Take a fresh look at your lifestyle.

موقف النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) من الشعر والشعراء

0 916

    إنّ مفهوم الشعر ونظرة الإسلام إليه تبدأ من الآيات القرآنية الكريمة وتكملها الأحاديث النبوية الشريفة، تقرأ في القرآن الكريم دفاعًا عن الرسول (صلى الله عليه وآله)
وصونًا لدعوته ونبوته وتبرئتهما من التهم التي تخبط المشركون في تخيلها وصوغها، فقد خيل إليهم عنادهم وكفرهم أن ما يسمعونه من أي الذكر الحكيم ليس وحيًا يوحى وإنما هو ضرب مما يعرفونه في حياتهم آنذاك فتارة يتهمون الرسول (صلى الله عليه وآله)
بأنه كاهن، وأخرى شاعر، وثالثة يصفون كلام الله جل وتعالى بأنه السحر، فجاءت الآيات الكريمة معلنة أن ما ينطق به الرسول (صلى الله عليه وآله) وحي يوحى، وهو كلام الله سبحانه وتعالى: (وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ) (الحاقة:41).
ولا يمكن أن يفهم من هذه الآيات الكريمات حط من شأن الشعر والشعراء أو نظرة فيها احتقار أو سخرية لكونها قد نزهت الرسالة السماوية أن تكون نمطًا من الإبداع البشري .
نظرة النقاد القدامى إلى موقف الإسلام من الشعر:
تعد قضية الإسلام والشعر من القضايا النقدية المهمة التي أحرزت اهتماماً واسعاً من قبل المهتمين بالشعر العربي منذ ظهور الإسلام في شبه الجزيرة العربية إلى يومنا هذا.
والحديث عن الإسلام والشعر حديث ذو تاريخ له رجع بعيد، فهو من الموضوعات الأدبية القديمة التي كثر فيها الكلام وطال حولها الجدل حتى يمكن القول إنها تحولت إلى قضية فكرية وإشكالية معقدة شغلت الباحثين والمختصين في الدراسات الإسلامية والأدبية على السواء(1).
وتأتي أهمية هذه القضية من أبعادها المختلفة، خصوصاً إذا اصطدمت بالمعجز الرباني (القرآن الكريم) كتاب الإسلام، ومحاولة نفي تهمة كونه شعراً، وقد اختلفت وجهات نظر العلماء القدامى تجاه هذه القضية تبعاً لثقافة كل عالم ونظرته الاجتماعية، وكان الأصمعي (ت 216 هـ) من النقاد الذين يرون أن الإسلام قد أضعف الشعر، جاء ذلك في قوله: (طريق الشعر إذا أدخلته في باب الخير لان)(2)، وقال أيضاً:
(طريق الشعر طريق الفحول مثل امرئ القيس وزهير والنابغة من صفات الديار والرحيل والهجاء والتشبيب والنساء وصفة الخمر والخيل والحروب والافتخار، فإذا دخل في باب الخير لان)(3).
ويفهم من كلام الأصمعي أن التحرر وعدم الالتزام هو الطابع العام لشعر الفحول من الجاهليين، وقد يكون هذا الموقف واحداً من علل عزوف الأصمعي وجيله من النقاد عن شعر الإسلاميين(4).
أما ابن سلام الجمحي فقد رأى أن العرب قد انشغلوا عن رواية الشعر بمجيء الإسلام قال: (فجاء الإسلام، فتشاغلت عنه العرب، وتشاغلوا بالجهاد وغزوا فارس والروم، ولهت عن الشعر وروايته. فلما كثر الإسلام، وجاءت الفتوح، واطمأنت العرب بالأمصار، راجعوا رواية الشعر)(5).
وحجة ابن سلام هذه غير كافية لتسويغ أن الشعر قد ضعف في صدر الإسلام، لأن الإسلام استبدل المعارك القديمة التي كانت تدور بين العرب بمعارك أخرى، هذه المعارك تدور بين الإسلام والكفر وهي حتماً كانت بحاجة إلى الشعر.
