Take a fresh look at your lifestyle.

قصديَّة النص في الصحيفة السجادية دعاء استقبال شهر رمضان أنموذجاً

0 251

 

            أولت الدراسات اللغوية الحديثة النص عناية فائقة، وأعطته نصيباً من التفكير اللغوي في البحث والدراسة والتحليل، فانتقلت من دراسة الجملة إلى دراسة النص، ونظرت إليه نظرة شمولية، تحولت معها من ضيق دائرة النحو التقليدي إلى أفق رحب نحو النص، مما أدى إلى توصل تلك الدراسات إلى نتائج أكثر ثراءً وأوفر فهماً للنصوص، وكشفاً عن مضامينها.

            ومن المعايير التي يقوم عليها بناء النص معيار (القصد) الذي يدل على هدف النص والغرض من إنشائه. وهذا البحث محاولة لتطبيق هذا المعيار على نص من نصوص الصحيفة السجادية، وهو دعاء الإمام السجاد (عليه السلام) لاستقبال شهر رمضان المبارك.

القصد في اللغة والاصطلاح:

            ارتبطت دلالة (قصد) في معاجم اللغة بالدلالة على المعنى وتأديته؛ وغالباً ما يرد لفظ )قصد) مرادفاً للفظ (معنى)(1) ، فقد ذكر الزمخشري في أساس البلاغة: (وعنيت بكلامي كذا، أي: أردته وقصدته، ومنه: المعنى)(2)، وقال ابن منظور في لسان العرب: (لا يُقال عُنِيتُ بحاجتك إِلا على مَعْنى قصَدْتُها، من قولك عَنَيْتُ الشيء أَعنِيه إِذا كنت قاصِداً له … ومَعْنَى كلّ كلامٍ ومَعْناتُه ومَعْنِيَّتُه : مَقْصِدُه)(3).

          ولما كان لفظ (القصد) مرادفاً للمعنى، وكان المعنى هو كل ما تؤديه الألفاظ من دلالات حسّية أو أفكار عقلية، فإن (القصد) هو الغاية أو الهدف أو الغرض أو الفحوى والمضمون والدلالة التي يُستدل عليها بالألفاظ والتراكيب(4).

           أما في الاصطلاح فيُراد به (قصد منتج النص من أية تشكيلة لغوية ينتجها أن تكون قصداً مسبوكاً محبوكاً. وفي معنى أوسع تشير القصدية إلى جميع الطرق التي يتخذها منتجو النصوص في استغلال النصوص من أجل متابعة مقاصدهم وتحقيقها)(5).

          أو هي هدف النص، وموقف منتج النص لإنتاج نص متماسك ومترابط؛ لكي يتم الوصول إلى هدف مرسوم فـي خطة محددة(6).

           وتُعد قصدية النص من إحدى المقومات الأساسية للنص، ذلك بأن لكل منتج خطاب غاية يسعى إلى بلوغها، أو نية يريد تجسيدها(7). (ويستمد مفهوم القصد شرعية وجوده في الدراسات اللسانية، قديمها وحديثها، من أن كل فعل كلامي يفترض فيه وجود نية للتوصيل والإبلاغ)(8). فالقصد له تأثير في بنية النص وأسلوبه؛ لأن الكاتب يبني نصه بناءً معيّناً، ويختار لذلك الوسائل اللغوية الملائمة بما من شأنه أن يضمن تحقيق قصده(9).

         وأدعية الصحيفة السجادية عامةً قد اتسمت بكل معايير النص التي تجعلها نصوصاً متماسكة الأطراف محكمة البناء، ومنها هذا الدعاء موضوع البحث، فمتلقي هذا النص يلحظ بوضوح قصديته وسبكه، فهو بمثابة منهاجٍ عبادي متكامل، ووثيقة أخلاقية فقهية تصوّر مدى عظمة هذا الشهر وفضله ومنزلته عند الله تعالى من جانب، ومن جانب آخر تبين الآداب والأحكام التي يجب على العبد اتباعها والالتزام بها ما دام في ضيافة الرحمن. وعند تحليل نص الدعاء تتجلى قصديته وما تضمّنه من دروس ودلالات، وذلك في ضوء توزيعه إلى محاور بحسب ما ورد فيه من موضوعات وأفكار، وكما يأتي:

