Take a fresh look at your lifestyle.

لنتحرَّ الدقة في بحث سيرة الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله)

0 342

      كُتب عن تأريخ وسيرة الرسول الأعظم آلاف الأسفار بمختلف اللغات والاتجاهات، ولا تزال الأقلام ترعف المزيد من الأبحاث والدراسات، والموسوعات الكبيرة، كل يرتشف من بحره الكوني حسب قدرته، وطاقاته المعرفية، ولا يزال العلماء والمفكرون والفلاسفة والمؤرخون والأدباء يَسْبَحون على ضفاف محيطه، ولم يستطيعوا أن يسبروا عمق حياته الشريفة الطافحة بأسمى المثل الإنسانية، الأخلاقية، والاقتصادية، والسياسية والاجتماعية في أسمى مراتبها، وكيف لا وهي تجسيدٌ حي لوحي السماء الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) (سورة النجم: 3-4)، وبالتالي هي خلاصة التأديب الإلهي على طول خط الرسالات يقول(صلى الله عليه وآله): (أدبني ربي فأحسن تأديبي)(1) ويقول(صلى الله عليه وآله): (أنا أديب الله)(2).
وفي سيرته(صلى الله عليه وآله) العطرة من الخلق العظيم، والمثل العليا، والحكم البالغة التي تمثل أسمى درجات الكمال الإنساني، وفي أوج العظمة والجلال، فهو صناعة إلهية تمت ضمن رعاية ربانية لتُخرج للبشرية المثل الأعلى في الكمال الإنساني، يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): (وَلَقَدْ قَرَنَ اَللهُ بِهِ (صلى الله عليه وآله) مِنْ لَدُنْ أَنْ كَانَ فَطِيماً أَعْظَمَ مَلَكٍ مِنْ مَلاَئِكَتِهِ يَسْلُكُ بِه طَرِيقَ اَلْمَكَارِمِ، وَمَحَاسِنَ أَخْلاَقِ اَلْعَالَمِ لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ)(3).
وهكذا جسدت سيرته(صلى الله عليه وآله) أروع تجربة إنسانية أوصلت الأرض بالسماء، وعكست أنوار الوحي الإلهي بصورة واضحة مشرقة وضّاءة نورت الأرض بنور السماء، وكستها بحلل العدل والقسط والعفة والحكمة والشجاعة، والتحدي لكل أنواع الجهل والظلم والكفر والشرك والضلال، ووضعت البشرية على جادة السعادة في الدنيا والآخرة، وقوضت كل قلاع الكفر أينما كان وعند من كان حتى امتدت إلى معظم أرجاء المعمورة رغم كل الحملات المسعورة الغاشمة من الأقلام المأجورة التي سخرت لها إمكانات دول كبرى؛ لتشويه جمال صورته الجذابة للقلوب، والمنورة للعقول.
ورغم كل هذا الكم الهائل من الأسفار التي تحرت كل مفردات حياته الشريفة في أدق حركاتها وسكناتها، فلا نعرف شخصية في التأريخ كتب عن جزئيات حياتها كما كتب عن رسول الله(صلى الله عليه وآله)، فما تُرِكتْ مفردة من مفردات حياته إلا وبحثت حتى أكله، ونومه، ومشيته، وابتسامته، ورضاه، وغضبه، وسلمه، وحربه، وقيامه، وقعوده، ولقائه، ومصافحته، والسر في ذلك أنَّه(صلى الله عليه وآله)
يمثل ذروة الكمال في القيم الإنسانية، فاجتذب جماله الأذواق السليمة والعقول النيرة من كل القوميات، والطوائف، والأديان، والمذاهب، ورغم ذلك كله فإنَّ سيرة الرسول(صلى الله عليه وآله) لا تزال بحاجة إلى البحوث الدقيقة التي تدقق، وتحقق، وتفرز الغث من السمين؛ لتبرِز منها الصحيح السليم، وتلفظ المدخول، والمدسوس، والمفترى….، ولا سيما الإسرائيليات التي دسها اليهود، والزنادقة، والمتلبسون بالإسلام كذباً وزوراً، فنسبوا للرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله) ما لم يقله، ولم يفعله، لا سيما بعد رحيله من الدنيا، واندساس أحبار اليهود الذين احتلوا مواقع متقدمة في بعض مفاصل المجتمع والدولة، فراحوا يدسون أساطيرهم وخرافاتهم وبدعهم في كتب المسلمين؛ لتشويه حقيقة الإسلام، وضربه من داخله من خلال تزييف عقائده الحقة، وتحريف أحكامه النيرة.
