Take a fresh look at your lifestyle.

كعب بن زهير وقصيدته في الإمام عليّ(عليه السلام)

0 881

يمثّل الشاعر كعب بن زهير مرحلة مهمة من مراحل شكل القصيدة العربية ومضمونها، إذ إنّه عاش أيام التحول من الجاهلية إلى الإسلام، وما رافقها من تغيّر في القيم الاجتماعية والدينية والحياتية عامة.
هذا التحوّل الكبير في حياة العرب آنذاك لم يكن وليد لحظته، بل كانت هناك إرهاصات تنبئ عن ذلك، وخاصة عند المتطلعين من الناس من نحو المتدينين والشعراء، فقد كان زهير بن أبي سلمى) وهو والد شاعرنا له وقفات طيبة تنبئ عن تألّهه وإيمانه بالبعث وقد حرص بذلك في شعره وهي ظاهرة للعيان كقوله:
فلا تكتمـن الله ما في قلوبكــم
ليخفى ومهـما يكتم الله يعلم
يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر
ليوم حساب أو يعجل فينقم
وهذا التوجه في شعر زهير بن أبي سلمى، إنما يعبر عن الحاجة الاجتماعية لمثل هذا الأمر، لأنّ المجتمع العربي آنذاك، كانت تسيطر عليه آفة الانحراف عن القيم والمبادئ الصالحة.
لذا فإن الشعر العربي يومئذ كان يصّور هذه القيم بأشكالها الطيبة والشائنة التي سادت الحياة العربية، فكانت القصيدة العربية تحمل هموم الشاعر، كونه يمثّل الواجهة الثقافية في المجتمع العربي ومصوّر قيمه وعاداته وتقاليده.
فضلا عن ذلك نجد القيم الاجتماعية الطيبة والدعوة إلى الألفة وعدم الاقتتال ومكارم الأخلاق هي الأخرى قد ظهرت في الشعر العربي، فهذا زهير بن أبي سلمى قد دعا إليها، وهي مبثوثة في قصائده, منها قوله:
السّتر دون الفاحشات ولا
يلقاك دون الخير من ستر
وقوله في معلقته :
وَمَنْ لَم يُصانِعْ في أُمُورٍ كَثيرَةٍ
يُضَرَّسْ بِأَنْيَابٍ وَيُوْطَأْ بِمَنْسِمِ
وَمَنْ لا يَزَلْ يَسْتَرْحِلُ النّاسَ نَفْسَهُ
وَلاَ يُعْفِها يوماً من الذُّلّ يَنْدَمِ
وَمَنْ يَغْتَرِبْ يَحْسَبْ عَدُوّاً صَدِيْقَهُ
وَمَنْ لا يُكَرِّمْ نَفْسَه لا يُكَرَّمِ
وَمَنْ يَكُ ذَا فَضْلٍ فَيَبْخَلْ بِفَضلِهِ
قَوْمِهِ يُسْتَغْنَ عَنْهُ وَيُذْمَمِ
وَمَنْ يُوفِ لا يُذْمَمْ وَ مَنْ يُفْضِ قَلْبُه
إلى مُطْمَئِنِّ البِرِّ لا يَتَجَمْجَمِ
وزهير شاعر جاهلي لم يدرك الإسلام (وروي أن رسول الله(صلى الله عليه وآله) نظر إلى زهير وله مئة سنة فقال: (اللهم أعذني من شيطانه، فما لاك بعد ذلك بيتاً حتى مات) ومن أثر تألهه واختلاف عقيدته عن قومه ـ حسب ما جاء في الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني ج17ص61 ـ أنه (رأى في منامه آتيا أتاه، فحمله إلى المساء حتى كاد يمسّها بيده، ثم تركه فهوى إلى الأرض، فلما احتضر قصّ رؤياه على ولده (كعب)، وقال : إني لا أشكّ أنه كائن من خبر السّماء بعدي شيء، فإن كان فتمسّكوا به وسارعوا إليه، ثم مات قبل المبعث بسنة).
وقد ظهر أثر ذلك كله في شعر ولده كعب إذ يقول:
أعلـم أني متـى مـا يأتني قــدري
فليـس يحبـسه شـح ولا شـفـق
بينا الفتى معجب بالعيش مغتبـط
إذا الفتـى للمـنايـا مسـلم غلـق
والمـرء والمـال ينـمي ثـم يـذهبـه
مــر الـدهـور ويفنيه فينسـحق
فلا تخافي علينـا الفقـر وانتظـري
فضل الذي بالغنى من عنده نثق
إن يفـنَ ما عنـدنا فـالله يـرزقنـا
ومن سوانا، ولسنا نحن نرتزق
وعدّه شوقي ضيف بأنه (يقرب من زهاد المسلمين الذين كانوا يكرهون أن يفكر الشخص منهم في رزق غد بل كان منهم من يرى أن ذلك خطيئة لا تغتفر. وله قصيدة لامية يظهر أنّه نظمها في الجاهلية لما يذكر فيها من شربه الخمر مع ما يصطفيه ويظهر أنه عاد فأدخل فيها بعد إسلامه هذه الأبيات):
فأقسـمت بالرحمن لا شيء غـيره
يمــين امـرئ بــر ولا أتحـلـلُ
لاسـتشعرن أعلى دَرِيسيّ مسـلمًا
لوجـه الـذي يحي الأنام ويقتلُ