كذلك ردد قول ابن سلام السابق العام والناقد ابن خلدون في مقدمته حيث قال:
(انصرف العرب عن الشعر أول الإسلام بما شغلهم من أمر الدين والنبوة والوحي، وبما أدهشهم من أسلوب القرآن ونظمه، فأخرسوا عن ذلك وسكتوا عن الخوض في النظم والنثر زماناً، ثم استقر ذلك وأونس الرشد من الملّة، ولم ينزل الوحي في تحريم الشعر وحظره، وسمعه النبي(صلى الله عليه وآله)
وأثاب عليه فرجعوا حينئذ عن ديدنهم
منه)(6).
ومن النقاد القدامى من رأى أن يفصل بين الدين والشعر نجد هذا عند الصولي في قوله: (وما ظننت أن كفراً ينقص من شعر ولا أن إيماناً يزيد فيه)(7).
وخاض ابن عبد ربه الأندلسي في هذه القضية حينما قال: (ونحن قائلون بعون الله وتوفيقه في فضائل الشعر ومقاطعه ومخارجه، إذ كان الشعر ديوان العرب خاصة والمنظوم من كلامها والمقيد لأيامها، والشاهد على حكامها)(8).
القرآن والشعراء:
أشار القرآن الكريم إلى الشعراء في قوله تعالى: (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (*) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (*) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (*) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ*) (الشعراء: 224 – 227). لقد جاء في تفسير ابن كثير أنه بعد أن نزلت (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ) توجه حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك إلى الرسول(صلى الله عليه وآله) وهم يبكون، قالوا: (قد علم الله حين أنزل هذه الآية إنا شعراء، فتلا النبي(صلى الله عليه وآله): (إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) قال: أنتم (وَذَكَرُوا اللهَ كَثِيرًا) قال: أنتم (وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا) قال: أنتم)(9).
ومن ذلك (فالقرآن قد ميز بين فريقين من الشعراء فريق استغل فنه فيما ينافي هدى الدين وآدابه فهو الفريق المعيب الذي حاربه القرآن، وفريق اتجه بشعره إلى العمل الخير الجميل، وإلى نصرة الحق أينما وجد فهو الفريق الذي أخرجه من ذلك الوصف العام، وأيده بكل قوة)(10).
ولم يكن الشعراء جميعًا بمثل هذه الصورة المقيتة لينزه عنها الرسول (صلى الله عليه وآله) فللشعر مكانته الكبيرة عند العرب، وللشعراء أهميتهم في القبائل، وما كان جميع الشعراء مادحين مبالغين أو هجَّائين مفحشين، ويبدو أن تنزيه الآيات الكريمة الرسول(صلى الله عليه وآله) عن الشعر متأت من ادعاء الشعراء أنفسهم بأمور غيبية تلهمهم الشعر، كما ادعى الكهان والسحرة ذلك، والشعراء يدعون أن لهم شياطين يوحون إليهم بالشعر مثلما يدعى السحرة بملازمة الأرواح والجن لهم، وأن القرآن كلام الله أنزله على النبي (صلى الله عليه وآله) وهو لا يشبه أي ضرب من ضروب الإبداع (إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى)(النجم: 4 ).
أما الحديث النبوي الشريف الذي يعد المرجع الثاني بعد القرآن الكريم فنجد فيه أقوالًا للرسول (صلى الله عليه وآله) تسير في إطار مفهوم الآيات القرآنية الكريمة التي صنفتهم صنفين، خير ملتزم بالدين الجديد ومنحرف لا يقدم فائدة أدبية أو أخلاقية.