والأخطر من ذلك ما أفرزته السياسة الأموية الغاشمة التي خططت منذ نشأتها لدفن الإسلام من خلال دس الأساطير والخرافات والأكاذيب في سيرة الرسول (صلى الله عليه وآله)،
ومن أجل ذلك سخرت كل إمكانيات الدولة لذلك، يقول ابن أبي الحديد المعتزلي في حديثه عن شراء الذمم للكذب على
رسول الله(صلى الله عليه وآله) في وضع الفضائل على لسانه، يقول: منحهم معاوية من الصلات، والكساء، والحباء، والقطائع، ويفيضه في العرب منهم، والموالي، فكثر ذلك في كل مصر، وتنافسوا في المنازل والدنيا، فليس يجيء أحد مردود من الناس عاملاً من عمال معاوية، فيروي في عثمان فضيلة، أو منقبة إلا كتب اسمه، وقربه، وشفعه، فلبثوا بذلك حيناً. ثم كتب إلى عماله: إنَّ الحديث في عثمان قد كثر، وفشا في كل مصر، وفي كل وجه وناحية، فإذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء الأولين، ولا تتركوا خبراً يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب إلا وتأتوني بمناقض له في الصحابة، فإنَّ هذا أحب إليَّ، وأقر لعيني، وأدحض لحجة أبي تراب وشيعته، وأشد عليهم من مناقب عثمان وفضله. فقرئت كتبه على الناس، فرويت أخبار كثيرة في مناقب الصحابة مفتعلة لا حقيقة لها، وجَدَّ الناس في رواية ما يجري هذا المجرى حتى أشادوا بذكر ذلك على المنابر، وألقي إلى معلمي الكتاتيب، فعلموا صبيانهم وغلمانهم من ذلك الكثير الواسع حتى رووه وتعلموه كما يتعلمون القرآن، وحتى علموه بناتهم ونساءهم وخدمهم وحشمهم، فلبثوا بذلك ما شاء الله)(4).
إلا أنَّ الله حفظ دينه بالثقلين: كتاب الله،
والعترة الطاهرة(عليهم السلام).
ونتيجة ما دسه اليهود الذين أظهروا الإسلام مخادعة وكذبًا وزورًا ونفاقًا بعد أن يئسوا من إيقاف حركته في العالم لِقوة مبادئه، ودقة أحكامه فراحوا يتلبسون بثوب الإسلام، ويتظاهرون بالإيمان، والحرص على الإسلام، وهم أهل كتاب يحملون ثقافة مغايرة لكتاب الله وسنة رسوله(صلى الله عليه وآله) خاصة بهم، فاختطوا منهجاً خطيراً يقوم على قلب الحقائق الإسلامية، والأسس العقائدية، وتغيير الأحكام مما أوجد اضطراباً في تأريخ الإسلام، فنسبوا للنبي(صلى الله عليه وآله) من أكاذيبهم وأساطيرهم وخرافاتهم ما يجعل شخصيته متزلزلة، مضطربة، عاجزة، انفعالية، شهوانية، يغلب عليها التردد والتراجع والاضطراب، ولا يدري هل هذا الذي نزل عليه في غار حراء وحيٌ أم وهمٌ، فيذهبون به؛
ليستشير مرة ورقة بن نوفل، ومرة يذهبوا إلى السحرة، والعرافات، وغير ذلك من الأكاذيب الصلعاء البلهاء، والمصيبة الكبرى والكارثة التي تقصم الظهر أنَّ هذه الترهات دست في أسفار الحديث، ووضع لها أسانيد لا أصل لها ولا فرع، يقول الشيخ المظفر:
(وهناك بلاء مُنيَ به التأريخ الإسلامي خاصة حماه بالغموض والشك عن الباحثين المنصفين. ذلك كثرة ما لَفَّقَهُ الوضاعون والدساسون في القرون الأولى من الهجرة، لا سيما القرن الأول فأشاحوا بوجه الحقائق، وقلبوها رأساً لعقب، وليس أدل على ذلك من التناقض والاضطراب الموجود في أكثر أحاديث الوقائع التاريخية، فضلاً عن الأحكام الشرعية)(5).
وما فعله الزنادقة فأمرُّ وأنكى، فقد قال الزنديق ابن أبي العوجاء لما أُخِذَ ليُقتَل: (والله لقد وضعت أربعة آلاف حديث حللت فيها الحرام وحرمت فيها الحلال، والله لقد فطَّرْتكم يوم صومكم، وصَوَمْتُكم يوم فطركم)(6)،

