Take a fresh look at your lifestyle.

الأكل عند أهل المصيبة بين الجاهلية والإسلام

0 682

      من العادات السيئة وإن شئت فقل مصيبة على مصيبة تحدث في العرف السائد في كثير من البقاع، إذ يقوم أهل المصيبة بالذبح والطبخ لاستقبال المعزين إلى سبعة أيام، وفي الليلة السابعة يصنعون الطعام الكثير أيضًا باسم السابعة، وبعضهم في الليلة الثالثة، وهذه العادة عادة جاهلية كما سنبين إن شاء الله بدليلين هما :
1- إنها لم تعد من الولائم :
فهي ليس من الولائم المحببة ففي جواهر الكلام عن النبي(صلى الله عليه وآله): (لا وليمة إلاّ في خمس : في عِرْس ، أو خُرس ، أو عِذار ، أو وِكار ، أو رِكاز . أي التزويج ، والنفاس بالولد ، والختان ، وشراء الدار ، وقدوم الرجل من مكّة ..)(1) . ولم يعد منها الأكل في المصائب ,ولذا سميت وضيمة وليس وليمة.
قال المرداوي: الأطعمة التي يدعى إليها الناس عشرة …العاشر الوضيمة وهو طعام المأتم(2).
2- إنها عادة جاهلية وقد خالفتها السنة :
كانت هذه العادة من عمل أهل الجاهلية, ولكن النبي(صلى الله عليه وآله) غيرها وعكسها فبدلًا من أن يأكل عند أهل المصاب من طعامهم أمر أن يصنع لهم الطعام ويبعث إليهم لأنهم مشغولون بمصابهم، فعن الصادق(عليه السلام): (الأَكلُ عِندَ أهلِ المُصيبَةِ مِن عَمَلِ أهلِ الجاهِلِيَّةِ ، وَالسُّنَّةُ البَعثُ إلَيهِم بِالطَّعامِ كَما أمَرَ بِهِ النَّبِيّ(صلى الله عليه وآله) في آلِ جَعفَرِ بنِ أبي طالِب لَمّا جاءَ نَعيُهُ)(3).
وعنه (عليه السلام) قال: (لَمَّا قُتِلَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (ع) أَمَرَ رَسُولُ الله(صلى الله عليه وآله) فَاطِمَةَ ع أَنْ تَتَّخِذَ طَعَاماً – لأَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وتَأْتِيَهَا ونِسَاءَهَا فَتُقِيمَ عِنْدَهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَجَرَتْ بِذَلِكَ السُّنَّةُ أَنْ يُصْنَعَ لأَهْلِ الْمُصِيبَةِ طَعَامٌ ثَلَاثاً)(4) .
وعن الباقر(عليه السلام)قَالَ: (يُصْنَعُ لأَهْلِ الْمَيِّتِ مَأْتَمٌ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ يَوْمَ مَاتَ)(5).
وعن الصادق(عليه السلام) قال: (يَنْبَغِي لِجِيرَانِ صَاحِبِ الْمُصِيبَةِ أَنْ يُطْعِمُوا الطَّعَامَ عَنْه ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ)(6) .
رأي العلماء
هناك عدة استفتاءات في الموضوع لعدة من العلماء اخترت من بينها استفتاء موجه إلى مكتب المرجع الكبير سماحة السيد محمد سعيد الحكيم (دام ظله ) لما فيه من إسهاب وشمول فقد جاء الرد عن هذه العادة:
(إن تعزية المصاب وإن كانت سُنة مؤكدة بل فيها أجر عظيم وثواب جسيم كما نطقت بفضلها الأخبار، إلا أنه يكفي رؤية صاحب المصيبة كما ورد في الحديث:(وكفاك من التعزية أن يراك صاحب المصيبة)، ويجوز الجلوس فيها ولكن قيل بكراهة ما زاد على يوم واحد إلا أن يكون الجلوس بقصد قراءة القرآن والدعاء.
وينبغي مع ذلك مراعاة آداب التعزية، فلا يحسن التثقيل على أهل الميت وذويه وإحراجهم، فإن ذلك ينافي التسلية لهم والمواساة معهم.بل يراعى التخفيف عنهم وإعانتهم ما أمكن.