   افتتاح الدعاء بالحمد لله تعالى:

           يُفتَتَح الدعاء بالحمد لله تعالى، وهي ظاهرة مألوفة في أغلب نصوص الصحيفة السجادية، إلّا أنه في هذا الدعاء يقرن الحمد بالهداية والشكر والجزاء فقال: (اَلْحَمْدُ للهِ الَّذي هَدانا لِحَمْدِهِ، وَجَعَلَنا مِنْ أهْلِهِ، لِنَكُونَ لإحْسانِهِ مِنَ الشّاكِرينَ، وَلِيَجْزِيَنا عَلى ذلِكَ جَزاءَ الْمُحْسِنينَ)(10)، ويكرر الحمد مقروناً بمفردات (الدين) و(الملة) و(السبيل) و(السلوك) في قوله: (وَالْحَمْدُ للهِ الَّذي حَبانا بِدينِهِ، وَاخْتَصَّنا بِمِلَّتِهِ، وَسَبَّلَنا في سُبُلِ إحْسانِهِ لِنَسْلُكَها بِمَنِّهِ إلى رِضْوانِهِ، حَمْداً يَتَقَبَّلُهُ مِنّا، وَيَرْضى بِهِ عَنّا)(11) ، وهو افتتاح يتناسب تماماً مع موضوع الدعاء الذي يستقبل به شهر رمضان الذي تتمحور حوله المفردات السابقة التي قرنها مع حمد الله تعالى.

التمهيد إلى الموضوع المركزي للنص:

          ثم ينتقل إلى التمهيد إلى الموضوع المركزي ألا وهو (شهر رمضان) مكرراً حمده لله تعالى، ومعدداً صفات هذا الشهر التي تظهر فضائلَه، مقتبساً في ذلك نصاً قرآنياً بلفظه ومعناه لإنارة النص دلالياً، فيقول: (وَالْحَمْدُ للهِ الَّذي جَعَلَ مِنْ تِلْكَ السُّبُلِ شَهْرَهُ شَهْرَ رَمَضانَ، شَهْرَ الصِّيامِ، وَشَهْرَ الإسْلامِ، وَشَهْرَ الطَّهُورِ، وَشَهْرَ الَّتمْحيصِ، وَشَهْرَ الْقِيامِ ﴿الَّذي أُنْزِلَ فيهِ الْقُرْآنِ، هُدىً لِلنّاسِ، وَبَيِّنات مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ﴾(البقرة:185). فَأَبانَ فَضيلَتَهُ عَلى سائِرِ الشُّهُورِ بِما جَعَلَ لَهُ مِنَ الْحُرُماتِ الْمَوْفُورَةِ، وَالْفَضائِلِ الْمَشْهُورَةِ)(12). فمنزلة هذا الشهر عظيمة عند الله تعالى؛ لذلك جعله الإمام من سبل الله تعالى، وقرنه بـ (الصيام) و(الإسلام) و(الطهور) و(التمحيص) و(القيام)، وكل مفردة من هذه المفردات تكفيه فخراً على سائر الشهور والأيام.

         ومن خصائص هذا الشهر أن الله تعالى عظّمه ببعض الأحكام إكراماً له، ورد في الدعاء: (فَحَرَّمَ فيهِ ما أَحَلَّ في غَيْرِهِ إِعْظاماً، وَحَجَرَ فيهِ الْمَطاعِمَ وَالْمَشارِبَ إكْراماً، وَجَعَلَ لَهُ وَقْتاً بَيِّناً لا يُجيزُ، جَلَّ وَعَزَّ، أنْ يُقَدَّمَ قَبْلَهُ، وَلا يَقْبَلُ أنْ يُؤَخَّرَ عَنْهُ)(13).

 ذكر ليلة القدر:

           ثم يعرّج على أفضل ليلة في شهر رمضان، وهي ليلة القدر التي خصّها الله تعالى بسورة كاملة في كتابه العزيز، وقد واستدل النص بها استدلالاً جميلاً عبر فن الاقتباس، فقال (عليه السلام): (ثُمَّ فَضَّلَ لَيْلَةً واحِدَةً مِنْ لَياليهِ عَلى لَيالي ألْفِ شَهْر، وَسَمّاها لَيْلَةَ الْقَدْرِ (تَنَزَّلُ الْمَلآئِكَةُ وَالرُّوحُ فيها بِاِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ اَمْر)(القدر:4) سَلامٌ دآئِمُ الْبَرَكَةِ إلى طُلُوعِ الْفَجْرِ عَلى مَنْ يَشآءُ مِنْ عِبادِهِ بِما أحْكَمَ مِنْ قَضائِهِ)(14).