وما هذه التشعبات، والتشرذم في الأمة، والاختلاف في المذاهب إلا نتيجة ما بذلوه من جهود منظمة ضمن تخطيط بعيد المدى؛ لضرب الإسلام في الصميم حين يُزَيِفون عقائده، ويحرفون أحكامه، فيدسون ما ليس من الإسلام فيه، وهذا أخطر من جيوش المغول والتتر؛ لأنَّ فرز الصحيح من السقيم ليس أمراً متيسراً لكل أحد، وإنما هو خاص بالعلماء من ذوي الخبرة العلمية والتقوى والورع والموضوعية، وأما إذا كانوا من أصحاب المذاهب التي أفرزتها السياسة الأموية والعباسية فالأمر يكون أشنع حيث تتخذ تلك الموضوعات ذريعة لإسناد تلك المذاهب وترويجها بين الناس باسم الإسلام، وهذا من أعظم ما رُزئ به الإسلام. يقول محمد عبده:
(لم يرزأ الإسلام بأعظم مما ابتدعه المنتسبون إليه، وما أحدثه الغلاة من المفتريات عليه، فذلك مما جلب الفساد على عقول المسلمين، وأساء ظنون غيرهم فيما بني عليه الدين. وقد فشت للكذب فاشية على الدين المحمدي في قرونه الأولى حتى عرف ذلك في عهد الصحابة رضي الله عنهم، بل عهد الكذب على النبي(صلى الله عليه وآله) في حياته.. إلا أن عموم البلوى بالأكاذيب حق على الناس بلاؤه في دولة الأمويين، فكثر الناقلون، وقلَّ الصادقون)(7).

