدِّدون على تطبيق أحكام التجويد حال إقرائهم طلبتهم؛ من خلال تأكيدها برياضة اللسان وكثرة التكرار.

            وقد نقل الداني عن سُلَيم أنه قال: (وقف الثوري على حمزة، فقال: يا أبا عمارة ما هذا الهمز والمد والقطع الشديد؟ فقال: يا أبا عبد الله هذه رياضة للمتعلم. قال: صدقت)(30).

            ويظهر من كلامه جواز المبالغة في تأدية أحكام التجويد إذا كان بقصد التعلُّم؛ لترتاض به ألسنة المبتدئين، فيتجنبوا بذلك اللحن الجلي فضلاً عن الخفي.

            وقد جعل ابن الجزري التدريب ورياضة اللسان الطريق الأمثل لتصحيح النطق وتقويم اللسان، إذ قال: (وَلَا أَعْلَمُ سَبَبًا لِبُلُوغِ نِهَايَةِ الْإِتْقَانِ وَالتَّجْوِيدِ، وَوُصُولِ غَايَةِ التَّصْحِيحِ وَالتَّشْدِيدِ، مِثْلَ رِيَاضَةِ الْأَلْسُنِ، وَالتَّكْرَارِ عَلَى اللَّفْظِ الْمُتَلَقَّى مِنْ فَمِ الْمُحْسِنِ)(31).

         وخلاصة القول إن تدريب اللسان ورياضته هما الطريق الأمثل لتحصيل التجويد، إذ بهما يُصَحَح النطق ويُقَوَّم اللسان.

  أثر التجويد في تقويم عيوب النطق وأمراض الكلام لتحقيق التدبر:

           يعجز بعض الناس عن نطق بعض أصوات القرآن الكريم، فنجدهم يبدلون أو يحذفون أو يزيدون صوتاً مكان صوت آخر، كلٌ بحسب درجة العجز لديه، وربما يظل هذا العجز مرافقاً للإنسان طوال حياته، وقد يتجاوزه بالعلاج والمران.

           وقد أولى علماء التجويد هذا الجانب أهمية بالغة فأفرده بعضهم بكتاب مستقل(32)، وضمنه بعضهم في مباحث علم التجويد(33)؛ والسبب في ذلك هو المحافظة على عربية القرآن الكريم وفصاحته؛ لأنَّ القراءة الصحيحة الفصيحة الخالية من الانحرافات النطقية واللهجية هي أول خطوة لتدبر القرآن الكريم وفهم معانيه للوقوف على أسراره وبلاغته. 

 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده 1/124.
(2) أثر القراءة بالتجويد في القرآن المجيد، باسم حمدي حامد السيد: 54.
(3) إبراز المعاني بالأداء القرآني: 54.
(4) ظ: أثر القراءة بالتجويد في القرآن المجيد: 60؛ أفلا يتدبرون القرآن: 104؛ مفهوم التلاوة والترتيل والتدبر في القرآن الكريم: 107.
(5) الرعاية: 144.
(6) التحديد: 104.
(7) ن.م.
(8) ظ: النشر 1/198-199؛ غاية المريد في علم التجويد: 118؛ الميسر في علم التجويد: 40.
(9) ظ: الرعاية: 243؛ التحديد: 104؛ الموضح في التجويد: 78؛ التمهيد في معرفة التجويد: 277؛ بداية الهداية في علم التجويد، عبد المحسن اللويمي الاحسائي: 40.
(10) ظ: مرشد القارئ إلى تحقيق معالم المقارئ، عبد العزيز الاشبيلي: 35؛ قواعد التجويد، محمد جواد العاملي: الورقة 10.
(11) ظ: النشر 1/199-201؛ المنير في احكام التجويد: 105-110؛ الميسر في علم التجويد: 43-51.
(12) شرح المقدمة الجزرية، عصام الدين احمد بن مصطفى طاش كبري زاده: 87.
(13) ظ: التحديد: 107؛ المفيد في شرح عمدة المجيد: 64.
(14) ظ: الرعاية: 115؛ الدر المرصوف في وصف مخارج الحروف، أبو المعالي محمد بن أبي الفرج الموصلي: 96.
(15) ظ: المفيد في شرح عمدة المجيد: 68-69؛ الدراسات الصوتية عند علماء التجويد: 198.
(16) ظ: نهاية القول المفيد 70-73؛ الميسر في علم التجويد: 58-59-60.
(17) ظ: المفيد في شرح عمدة المجيد: 69؛ دراسة مخارج أصوات العربية وصفاتها عند القدماء والمحدثين: 148.
(18) ظ: المنح الفكرية :43-45؛ المفيد في شرح عمدة المجيد: 64-65-66.
(19) الرعاية: 164.
(20) ن.م: 211.
(21) جهد المقل: 166-167.
(22) الموضح في التجويد: 176-177.
(23) هكذا وردت في النص الأصلي والصحيح (كُلاً) لأنّه مفعول به للمصدر (إفراد) المضاف إلى فاعله الهاء.
(24) الموضح في التجويد: 177.
(25) ن.م: 178.
(26) التحديد: 70.
(27) المقدمة فيما على قارئ القرآن أن يعلمه: 4.
(28) الحواشي المفهمة في شرح المقدمة: 182.
(29) ظ: الطرازات المعلمة:140؛ اللآلئ السنية: 54-55؛ الدقائق المحكمة في شرح المقدمة: 66؛ المنح الفكرية: 54.
(30) المصدر نفسه: 91.
(31) النشر 1/213؛ الدراسات الصوتية عند علماء التجويد: 61.
(32) ظ: بيان العيوب التي يجب أن يجتنبها القراء، أبو علي الحسن بن أحمد بن البناء: 35 – 59.
(33) الموضح في التجويد: 217-223؛ أصوات القرآن كيف نتعلمها ونعلمها، يوسف الخليفة: 51-86.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.