           وفي العبارة الأخيرة: (عَلى مَنْ يَشآءُ مِنْ عِبادِهِ بِما أحْكَمَ مِنْ قَضائِهِ) إشارة إلى ارتباط هذا الشهر العظيم بالإمامة، فهي المحور الذي تدور حوله كل الفضائل في شهر رمضان.

  طلب الحاجات وبيان أحكام الصوم:

           ومن بعد هذه المقدمة التمهيدية من المدح والثناء لله تعالى، والتعريف بشهر رمضان وبيان فضله، يتحول النص إلى طلب الحاجات من الله تعالى، شأنه في ذلك شأن أي نص من نصوص الدعاء، مفتتحاً طلباته بالصلاة على محمد وآل محمد، وهي ظاهرة دينية معروفة، إذ يُستحب ابتداء الدعاء بها وختمه بها سعياً للاستجابة، وفي الوقت نفسه تتضح الأحكام الشرعية والآداب التي يجب أن يتحلّى بها الصائم، فقال: (اَللّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّد وَآلِهِ، وَاَلْهِمْنا مَعْرِفَةَ فَضْلِهِ، وَاِجْلالَ حُرْمَتِهِ، وَالتَّحَفُّظَ مِمّا حَظَرْتَ فيهِ)(15).

            فمن آداب الصائم أن تصوم جوارحه، كالسمع والبصر واليد والرجل والبطن واللسان، وأن يستثمرها بما يرضي الله تعالى ويقرّبه منه: (وَأعِنّا عَلى صِيامِهِ بِكَفِّ الْجَوارِحِ عَنْ مَعاصيكَ، وَاسْتِعْمالِها فيهِ، بِما يُرْضيكَ حَتّى لا نُصْغِيَ بِأسْماعِنا إلى لَغْو، وَلا نُسْرِعَ بِأبْصارِنا إلى لَهْو، وَحَتّى لا نَبْسُطَ أيْدِيَنا إلى مَحْظُور، وَلا نَخْطُوَ بِأقْدامِنا إلى مَحْجُور، وَحَتّى لا تَعِيَ بُطُونُنا إلاّ ما اَحْلَلْتَ، وَلا تَنْطِقَ اَلْسِنَتُنا إلاّ بِما مَثَّلْتَ، وَلا نَتَكَلَّفَ إلاّ ما يُدْني مِنْ ثَوابِكَ، وَلا نَتَعاطى إلاَّ الَّذي يَقي مِنْ عِقابِكَ)(16).

           ويختتم هذا المقطع بطلب الإخلاص في العبادة لله تعالى، والعون على محاربة الرياء والسمعة والشرك: (ثُمَّ خَلِّصْ ذلِكَ كُلَّهُ مِنْ رياءِ الْمُرائينَ، وَسُمْعَةِ الْمُسْمِعينَ، لا نَشْرَكُ فيهِ أحَداً دُونَكَ، وَلا نَبْتَغي فيهِ مُراداً سِواكَ)(17).

  التركيز على الصلاة:

           لا غنى للعبد من طلب التوفيق من الله تعالى لإقامة الفروض والأعمال الصالحة التي يستزيد بها قرباً وكرامةً وفضلاً، ولما ثَبُتَ لفريضة الصلاة في سائر الأيّام فضلاً عن أهميتها في شهر رمضان؛ فقد ركّز النص على طلب التوفيق لإقامتها:

