Take a fresh look at your lifestyle.

الشرك ودور الأنبياء في علاجه

0 177

    إن من أهم المسائل التي رافقت حياة الإنسان، وأثرت على مسيرته الحياتية الطويلة هي: مسألة الشرك، ذلك الأمر الطارئ الذي دخل حياة الإنسان ليخرجه من نعمة التوحيد إلى مصائد الشرك وتخبطاته. لذا فقد كان الهدف الأسمى لجميع الأنبياء والرسل(عليهم السلام) هو مكافحة الشرك، إذ إنه أساس دعواتهم، وما جاءت به كتبهم السماوية قائم على نبذ الشرك، وإرجاع الإنسان إلى الفطرة السليمة، وذلك لأن الإنسان خَلْقُ الله وعليه توحيده وعبادته، قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (الذاريات:56)،لأن الله سبحانه وتعالى قد سخر كل ما في الأرض لخدمة الإنسان، قال تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (البقرة:29).إلا أن الإنسان أبى إلا عتواً وعناداً وبعداً عن طريق الحق، ليميل مع ما مالت إليه أهواؤه ورغباته وميوله ليقع في أخطر مصيدة، وأعمق حفرة، وأسوء مصير، ألا وهو الشرك.
فالشرك ذلك الظلم الأعظم، وأكبر الكبائر وأقبح الذنوب جار في حياة الإنسان ومتربص به، ولربما فعله الإنسان وسعى إليه بقصد أم بغير قصد، لذا فإن الشرك من الاعتقادات التي حاربها الإسلام بكل صورها وأساليبها. وقد وصف القرآن الكريم الشرك بالظلم العظيم(1)، والافتراء على الله(2)، والمبغوض لدى الله(3)، وغيرها من الأوصاف. كما وقد وصف الله نفسه بأنه تعالى أجل من أن يشرك به. قال تعالى: (فَتَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) (الأعراف: 190)،
ونعت المشركين بالنجس وذلك بسبب افترائهم على الله تعالى، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاء إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (التوبة: 28)
كما وأن الشرك على أنواع وأشكال مختلفة، وقد اتخذ صوراً شتى على مر العصور، كما وأنه كان يخفت تارة ويتأجج أخرى، وينكمش تارة وينتشر أخرى، فالشرك وإن كان في بداية ظهوره بدائياً بسيطاً، إلا أنه وكلما تقدم الزمان بدأ يتخذ صوراً أخرى معقدة تبعاً لتطور التجربة البشرية، وبالنتيجة صار التخلص منه أعقد بل أكثر تعقيداً مما كان في الماضي، ألا إن كل أنواع الشرك سواء منها القديم أم الجديد تشترك في شيء واحد ألا وهو: (عبادة وطاعة غير الله تعالى).
قال تعالى: (الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللهِ إِلـهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) (الحجر:96)
فلابد أن نعلم أن مسيرات الأمم ما انفكت باقية تحت الاختبار الإلهي، وأن الإغواء الشيطاني باق وهو يزداد يومًا بعد يوم، ويتلبس بالحق أكثر فأكثر، فالسامري موجود، إذ أن لكل أمة سامري يضلها، كما وإن لكل أمة عجل تعبده كائناً ما يكون ذلك العجل ونوعه.
لذا فما علينا إلا التمسك بالله تعالى وبالنبي(صلى الله عليه وآله) وآل بيته (عليهم السلام) ليكونوا سبل النجاة لنا من كل سوء ولتحيى بذكرهم قلوبنا، قال الإمام الباقر(عليه السلام): (يا فضل إن حديثنا يحيي القلوب)(4).
الشرك بالمعنى اللغوي
قال الراغب الأصفهاني: (هو أن يوجد شيء لاثنين فصاعداً)(5)، والشرك هو النصيب والحصة(6).وقال الشيخ الطوسي (قدس سره): (الشرك أصله الاجتماع في الملك)(7).
وقالوا هو النصيب والحصة المتقاسمة بين الشريكين، كما وأنه وجود شيء مشترك بين اثنين فصاعداً. وقال صاحب التهذيب هو: (مخالطة الشريكين)(8).
