Take a fresh look at your lifestyle.

الإمام الحسين(عليه السلام) قبس من صفاته وسيرته

0 392

    تجليات في صفاته(عليه السلام) :الحسين(عليه السلام)سبط رسول الله(صلى الله عليه وآله)، لقّبه بذلك كما جاء في الحديث عنه : ( من سرّه أن ينظر إلى سيد شباب أهل الجنة فلينظر إلى الحسين بن علي ).
واشتهر عنه وعن أخيه الحسن(عليه السلام)من عدة طرق أنهما سيدا شباب أهل الجنة(1) ،كما لقب الحسين(عليه السلام) بالسبط وأنه سيد الأسباط(2).
وهكذا بَدَت في الإمام الحسين(عليه السلام)ملامح جده الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله) .
فكان(عليه السلام) يحاكيه في أوصافه(عليه السلام)،ما كان يحاكيه في أخلاقه التي امتاز بها على سائر النبيين(عليه السلام).
وقد وصف بأنّ جسد الحسين(عليه السلام) يشبه جسد رسول الله(صلى الله عليه وآله) .
وقيل: إنّه كان يشبه(3) النبي(صلى الله عليه وآله)ما بين سُرَّتِه إلى قدميه .
وقد وصفه الرسول الأكرم بأنه إحدى الثمرتين كما جاء في قوله ( أنا شجرة ، وفاطمة فرعها ، وعلي لقاحها ، والحسن والحسين ثمرتها ، فالشجرة أصلها في جنة عدن ، والأصل والفرع واللقاح والثمر والورق في الجنة ) (4) وفي هذا المعنى قال أحد الشعراء (5):
يا حبذا دوحة في الخلد نابتة
ما مثلها نبتت في الخلد من شجر
المصطفى أصلها والفرع فاطمة
ثم اللقاح عليّ سيد البشر
والهاشميان سبطاه لها ثمر
والشيعة الورق الملتف بالثمر
إنّي بحبهم أرجو النجاة غداً
والفوز في زمرة من أفضل الزمر
هذا مقال رسول الله جاء به
أهل الرواية في العالي من الخبر

وقال الإمام علي(عليه السلام): ( مَن سَرَّهُ أن ينظر إلى أشبه الناس برسول الله(صلى الله عليه وآله) ما بين عنقه وثغره فلينظر إلى الحسن ) ، وَمَن سَرَّهُ أن ينظر إلى أشبه الناس برسول الله(صلى الله عليه وآله) ما بين عنقه إلى كَعبِهِ خَلقاً وَلَوناً فلينظر إلى الحسين)(6).
فقد بدت على وجهه الشريف أسارير الإمامة ، وكان الحسين(عليه السلام) هو الخليفة المنصوص من الرسول (7)، فكان(عليه السلام) من أشرق الناس وجهاً ، فكان كما يقول الشاعر أبو كبير الهذلي :
وَإِذا نَظرت إلى أَسِرَّة وجهه
بَرقت كَبَرقِ العَارض المُتَهَلِّل