          (اَللّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّد وَآلِهِ، وَقِفْنا فيهِ عَلى مَواقيتِ الصَّلَواتِ الْخَمْسِ بِحُدُودِهَا الَّتي حَدَّدْتَ، وَفُرُوضِهَا الَّتي فَرَضْتَ، وَوَظآئِفِهَا الَّتي وَظَّفْتَ، وَأوْقاتِهَا الَّتي وَقَّتَّ. وَأنْزِلْنا فيها مَنْزِلَةَ الْمُصيبينَ لِمَنازِلِهَا، الْحافِظينَ لأرْكانِها، الْمُؤَدّينَ لَها في أوْقاتِها عَلى ما سَنَّهُ عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ، صَلَواتُكَ عَلَيْهِ وَآلِهِ، في رُكُوعِها وَسُجُودِها وَجَميعِ فَواضِلِها عَلى أتَمِّ الطَّهُورِ وَأسْبَغِه، وَأبْيَنِ الْخُشُوعِ وَأبْلَغِهِ)(18) ،

         وهو تلخيص مكثّف لآداب الصلاة وصفاتها، فلم يترك جزئيةً تتعلق بها إلّا وذكرها، كالمواقيت والأركان والطهور والخشوع.

  حُسنُ الخلق مع الآخرين:

           ومن أهم آداب شهر رمضان التي أوصى بها رسول الله (صلى الله عليه وآله) تحسين الخلق(19)، التي تتمثّل بصلة الرحم، وإكرام الجار، وأداء الحقوق الشرعية، والعفو عمن ظلمنا، وغيرها من الوصايا التي اقتبسها ووظفها النص: (وَوَفِّقْنا فيهِ لأنْ نَصِلَ أرْحامَنا بِالْبِرِّ وَالصِّلَةِ، وَأنْ نَتَعاهَدَ جيرانَنا بِالإفْضالِ وَالْعَطِيَّةِ، وَأنْ نُخَلِّصَ أمْوالَنا مِنَ التَّبِعاتِ، وَأنْ نُطَهِّرَها بِإخْراجِ الزَّكَواتِ. وَأنْ نُراجِعَ مَنْ هاجَرَنا، وَأنْ نُنْصِفَ مَنْ ظَلَمَنا، وَأنْ نُسالِمَ مَنْ عادانا حاشى مَنْ عُودِيَ فيكَ وَلَكَ، فَإنَّهُ الْعَدُوُّ الَّذي لا نُواليهِ، وَالْحِزْبُ الَّذي لا نُصافيهِ)(20).

  التقرّب إليه تعالى:

         والمؤمن لا يكتفي بالأعمال الواجبة، بل يطمح ويطمع بالمستحبات التي تضاعف أجورها في هذا الشهر: (وَأنْ نَتَقَرَّبَ إلَيْكَ فيهِ مِنَ الأعْمالِ الزّاكِيَةِ بِما تُطَهِّرُنا بِهِ مِنَ الذُّنُوبِ، وَتَعْصِمُنا فيهِ مِمّا نَسْتَأْنِفُ مِنَ الْعُيُوبِ، حَتّى لا يُورِدَ عَلَيْكَ أحَدٌ مِنْ مَلآئِكَتِكَ إلاّ دُونَ ما نُورِدُ مِنْ أبْوابِ الطّاعَةِ لَكَ، وَأنْواعِ الْقُرْبَةِ إلَيْكَ)(21).

   جني ثمار الطاعة:

         بعد هذه الجولة العبادية التي اجتازها العبد برضى الله تعالى، يرجو أن يجني ثمار طاعته: (وَأهِّلْنا فيهِ لِما وَعَدْتَ أوْلِيآءَكَ مِنْ كَرامَتِكَ، وَأوْجِبْ لَنا فيهِ ما أوْجَبْتَ لأهْلِ الْمُبالَغَةِ في طاعَتِكَ، وَاجْعَلْنا في نَظْمِ مَنِ اسْتَحَقَّ الرَّفيعَ الأعْلى بِرَحْمَتِكَ)(22).