والشرك بمعنى الشراكة والتشارك في أمر واحد مشترك، لكل واحد من الشريكين حصته فيه، واستقلاليته فيما من يملك من نصيب.
وفي المنجد قال: (أشركه في أمره:
جعله شريكاً له فيه)(9). وجمع الشريك شركاء(10).
الشرك بالمعنى الاصطلاحي
وهو الاعتقاد بوجود شريك لله تعالى.
قال في التهذيب: (أن تجعل لله شريكاً في ربوبيته تعالى الله عن الشركاء والأنداد وإنما دخلت الباء في قوله: (لَا تُشْرِكْ بِاللهِ) (لقمان:13) لأن معناه لا تعدل به غيره فتجعله شريكاً …
ومن عدل بالله شيئاً من خلقه فهو مشرك)(11).
قال الراغب الأصفهاني: (هو إثبات شريك لله تعالى)(12). وأشرك بالله جعل له شريكاً فهو مشرك ومشركي والاسم الشرك(13).
فالشرك هو: (الكفر، وإنما يطلق على من أشرك في عبادة الله غيره، وإنما كان كافراً لأنه جحد نعمة الله بإضافتها إلى غيره، وزعمه أن غيره يستحق العبادة مع ما ثبت أنه لا يقدر على ما يستحق به العبادة سوى الله تعالى …)(14).
والشرك هو: (أن توجه العبادة إلى اثنين بحيث تشركهما فيها)(15)،وعن أبي عبد الله (عليه السلام): (الشرك هو أن يضم إلى الواحد الذي ليس كمثله شيء آخر)(16).
يقول الشيخ النراقي عن الشرك: (هو أن يرى في الوجود مؤثراً غير الله سبحانه)(17).
والمشرك هو: (من حاد عن التوحيد، والذي أثبت للواجب شريكاً. وهو عكس الموحد).
دور الأنبياء في علاج الشرك
في المجتمعات
بعد أن اختلف الناس، ظهرت عقائد الشرك والابتعاد عن الله تعالى، كان لابد من إرجاع الإنسان إلى الطريق الصحيح، والفطرة السليمة، وإلى عبادة الله وحده لا شريك له فكان هذا هو دور الأنبياء والمرسلين (عليهم السلام)
من أجل هداية الناس وإرشادهم إلى الطريق الإلهي الصحيح. فكان الأساس في دعوة الأنبياء جميعاً وقبل كل شيء هو: توحيد الله تعالى، وبالتالي محاربة الشرك، إذ إن ذلك يعتبر الأساس في بناء المجتمع الإنساني الصالح، والقائم على العقل والفطرة السليمة، من أجل الوصول إلى التكامل، وبالتالي إلى تأسيس مجتمع واحد قائم على عبادة الله تعالى، قادر على تحقيق الأهداف الإلهية لخلق الإنسان.
يقول الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) عن علة إرسال الأنبياء (عليهم السلام):
(واصطفى سبحانه من ولده أي آدم (عليه السلام) أنبياء أخذ على الوحي ميثاقهم، وعلى تبليغ الرسالة أمانتهم. لما بدل أكثر خلقه عهد الله إليهم، فجهلوا حقه واتخذوا الأنداد معه، واجتالتهم الشياطين عن معرفته، واقتطعتهم عن عبادته، فبعث فيهم رسله، وواتر إليهم أنبياءه، ليستأدوهم ميثاق فطرته، ويذكروهم منسي نعمته، ويحتجوا عليهم بالتبليغ، ويثيروا لهم دفائن العقول، ويروهم الآيات المقدرة من سقف مرفوع، ومهاد تحتهم موضوع، ومعايش تحييهم، وآجال تفنيهم، وأوصاب تهرمهم، وأحداث تتابع عليهم. ولم يخل سبحانه خلقه من نبي مرسل أو كتاب منزل أو حجة لازمة أو محجة قائمة رسل لا تقصر بهم قلة عددهم ولا كثرة المكذبين لهم)(18).
كما وأن الملاحظ لآيات القرآن الكريم يجد أن أولى القضايا المطروحة من قبل الأنبياء (عليهم السلام) هي: قصة إعادة المجتمع البشري إلى التوحيد، ودعوة الناس إلى عبادة الله تعالى وحده لا شريك له.
قال الإمام الصادق(عليه السلام): (… إن له سفراء في خلقه يعبرون عنه إلى خلقه وعباده، ويدلونهم على مصالحهم ومنافعهم، وما به بقاؤهم وفي تركه فناؤهم)(19).
قال تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) (النحل :36).