هـو الحـافظ الوسنان بالليل ميتًا
على أنـه حـيٌ مـن النـوم مثقلُ
من الأسود الساري وان كان ثائرًا
على حـدِّ نابيـه الشـمام المثَّـمـلُ
وقد جعله ابن سلام الجمحي(ت231هـ)من فحول شعراء الطبقة الثانية، وهم أوس بن حجر وبشر بن أبي خازم وكعب بن زهير، والحطئية وهو مقدم في الجاهلية والإسلام حتى قيل لخلف الأحمر: زهير أشعر أم ابنه كعب؟ قال لولا أبيات لزهير أكبرها الناس لقلت: إن كعباً أشعر منه .
وكان أبوه زهير ـ كما تذكر الرواة ـ أن طريقته التي كان يعلّم أولاده الشعر فيها، كان يحفّظهم شعره وشعر غيره من الجاهليين، حتى تنضج موهبته ويقوى عوده عليه، فكان زهير يخرج بولده كعب إلى الصحراء فيلقي عليه بيتاً أو شطراً ويطلب إليه أن يجيزه ليمرّنه على قول الشعر، بل وكان ينهاه عن قول الشعر مخافة أن يقول مالا خير فيه، وإنما كان ذلك من أبيه زهير مخافة أن يتسفل، فيأتي بالضعيف فيشوّه مجد الأسرة، فهو من بيت تناسل فيه الشعراء، إذ ولد كعب بن زهير في غطفان قبيلة أمه كبشة، ونشأ في بيت توفرت له القرائح الشعرية، وتشهد له آثار أحد عشر شاعراً من نسل أبي سلمى جد كعب، منهم جده أبو سلمى، وأبوه زهير بن أبي سلمى، وعقبة بن كعب ولقبه المضرّب، وذلك أنه شبب بامرأة من بني أسد، فضربه أخوها مئة ضربة بالسيف فلم يمت، وأخذ الدية فسمي (المضّرب) وَوُلِدَ لعقبة العوام وهو شاعر, وكان كعب راوية لأبيه زهير، وكذلك الحطئية جرول بن أوس، إذ كان زهيرٌ أستاذه .
أما قصة إسلامه حسب ما جاء في (كتاب طبقات فحول الشعراء لابن سلام الجمحي ج1ص99): فهو في بادئ الأمر كان قد نهى أخاه بجيراً عندما أسلم، الذي شهد مع النبي(صلى الله عليه وآله) فتح مكة وحنيناً، فأرسل إليه كعب أبياتاً ينهاه عن الإسلام، وذكر ذلك بجير للنبي (صلى الله عليه وآله)
فأوعده، فأرسل بجير إليه: (ويلك! إن النبي أوعدك، وقد أوعد رجالاً بمكة فقتلهم، وهو والله قاتلك أو تأتيه فتسلم، فاستطير ولفظته الأرض، فلما وصله الخبر، قدِمَ كعبٌ متنكراً حين بلغه عن النبي(صلى الله عليه وآله) ما بلغه، وكان وصوله عند صلاة الصبح، فلما سلّم النبي(صلى الله عليه وآله) منها قدم عليه كعب لإعلان إسلامه، فبسط النبي(صلى الله عليه وآله) يده، فحسر كعب عن وجهه، وقال هذا مقام العائذ بك يا رسول الله، أنا كعب بن زهير، فتجهمته الأنصار وغلظت له، لذكره كان قبل ذلك رسول الله(صلى الله عليه وآله)،
وأحبّت المهاجرة أن تسلم ويؤمنه، النبي (صلى الله عليه وآله)
واستنشده:
بانَتْ سُعادُ فقلبي اليومَ متْبولُ
مُتَيـَّمٌ إثرهــا لْم يَفْـــدِ مَكبـــولُ
وما سعادُ غَداةَ البيْنِ إذْ رَحلوا
إلّا أغَنُّ غَضيضَ الطَرْفِ مَكحولُ)
وكان كعب من الصحابة الصالحين، وعدّه السيد محسن الأمين(رحمه الله) من أعيان الشيعة ومحبّي آل البيت وله في ذلك شعر، منه ذكر فيه الحسين بن علي(عليه السلام)، فقال:
مسـح النبي جبينـه فله بياض في الخدود
وبوجهـه ديبـاجـة كـرم النبوة والجدود
ومنه قصيدته التي مدح فيها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) وقد ذكرت في شرح ديوانه برواية السكري كاملة، وذكرها محمد بن المبارك البغدادي (ت597هـ) عن روايتها أيضاً، حيث يقول: (وقال كعب يمدح أمير المؤمنين علياً(عليه السلام) وكانت بنو أمية تنهى عن روايتها وإضافتها إلى شعره، أنشدنيها ابن الخطاب صاحب الخبر، وكان خطيباً من غلمان أبي زكريا الأنصاري). في ثمانٍ وعشرين بيتاً وروى له السيد محسن الأمين أبياتا رواها عن ابن شهر آشوب في المناقب من قصيدته وذكره منها قوله:
صهر النبي وخير الناس كلهم
وكل من رامه بالفخر مفخور
صلى الصـلاة مع الأمي أولهـم
قبل العباد ورب الناس مكفور