فالحسين(عليه السلام) هو الخليفة الشرعي بايعه الناس أو لم يبايعه فبيعة الناس ليست شرطاً في الإمامة وإنما على الناس أن يبايعوا من أرادته النفوس ولا تصح للإمامية بيعة غيره ولا تقع من أحدهم إلا اضطراراً (8).
جماله(عليه السلام):
وصفه بعض المترجمين له بقول أحدهم : كان(عليه السلام) أبيض اللون ، فإذا جلس في موضع فيه ظلمة يُهتَدى إليه لبياض حسنه ونحره .
وبقول آخر: كان له(عليه السلام)جَمالٌ عظيم، ونورٌ يتلألأ في جبينه وخَده، يضيء حَواليه في الليلة الظلماء، وكان(عليه السلام)أشبه الناس برسول الله(صلى الله عليه وآله).
قيل أتت فاطمة الزهراء(عليه السلام) بابنيها إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله)في شكواه التي توفي فيها فقالت : يا رسول الله هذان ابناك فورثهما شيئاً فقال : أما فإنّ له هيبتي وسؤددي وأما الحسين فإنّ له جرأتي وجودي(9) وفي رواية (أما الحسين فإنّ له جودي وشجاعتي )(10).
ووصفه بعض الشهداء من أصحابه في يوم الطف قائلاً :
لَهُ طَلعةٌ مِثل شَمس الضّحى
لَهُ غرَّة مِثل بَدرٍ مُنير
هَيبته(عليه السلام)
وكانت عليه سِيمَاء الأنبياء(عليه السلام)، فكان(عليه السلام)في هَيبته يَحكي هيبة جَدِّه المصطفى(صلى الله عليه وآله)التي تَعنُو لَها الجِبَاه .
روي أنّ إعرابياً سلم على الحسين بن علي(عليه السلام)فسأله حاجة وقال : سمعت جدك رسول الله(صلى الله عليه وآله)يقول : إذا سألتم حاجة فاسألوها من أحد أربعة : إما من عربي شريف ، أو مولى كريم ، أو حامل القرآن ،وذي وجه صبيح . فأما العرب فشرفت بجدك ، وأما الكرم فدأبكم وسيرتكم ، وأما القرآن ففي بيوتكم نزل ، وأما الوجه الصبيح فإني سمعت جدك رسول الله(صلى الله عليه وآله) يقول : إذا أردتم أن تنظروا إليَّ فانظروا إلى الحسن والحسين(11) ….
ووصف عظيم هيبته بعض الجَلاَّدين من شُرطة ابن زياد بقولهم : لَقَد شَغَلَنا نُورُ وجهِهِ وجَمالُ هَيبتِه عن الفكرة في قتله .
ولم تحجب نور وجهه يوم الطف ضربات السيوف ، ولا طَعنات الرماح ، فكان كالبدر في بَهائه ونَضَارته ، وفي ذلك يقول الشاعر الكعبي :
وَمُجَرَّحٌ ما غيَّرت منه القَنا
حُسناً ولا أخلَقْنَ منه جَديدا
قَد كان بدراً فاغتَدَى شمسُ الضّحى
مُذْ ألبَسَتْه يد الدماء بُرودا

وَلما جِيءَ برأسه الشريف إلى الطاغية ابن زياد بُهِر بنور وجهه ، فانطلق يقول: ما رأيتُ مثل هذا حُسناً !!.
وحينما عُرِض الرأس الشريف على يزيد بن معاوية ذُهِل من جمال هيبته وطفق يقول : ما رأيتُ وجهاً قط أحسنُ مِنه !!.
ولما تشرف عبد الله بن الحر الجعفي بمقابلته(عليه السلام) امتلأت نفسه إكباراً وإجلالاً له ، وراح يقول : ما رأيتُ أحداً قَط أحسَنُ ، ولا أملأُ للعين من الحُسَين(عليه السلام).
فقد بدت على ملامحه(عليه السلام) سيماء الأنبياء (عليه السلام)، وبهاء المُتَّقين ، فكان(عليه السلام) يملأ عيون الناظرين إليه ، وتنحني الجباه خضوعاً وإكبارًا له(عليه السلام).
تجليات عاطفته :
لم تجف عاطفة الإمام الحسين(عليه السلام) في هذه المدة الطويلة ولم يتجرد عنها ويدعها جانباً كما قد يحصل لكثير من ذوي التصميم والإصرار على الدخول في الصراعات المضنية ومقارعة الأهوال ، بل كان (عليه السلام)كسائر أهل بيته متكامل الإنسانية فهو أشد عاطفة وأرقهم قلباً يتفاعل مع الآلام والمصائب التي تنزل عليه ، وتستثيره المناسبات الشجية حسرة وعبرة ، كما يظهر بمراجعة تفاصيل الواقعة تاريخياً (12).
ونجد ذلك حين أنشد(عليه السلام) تلك الأبيات في الليلة العاشرة من المحرم إذ قال(13):
يا دهرُ أفٍ لَـكَ مِنْ خليــلِ
كم لَكَ بالإشراقِ والأصـيلِ
مِنْ صاحبٍ أو طالبٍ قتيلِ
والدهــرُ لا يقنــعُ بالبديـلِ
وإنّــما الأمــرُ إلى الجــليلِ
وكلُّ حـيٍّ ســالكٌ ســبيلِ