وقال تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) (الأعراف:59)
وقال تعالى: (وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ) (الأعراف: 65)
وقال تعالى: (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ) (الأعراف:73)
وقال تعالى: (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ) (الأعراف:85)
وقال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) (الأنبياء:25)
وقال تعالى: (وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ) (الزخرف:45)
ويمتد دور الأنبياء والمرسلين (عليهم السلام)
لعلاج كل حالات الانحراف، فهم جاؤوا لإصلاح البشرية جمعاء، وفي جميع الصعد والمجالات، وذلك من أجل بناء مجتمع إنساني متكامل. فبعد أن كان الدور الأول في الطرح الرسالي هو إرجاع الإنسان إلى المسار الصحيح عن طريق (الفطرة السليمة) جاء الدور الثاني المكمل والمتمم والخاتم ألا وهو إرجاع الإنسان إلى المسار الصحيح بواسطة (الشريعة).
وكلا الدورين هو من مختصات الأنبياء والمرسلين(عليهم السلام)، لكن في باب التطبيق العملي يكون للإنسان مع نفسه، والثاني يبقى من مختصات الأنبياء والمرسلين(عليهم السلام)،
إذ لا يمكن فهم الشريعة وتطبيقها إلا من قبل المشرع والداعي لها، وكان أسلوب الدعوة الرسالية الإصلاحي يتميز بخاصتين مهمتين هما:ـ
1ـ الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة.
2ـ الشمولية والمساواة في الخطاب الإرشادي والإصلاحي.
أما الأساليب التي اتبعها الأنبياء (عليهم السلام)
في مواجهة الشرك وعبادة الأصنام والانحراف فهي:ـ
1ـ تعريف الناس وبخاصة المشركين بخالق الكون الأصيل:ـ
قال تعالى: (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ الله فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ) (العنكبوت: 61)
2ـ تحقير الأصنام وبيان عجزها لتقليل قدسيتها في نظر من يقدسها:ـ
قال تعالى: (قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ * فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاء يَنطِقُونَ * قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئاً وَلَا يَضُرُّكُمْ *
أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ) (الأنبياء:63ـ 67)
3ـ إيقاظ وجدان المشرك النائم، والسير به نحو الدرب الصحيح:ـ
قال تعالى: (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ) (العنكبوت: 65 )
لذا يظهر من أخبار الأنبياء والمرسلين(عليهم السلام)
في صراعهم مع أممهم وطواغيتهم أن الأصل في الصراع هو في قضية حصر الربوبية بالله تعالى.

نشرت في العدد59


1ـ سورة لقمان الآية:12
2ـ سورة الأعراف الآية: 158، 71، 70
3ـ سورة النساء الآية 48، 50
4ـ الخصال، الصدوق حديث: 76، ص22
5ـالمفردات،الراغب الأصفهاني، ص451
6ـ المعجم الفقهي.
7ـ تفسير البيان، ج3، ص1، 6
8 تهذيب اللغة، الأزهري ج7،ص16
9ـ الماجد، ط7
10ـ المفردات، الراغب الأصفهاني، ص451
11ـ تهذيب اللغة، الأزهري ج10، ص19
12ـ المفردات، الراغب الأصفهاني، ص451
13ـ الماجد، ط7
14ـ تفسير البيان، الشيخ الطوسي، ج3، ص601
15الرسائل التسع، المحقق الحلي ص74
16ـ الاحتجاج الطبرسي، ج2
17ـ جامع السعادات ج1، ص233
18ـ نهج البلاغة، الخطبة 1
19ـ الكافي، ج1، ص168

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.