   عود على بدء:

        من علامات النص المتماسك أن تتوحد فيه الأفكار لتنسجم مع الموضوع، وأن ترتبط مقدمته مع خاتمته، فالنص هنا يكرر ما بدأ به من تحميد وتمجيد ولكن باختلاف الأسلوب، ففي المقدمة كان أسلوباً انشائياً، وهنا تحول إلى أسلوب طلبي، يطلب فيه العبد اجتناب (الإلحاد) و(التقصير) و(الشك) … وغيرها مما يخالف العبادة الخالصة:

         (وَجَنِّبْنا الالْحادَ في تَوْحيدِكَ، وَالتَّقْصيرَ في تَمْجيدِكَ، وَالشَّكَّ في دينِكَ، وَالْعَمى عَنْ سَبيلِكَ، وَالإغْفالَ لِحُرْمَتِكَ، وَالانْخِداعَ لِعَدُوِّكَ اَلشَّيْطانِ الرَّجيمِ)(23) وثمة ارتباط آخر بين المقدمة وهذا المقطع، وهو الإشارة إلى شهر رمضان بلفظ (السبيل) الذي ورد في بداية النص بقوله (عليه السلام): (وَالْحَمْدُ للهِ الَّذي جَعَلَ مِنْ تِلْكَ السُّبُلِ شَهْرَهُ شَهْرَ رَمَضانَ)، وفي هذا المقطع بطلب تجنّب العمى عن سبيل الله تعالى.

الإلحاح بطلب العفو والمغفرة:

        يعيش المؤمن دائماً بين حالتي الخوف والرجاء، الخوف من عذاب الله تعالى عما يصدر من الإنسان من تقصير، والرجاء في أن تسعه رحمة الله تعالى، ذلك الفضاء الرحب الذي يسع السماوات والأرض: (وَإذا كانَ لَكَ في كُلِّ لَيْلَة مِنْ لَيالي شَهْرِنا هذا رِقابٌ يُعْتِقُها عَفْوُكَ، أوْ يَهَبُها صَفْحُكَ فَاجْعَلْ رِقابَنا مِنْ تِلْكَ الرِّقابِ، وَاجْعَلْنا لِشَهْرِنا مِنْ خَيْرِ أَهْل وَأًصْحاب)(24)، وعتق الرقاب تعبير مجازي، وهي كناية عن المغفرة والعفو والصفح والتجاوز عما مضى من ذنوب العبد، ويُلاحظ أن النص ينسب هذا الشهر لضمير المتكلمين (شهرنا) مرتين، مما يدل على أن شهر رمضان هو شهر العباد، يغفر الله تعالى لهم ويزيدهم من فضله، ويقدّر فيه أرزاقهم وآجالهم.

          ويكرر طلبه وإلحاحه في العفو والمغفرة، موظفاً الصور الفنية الجميلة لصياغة أسلوبه: (وَامْحَقْ ذُنُوبَنا مَعَ إمْحاقِ هِلالِهِ، وَاسْلَخ عَنّا تَبِعاتِنا مَعَ انْسِلاخِ أيّامِهِ حَتّى يَنْقَضِيَ عَنّا وَقَدْ صَفَّيْتَنا فيهِ مِنَ الْخَطيئاتِ، وَأخْلَصْتَنا فيهِ مِنَ السِّيِّئاتِ)(25)،
فصورة (إمحاق الذنوب) مع إمحاق الهلال، وصورة (انسلاخ التبعات) مع انسلاخ أيام الشهر، نوع من التعبير الفني الذي يزين نصوص الدعاء في الصحيفة السجادية.

  آدابٌ أخرى:

            وفي هذا المقطع يوجز النص آداباً أخرى بأروع أساليب التعبير: (اَللّهُمَّ اشْحَنْهُ بِعِبادَتِنا إيّاكَ، وَزَيِّنْ أوْقاتَهُ بِطاعَتِنا لَكَ، وَأعِنّا في نَهارِهِ عَلى صِيامِهِ، وَفي لَيْلِهِ عَلَى الصَّلاةِ وَالتَّضَرُّعِ إلَيْكَ، وَالْخُشُوعِ لَكَ، وَالذِّلَّةِ بَيْنَ يَدَيْكَ حَتّى لا يَشْهَدَ نَهارُهُ عَلَيْنا بِغَفْلَة، وَلا لَيْلُهُ بِتَفْريط)(26)، فعبَّر بمفردة (اشْحَنْهُ) وهي من المفردات غير المألوفة في التعبير اللغوي، وهنا تكمن جماليات المفردة في التعبير السجادي، فلو قال: (املأه) لم تكن بتلك الجمالية المكثفة التي دلَّت على المبالغة في طلب التوفيق للعبادة في شهر رمضان. فضلاً عن الجمالية التي تؤديها مفردة (زَيِّنْ) في سياق هذا المقطع: (وَزَيِّنْ اَوْقاتَهُ بِطاعَتِنا لَكَ)، كما قابل بين (الليل والنهار)، و(الصيام والصلاة)، و(الغفلة والتفريط)، مما يضفي على النص مزيداً من الألق والجمال.