لكن عاطفته(عليه السلام) مهما بلغت لم تمنعه من المضي في طريقه ، ومن تصميمه على الوصول للنهاية المفجعة ، كل ذلك لفنائه (عليه السلام)في ذات الله ولأن هدفه الأسمى رضاه جل شأنه(14)إذ قال(عليه السلام)(15) :
فَــإِنْ تَكُـنِ الدُّنْيـا تُعَــدُّ نَفيسَــةً
فَــدارُ ثَــوابَ اللهِ أَعْـلى وَأَنْبَــلُ
وَإِنْ تَكُنِ الأَْبْدانُ لِلْمَوْتِ أُنْشِئَتْ
فَقَتْلُ امْرِىءٍ بِالسَّيْفِ فيِ اللهِ أَفْضَلُ
وَإِنْ تَكُــنِ الاَْرْزاقُ قِسْـماً مُقَدَّراً
فَقِلَّةُ حِـرْصِ الْمَـرْءِ في الرِّزْقِ أَجْمَلُ
وَإِنْ تَكُـنِ الأَْمْوالُ لِلتـَّرْكِ جَمْعُهـا
فَـما بالُ مَــتْرُوك بِهِ الْمَــرْءُ يَبْخَـلُ
فالإمام الحسين(عليه السلام)مظهر للمصاب والألم …. ألم من أجل الدفاع عن حرية الإنسان فهو شهيد وشاهد وقربان وقف في وجه الباطل وتقبل الآلام لنفسه وعياله فكانت آلامه وتضحيته في سبيل القيم الأخلاقية (16) .
من مظاهر العاطفة الجود بالمال لقضاء حاجة مسلم، إذ جاء رجل من الأنصار يريد أن يسأل الإمام أبي عبد الله الحسين(عليه السلام)، فقال له الإمام الحسين(عليه السلام) :
يا أَخَا الأَْنْصارِ ! صُنْ وَجْهَكَ عَنْ بَذْلَةِ الْمَسأَلَةِ ، وَارْفَعْ حاجَتَكَ في رُقْعَة ، فَإِنّي آت فيها ما سارُّكَ إِنْ شاءَ اللهُ . فكتب : يا أبا عبد الله ! إنّ لفلان عليّ خمسمأة دينار ، وقد ألحّ بي ، فكلّمه ينظرني إلى ميسرة .
فلمّا قرأ الحسين(عليه السلام) الرقعة دخل إلى منزله فأخرج صرّة فيها ألف دينار، وقال (عليه السلام) له : أَمّا خَمْسُمِائَة فَاقْضِ بِها دَيْنَكَ ، وَأَمّا خَمْسُمِائَة فَاسْتَعِنْ بِهْا عَلى دَهْرِكَ ، وَلا تَرْفَعْ حاجَتَكَ إِلاّ إِلى أَحَدِ ثَلاثَة : إِلى ذي دين ، أَوْ مُرُوَّة ، أَوْ حَسَب ، فَأَمّا ذُو الدّينِ فَيَصُونُ دينَهُ ، وَأمّا ذُو الْمُرُوَّةِ فَإِنَّه يَسْتَحْيي لِمُرُوَّتِهِ ، وَأَمّا ذُو الْحَسَبِ فَيَعْلَمُ أَنَّكَ لَمْ تُكْرِمْ وَجْهَكَ أَنْ تَبْذُلَهُ لَهُ في حاجَتِكَ فَهُوَ يَصُونُ وَجْهَكَ أَنْ يَرُدَّكَ بِغَيْرِ قَضاءِ حاجَتِكَ . (17)
أخلاق الإمام.. أخلاق رسول الله :
نشأ في ظل جده الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله)فكان هو الذي يتولى تربيته ورعايته ، فقد(روى أنّ شاعراً مدح الحسين بن علي (عليه السلام)، فأحسن عطيته ، فعوتب على ذلك ، فقال : أترون أني خفت أن يقول إني لست ابن فاطمة بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله) ولا ابن علي بن أبي طالب ؟ ولكن خفت أن يقول : لست كرسول الله(صلى الله عليه وآله)،ولست كعلي ، فيصدق ويحمل عنه ، ويبقى مخلداً في الكتب ، وملفوظاً على ألسنة الرواة ، فقال الشاعر : أنت والله ابن رسول أعلم بالمدح والذم مني ، وقد وقع الحسن بن زيد بن الحسين بن علي في بعض ما قال جده ، قال فيه ابن عاصم المديني ، واسمه محمد بن حمزة الأسلمي :
له حق ، وليس عليه حقّ ومهما قال فالحسن الجميل
وقد كان الرسول يرى حقوقاً عليه لأهلها وهو الرسول )(18)
امتداد العاطفة إلى البعد الإنساني الخاص :
روي للإمام الحسين(عليه السلام)شعر في التودد العاطفي تجاه امرأته وابنته(19):
لعمرك أنني لأحبّ داراً
تحلّ بها سكينة والرباب
أحبهما وأبذل جلّ مالي
وليس لعاذل عندي عتاب
ولست لهم وان عتبوا مطيعاً
حياتي أو يغيبني التراب