وبناء على ما تقدم فإنَّه يجب على الباحث والكاتب أن يتحرى الصحيح، ويدقق في الفحص من حيث المتون والأسانيد، ويرجع إلى القواعد التي وضعها أساطين علوم الحديث، وإلا سيقع في الخطأ والإثم من حيث يدري أو لا يدري، وما تقدم مجرد إشارة سريعة ؛ لتنبيه القارئ الكريم عن خطورة البحث في سيرة الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله)،
وما يتعلق بها من عقائد وأحكام ومفاهيم.
ومن هنا يجب على كل باحث في السيرة النبوية الشريفة أن يتحرى الدقة المتناهية ويتفحص ما رواه المؤرخون ورواة الأحاديث لئلا يتبوأ مقعده في النار فقد قال(صلى الله عليه وآله): (من كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)(8)؛ ليستطيع أن يلتقط من سيرته وتأريخه (صلى الله عليه وآله) بعض ما يعيننا لوعي الإسلام من مصادره الصحيحة، وما يساعدنا في مواصلة السير على نهجه، والدعوة إلى رسالته، والتأسي به في الدعوة إلى الله، وتحمل أعبائها، والتخلق بخلقه، والتأدب بآدابه عَلَّنا نفوز بشفاعته (يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ* إِلَّا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ)(سورة الشعراء: 88-89).
مناهج البحث في حياة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله):
تعددت مناهج البحث في تأريخ وسيرة الرسول(صلى الله عليه وآله) بتعدد المذاهب والآراء، فمنهم من سلك مسلك جمع الروايات الكثيرة والمتعددة بل والمختلفة فيما بينها، وثبتها في بحوثه على علتها بدون فحص وتدقيق.
ومنهم من أخذ المسلك الزمني في البحث، فراح يبحث في كل سنة، ما وقع فيها من أحداث تخص المسلمين سواء كان نزول القرآن، أو تحديات الكفر التي واجهها رسول الله (صلى الله عليه وآله)، أو الحروب التي وقعت.
ومنهم من قسم مراحل حياته الشريفة على قسمين، مكي ومدني، وراح يبحث الأحداث في أماكن وقوعها.
ومنهم من سلك مسلكاً أدبياً، فراح يبتدئ بفضائل وكرامات ومعاجز رسول الله(صلى الله عليه وآله) من دون ذكر حيثياتها، وما تستبطنه من أسرار.
وفي العصر الحديث برز أسلوب آخر سلكه بعض الباحثين الغربيين والمتغربين الذين راحوا يدرسون حياة رسول الله(صلى الله عليه وآله)
بصفته عبقرياً من عباقرة التأريخ، أو فيلسوفاً متمرساً في الفلسفة، أو سياسياً أتقن فن السياسة مع تجريده من خصوصياته الإلهية التي هي سر عظمته ومنها انطلق وإليها يعود، ولها دعا، ومن أجلها تحمل ما تحمل…
هذه بعض الأساليب السائدة وهناك غيرها، والحقيقة أنَّ كل هذه الأساليب لا تفي بشيء من الأسرار المحمدية، ولا تعطي الصورة الربانية الحقيقية، وإنما الأسلوب الأمثل، بل هو الوحيد الذي يفي بحقيقة رسول الله (صلى الله عليه وآله) هو ما نزل به وحي السماء في القرآن الكريم، وما تفوه به أهل بيته الطاهرين(عليهم السلام)، وبعض أصحابه المخلصين، فلا يمكن معرفة رسول الله(صلى الله عليه وآله) معرفة تامة شافية من جميع جوانب حياته المفعمة بالقيم الأخلاقية، والكرامات الإلهية، والمعاجز الربانية، والتحديات السياسية بما يكتنفها من أحداث إلا من خلال هذين المصدرين؛ لأنَّ ما سواهما يحتمل الصواب، ويحتمل الخطأ، واحتمال الخطأ أرجح ؛ لتعدد الآراء والمذاهب، والأمزجة، والإرادات، ولا سيما إذا دخلت فيها ألاعيب السياسة، كما حدث في السياستين الأموية والعباسية، ومن هنا علينا أن نرتشف من هذين المنبعين الفياضين؛ لوعي سيرة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله)
وسننه الشريفة، في جميع المجالات الفكرية والأخلاقية والسياسية والاجتماعية،
فرسول الله (صلى الله عليه وآله) قد جسّد القرآن في سلوكه تجسيداً حيّاً فهو القرآن الناطق في كل حركة وسكنة، فقد كان خلقه القرآن كما ورد في بعض المأثورات.

نشرت في العدد 62


الهوامش
1) المحدث المجلسي، بحار الأنوار: 16/210 .
2) الشيخ الطبرسي، مكارم الأخلاق: 17 .
3) نهج البلاغة: الخطب: 192 .
4) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: 11/44-45 .
5) الشيخ محمد رضا المظفر، السقيفة: 17-18 .
6) ابن الأثير، الكامل في التأريخ: 6/7 .
7) محمود أبو رية، أضواء على السنة المحمدية: 389 .
8) عيون أخبار الرضا: 2/212 .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.