هل حبل رملة قبل البين مبتور
ما يجمع الشوقُ إن دار بنا شطحت
نشفي بها وهي داء لو تصاقبنا
ما روضةٌ من رياض الحزن باكرها
يوماً بأطيب منها نشر رائحة
ما أنس لا أنسها والدمع منسرب
لما رأيتهم زمَّت جمالهم
يحدو بهم أخو قاذورة حذرٌ
كأنّ أظعانهم تحذى مقفيةً
غُلب الرقابِ سقاها جدولٌ سَرِبٌ
هل تُبْلِغَنِّي عليّ الخيرَ ذعلبةٌ
من خلفها قلصٌ تجري أزمَّتها
يخبطن بالقومِ أنضاء السريح وقد
حتى إذا انتصب الحرباء وانتقلت
قالوا تنحّوا فمسّوا الأرض فاحتولوا
ظلّوا كأنّ عليهم طائراً علقاً
لوجهةِ الريح منه جانبٌ سلِبٌ
حتى إذا أبردوا قاموا إلى قُلصٍ
عواسل كرعيل الرُّبد أفزعها
حتى سقى الليل سقْي الجنِّ فانغمست
غطّىَ النشاز مع الأكامِ فاشتبها
* * *
إن عليّاً لميمونٌ نقيبته
صهرُ النبيِّ وخير الناسِ مفتخراً
صّلى الطهور مع الأميّ اولهم
مقاومٌ لطغاةِ الشركِ يضربهم
بالعدل قمت أميناً حين خالفه
يا خيرَ مَنْ حملت نعلاً له قدمٌ
أعطاك ربُّكَ فضلاً لا زوالَ له

نشرت في العدد 61

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.