موقف النبي(صلى الله عليه وآله) من الشعر وعلاقته بالأخلاق:
أما الحديث النبوي الذي قد يفهم منه موقف نقدي قاس إزاء الشعراء عامة والجاهلية خاصة فهو قوله(صلى الله عليه وآله) واصفًا امرأ القيس بأنه (صاحب لواء الشعراء إلى النار.. أو أنه أشعر الشعراء وقائدهم إلى النار)(11) وفي رواية أخرى تفصيل أكثر لحال امرئ القيس في الدنيا والآخرة: (ذلك رجل مذكور في الدنيا شريف فيها، منسي في الآخرة خامل فيها يجيء يوم القيامة معه لواء الشعراء إلى النار)(12).
وعندما نقف أمام الحديث وقفة تأمل وتحليل نلاحظ أن الرسول(صلى الله عليه وآله) عربي بذوقه الرفيع وبلاغته التي جعلت من أقواله وأحاديثه أعلى نمط أدبي عرفته اللغة العربية بعد القرآن الكريم، فكيف يحط من شأن شعر امرئ القيس، إذ نقده لامرئ القيس نابع من المفهوم الإسلامي للشعر والشعراء، ويكون حكمه منصبًا على الجوانب التي فيها وصف فاحش خاصة في غزل الشاعر امرئ القيس التي تتنافى مع مبادئ الدعوة الإسلامية التي تنادي بالعفة والخلق الكريم.
ولا يمكن أن نعقل إنكار الرسول (صلى الله عليه وآله) لوجود الظاهرة الشعرية في المجتمع العربي ولا أن يمنع العرب عن قول الشعر وهو الذي يقـول: (لا تدع العرب الشعر حتى تدع الإبل الحنين)(13).
وفضلاً عن بعض الدارسين أن استعمال الرسول(صلى الله عليه وآله) للشعر كسلاح في المعركة ضد المشركين، فضيلة أخرى من فضائل الشعر جاء ذلك في قوله: (ولو لم يكن من فضائل الشعر إلا أنه أعظم جند يجنده رسول الله (صلى الله عليه وآله)،
على المشركين يدل على ذلك قوله لحسان: (شن الغطاريف على بني عبد مناف فو الله لشعرك أشد عليهم من وقع السهام في غلس الظلام، وتحفظ بيتي فيهم. قال: (والذي بعثك بالحق نبيًا، لأسُلنّك منهم سَلَّ الشعرِة من العجين)! ثم أخرج لسانه فضرب به أرنبة أنفه، وقال: (والله يا رسول الله إنه ليخيل لي أني لو وضعته على حجر لفلقه، أو على شعر لحلقه!) فقال النبي (صلى الله عليه وآله): (أيَّد الله حساناً في هجوه بروح القُدس)(14).
ولما كان لشعر المشركين واليهود أثره الكبير في نفس الرسول ونفوس المسلمين وفي تعويق الدعوة والتنفير منها، كان لزاماً من الرسول أن يجند الشعر في المعركة ضد المشركين وهذا التجنيد يراه ابن عبد ربه فضيلة تحتسب للشعر.
ومن الأبيات التي أعجبت الرسول (صلى الله عليه وآله)
قول عمرو بن الأهتم: [من الرجز]
ذريني فإنَّ البخل يا أمَّ هيثم
لصالح أخلاقِ الرجال سَروقُ
ذريني فإني ذو فعال تهمني
نوائبُ يَغْشَى رُزْؤُها وحُقوقُ(15)
وليس هذا الاستحسان من الرسول الكريم بالأمر العجيب فقد ولد الرسول(صلى الله عليه وآله)
في الجزيرة العربية، ونشأ وترعرع بين قوم يعدون الشعر ديوان فضائلهم وسجل مفاخرهم ووسيلة تخليد مآثرهم، قوم يتعشقون الكلمة الحلوة ويطربون لسماع اللحن العذب، ويقيمون الأسواق والمواسم تحقيقاً لمتعة سماع الشعر(16).