  الاستمرار على الطاعة في سائر الشهور:

            الحملة العبادية لشهر رمضان لا تنقضي بانقضاء أيامه ولياليه، بل هي دورة تطويرية للذات، يمر بها العبد في كل عام ليراجع فيها حساباته ويؤوب إلى ربه تعالى، وينطلق منها إلى العام القادم؛ لذا ورد في نص الدعاء: (اَللّهُمَّ وَاجْعَلْنا في سائِرِ الشُّهُورِ وَالأيّامِ كَذلِكَ ما عَمَّرْتَنا، وَاجْعَلْنا مِنْ عِبادِكَ الصّالِحينَ (الَّذينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فيها خالِدُونَ)(المؤمنون:11)، (وَالَّذينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ اَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ)(المومنون:60)، وَمِنَ الَّذينَ (يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ)(المؤمنون:61)(27).

            فعبّر النص عمن يجتاز هذه الدورة بنجاح بالعباد الصالحين، ووصفهم وصفاً قرآنياً رائعاً ومنسجماً.

  وختامه مسك:

            تُختتم أغلب نصوص الدعاء بالصلاة على محمدٍ وآل محمد، تبرّكاً وطلباً لاستجابة الدعاء، وفي هذا النص يبالغ الإمام (عليه السلام) بالصلاة على محمدٍ وآل محمد، بأجمل العبارات وأبلغها: (اَللّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّد وَآلِهِ، في كُلِّ وَقْت وَكُلِّ أوان وَعَلى كُلِّ حال عَدَدَ ما صَلَّيْتَ عَلى مَنْ صَلَّيْتَ عَلَيْهِ، وَأضْعافَ ذلِكَ كُلِّهِ بِالأضْعافِ الَّتي لا يُحْصيها غَيْرُكَ، إنَّكَ فَعّالٌ لِما تُريدُ)(28).

 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- ينظر: القصدية في النص الأدبي، (بحث) ميلود مصطفى، ود. إياد عبد الله، ود. زين الرجال عبد الرزاق، مجلة الرُّواق: س/1، ع/1، 1436هـ / 2015م، ص: 114.
2- أساس البلاغة، الزمخشري، (ع ن ن): ج/2، ص: 318.
3- لسان العرب، ابن منظور (عنا): ج/15، ص:105-106.
4- ينظر: القصدية في النص الأدبي: 114.
5- علم لغة النص النظرية والتطبيق، د. عزة شبل محمد: 28.
6- ينظر: علم اللغة النصي بين النظرية والتطبيق الخطابة النبوية نموذجاً، (بحث): (دون اسم مؤلف)، مجلة علوم اللغة، مج/9، ع/2، 2006م، ص: 7-8.
7- ينظر: مدخل إلى علم النص ومجالات تطبيقه، محمد الأخضر الصبيحي: 96.
8- المصدر نفسه: 96.
9- ينظر: المصدر نفسه: 97.
10- الصحيفة السجادية الكاملة، الإمام زين العابدين (عليه السلام): 165.
11- المصدر نفسه: 165.
12- الصحيفة السجادية الكاملة: 165-166.
13- المصدر نفسه: 166.
14- الصحيفة السجادية الكاملة: 166.
15- المصدر نفسه: 166.
16- المصدر نفسه: 166-167.
17- المصدر نفسه: 167.
18- المصدر نفسه: 167.
19- ينظر: مفاتيح الجنان، الشيخ عباس القمي: 173، (خطبة النبي “ص” في شهر رمضان).
20- الصحيفة السجادية الكاملة: 167.
21- المصدر نفسه: 167-168.
22- المصدر نفسه: 168.
23- المصدر نفسه: 168.
24- المصدر نفسه: 168.
25- المصدر نفسه: 168-169.
26- المصدر نفسه: 169.
27- الصحيفة السجادية الكاملة: 169.
28- المصدر نفسه: 170.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.