وقد تكون المخاطبة خاصة تمتد إلى إذراف الدمع ممزوجة بالبكاء والنحيب وهو يتكلم مع بنته سكينة(20):
سيطول بعدي يا سكينة فاعلمي
منك البكاء إذا الحمام دهاني
لا تحرقي قلبي بدمعك حسرة
ما دام مني الروح في جثماني
فإذا قتلت فأنت أولى بالذي
تأتينه يا خيرة النسوان

والأبيات التي رثى بها أخاهُ الحسن(عليه السلام)خير دليل (21) :
أأَدْهُنُ رَأْسي أَمْ أَطيبُ مَحاسِني
وَرَأْسُكَ مَعْفُورٌ وَأَنْتَ سَليبٌ
أَوْ اسْتَمْتِعُ الدُّنْيا لِشَيْء أُحِبُّهُ
أَلا كُلُّ ما أَدْنى إِلَيْكَ حَبيبٌ
فَلا زِلْتُ أَبْكي ما تَغَنَّتْ حَمامَةٌ
عَلَيْكَ ، وَما هَبَّتْ صَبا وَجَنُوبٌ

مروءته :
جنى بعض مواليه جناية توجب القصاص والتأديب فأمر بتأديبه ، فقال يا مولاي ، إنّ الله يقول : والكاظمين الغيظ ، فقال الإمام (عليه السلام):خلوا عنه فقد كظمت غيظي ، فقال : والعافين عن الناس ، فقال(عليه السلام): لقد عفوت عنك ، فقال : والله يحب المحسنين ، فقال الإمام(عليه السلام): أنت حر لوجه الله وأعطاه ما يكفيه في حياته (22) .
وتبدو هذه الملامح في شخصية الحسين (عليه السلام)بارزة للإنسانية جمعاء لا شك فيها ، والحسين(عليه السلام)رافد كله عطاء وحيوية فسواء كانت مواقفه إنسانية عامة أو خاصة لا تقل شأناً عن غيرها من مواقفه الأخرى وهو مضحياً بدمه وأبنائه وإخوته وأصحابه في دعم التوهج الروحي لأبناء الأمة من أجل زرع الأمل في النفوس و بث روح التفاؤل وحب الحياة والتواصل الاجتماعي والتعامل الإنساني .

نشرت في العدد المزدوج 57-58


(1)مقتل الحسين للخوارزمي : 142 .
(2)مع الحسين في نهضته : أسد حيدر: 15 .
(3)أدعية الإمام الحسين (عليه السلام) ( الصحيفة الحسينية ) ، محمد علي دخيل : 4 .
(4) مقتل الحسين للخوارزمي : 102 .
(5)المصدر نفسه .
(6)المصدر نفسه: 139 .
(7)ينظر : الإمام الحسين والمناوئون : علي الروحاني : 13 .
(8)المصدر نفسه : 17 .
(9)مقتل الحسين للخوارزمي : 158 .
(10)مناقب آل أبي طالب / ابن شهر آشوب : ج 3 / 165 .
(11)مقتل الحسين للخوارزمي : 225-226 .
(12)ينظر : فاجعة الطف : السيد محمد سعيد الطباطبائي الحكيم : 49 .
(13)مقتل الحسين – أبي مخنف : 52 .
(14) ينظر : فاجعة الطف للقزويني: 5 .
(15)مقتل الحسين للخوارزمي : 2 / 38 .
(16)ينظر : جدل ومواقف في الشعائر الحسينية ، إعداد : حيدر حب الله : 461 .
(17)ينظر : تحف العقول عن آل الرسول/ ابن شعبة الحراني : 272.
(18)العمدة في نقد الشعر وتمحيصه/ بن رشيق القيرواني ( ت 463هـ ) : 2 / 450 .
(19)المصدر نفسه: 1 / 26 ، ديوان الإمام الحسين بن علي : 75 – 77 .
(20)مقتل الحسين لأبي مخنف : 92 .
(21)مقتل الحسين للخوارزمي : 205 .
(22)سيرة الأئمة ألاثني عشر: هاشم معروف الحسني : 2 / 31 .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.