فالشعر جزء من حياة العرب ووجودهم، ولا يمكن أن يهجروه في أي حال من الأحوال كما لا يمكن أن يدعو الرسول(صلى الله عليه وآله) إلى مخالفة الطبيعة العربية والإنسانية لكون الشعر مظهرًا من مظاهر الإبداع الفكري الإنساني وهو العربي الذي يعجب بالكلام الفصيح، ويهتز للشعر الجميل، فقد ذكر عنه في قصة أحد الوفود بأنه وصف شعر شاعر وكلام بليغ من وفد تميم بقوله: (إن من البيان لسحرًا، وإن من الشعر لحكمة)(17).
وهناك أقوال أخرى قد تكون أكثر وضوحًا لكونها تبين نظرة الرسول(صلى الله عليه وآله) إلى الشعر ومنها: (إنما الشعر كلام ومن الكلام طيب وخبيث)(18) وقوله: (إنما الشعر كلام مؤلف فما وافق الحق فهو حسن وما لم يوافق الحق فلا خير فيه)(19).
فالشعر المتمم لمكارم الأخلاق من هذه الناحية شعر حق وخير، وما كان منافيًا للحق بمفهومه العام فلا خير فيه.
إن الوقوف عند مهمة الشاعر، وجدوى الشعر في الحياة أمران يشغلان بال الناقد والسامع والشاعر معًا، والرسول(صلى الله عليه وآله) بتعريفه للشعر قد قدم لنا بعض جوانب هذه الصورة لمهمة الشاعر التي لم يحددها في الدفاع عن الحق أو الدعوة فحسب بل جعل مهمته إنسانية شاملة كبيرة مؤثرة، ومنها كشف جوانب الجمال والوجدان في الحياة، وأن يحرك المشاعر في النفوس فيجعلها تعيد النظر فيما كانت تتصور، وأن يلفت انتباه السامع إلى أمور ما كان يلتفت إليها، فلولا الشعر لافتقدت الحياة إلى كثير من معاني الفضيلة والجمال، ونعني جمال المثل والأخلاق الشخصية كالكرم والعفة والصدق.
إن مهمة الشاعر تفوق مهمة الفارس أحيانًا إذا أحسن استعمال موهبته الشعرية فكان عنصرًا فعالًا في مجتمعه ينير سبل الخير والمحبة والسلام ويحرك مشاعر العطف والحنان والعفو إذا اقتضى موقف ما وساطة شاعر.
وأخيرًا أدّى الشعر دورًا بارزًا في نشر رسالة الإسلام وقدم الشعراء مواهب وقدرات بيانية ولغوية لرفع الكلمة العليا، الإسلام لم يهجّن الشعر كلّه وإنما اتخذ موقفًا مناهضًا للشعر والشعراء الذين يحملون في طيّات شعرهم المعاني التي لا تتفق مع جلالة الرسالة ووقار الإسلام وكماله.

نشرت في العدد 62


1) ظ: قضية الإسلام والشعر/ 7.
2) الموشح/ 85.
3) م . ن /85 وقد ناقش الدكتور سامي مكي العاني هذا الرأي، ينظر: الإسلام والشعر/24.
4) ظ: دراسات نقدية في الأدب العربي/ 344 – 345.
5) طبقات فحول الشعراء: 1 / 25 .
6) المقدمة/ 427.
7) أخبار أبي تمام/ 172.
8) العقد: 6 / 118.
9) تفسير ابن كثير: 3 / 352.
10) الإسلام والشعر، د . سامي مكي العاني/ 45.
11) ينظر الجامع الصغير للسيوطي: 122.
12) ينظر فيض القدير الرقم 1624.
13) ينظر إحياء علوم الدين: 3/136.
14) العقد: 6 / 127.
15) معجم الشعراء / 21.
16) ظ: الإسلام والشعر، يحيى الجبوري / 46.
17) غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب :1/ 234.
18) ينظر العمدة في محاسن الشعر وآدابه: 1/78.
19) المصدر نفسه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.