وقد ورد استحباب إرسال الطعام إليهم .وكأنه لدفع العناء عنهم وتكريمهم ،كما ورد كراهة الأكل عندهم ..ففي الحديث عن الصادق (عليه السلام): (الأكل عند أهل المصيبة من عمل الجاهلية)..وذكر بعض الفقهاء أنه يختص بما كان من عندهم لا ما يهدى إليهم من الأقرباء والجيران على السنة المذكورة.
كما يجب مراعاة المعزين للحدود الشرعية في تعزيتهم ووفودهم علة أهل الميت من اجتناب إلحاق الضرر بهم والتصرف في أموالهم بغير رضاهم أو التبذير والإسراف فيها، فإن هذا المقام أحق بمراعاة التقوى فيه، فإن في ذكر الموت عظة لمن يتعظ وعبرة لمن يعتبر، وعلى المؤمن أن يتذكر أنه لاحق بهم عن قريب فيحتاط لدينه ما شاء .فلا تؤدي الغفلة إلى تحريف هذه السنّة الشريفة عما أريد منها من التخفيف عن أهل الميت والتكريم لهم، خلاف ذلك فيحبط بذلك الأجر وتزول البركة وتوجب الفرقة .والله العالم.)
وأود أن أشير هنا إلى أمور :
(الأول): أن الله – جَلَّت آلاؤه – رؤوف بأهل المصيبة فقد حثّ على مواساتهم والتخفيف عن آلامهم, وذلك بتعزيتهم ومشاركتهم في مصابهم ثم بإعانتهم ماديًا بوجه محترم يحفظ لهم ماء وجههم, وذلك بصنع الطعام لهم, لأنهم قد شغلوا بمصابهم, ونهى عن الأكل عندهم خلافًا لعادة الجاهلية, كما ورد في الحديثين المتقدمين عن الإمام الصادق(عليه السلام). والأخبار في ذلك كثيرة عن أهل البيت(عليه السلام) فلماذا يا ترى نخالفها ونحن شيعتهم وموالوهم؟
(الثاني): إن صنع الطعام بهذا الوجه وإقامة الولائم بهذه السعة أمر ممقوت شرعًا لما فيه من السرف والتبذير، قال تعالى: (وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)(الأنعام:141)وكذلك قوله تعالى:(إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا)(الإسراء:27)، كما إن التوسع بالوجه المذكور قد يبتني على المباهاة والرياء وحب السمعة والظهور .قال النبي(صلى الله عليه وآله) : (وَمَنْ أطعَمَ طعامًا رِياءً وسُمعةً أطعمَهُ اللهُ مِثلَهُ مِنْ صَديدِ جهَنم ، وَجعلَ ذلكَ الطعَامَ نارًا في بَطنهِ حتى يَقضي اللهُ بينَ الناسْ )(7).
(الثالث): إن إنفاق النفقات الكثيرة من دون رغبة أهل المصيبة ولا رضًا منهم ثم تحميلهم تلك النفقات اعتداء عليهم ، وهو محرم شرعًا وغير إنساني عقلاً ، فبدلًا من إعانتهم والتخفيف عنهم في مصابهم تُضاعف المصيبة عليهم، ويقعون في إحراجات ومشاكل تزيد من آلامهم وتضيق الخناق عليهم.
(الرابع): إن الأمر قد تجاوز الأفراد وخرج عن اختيارهم فصار مشكلة مجتمع يصعب حلها والإفلات من قيودها، فاللازم على المجتمع التعاون بين أفراده لمعالجة الداء وسد باب الفساد بشجاعة وحزم وقوة تصميم، وذلك بالحث على ترك هذه العادة الضارة والتشجيع على نبذها ومدح من يقوم بذلك والثناء عليه والشكر له.
وتقع المسؤولية العظمى في ذلك على أهل النفوذ والمال والمقام الاجتماعي المرموق فإن قيامهم بذلك و تطبيقه على أنفسهم أشد تأثيرًا من قيام غيرهم, وإن اتهموا وسمعوا بعض اللذعات الظالمة والكلام غير المقبول من الجهلة والمفسدين وممن لا يصلح لتحمل المسؤولية، فذلك أمر قد يتعرض له المصلحون، إلا أنه لا ينبغي أن يعوقهم عن الإصلاح و تحمل المسؤولية إزاء دينهم ومجتمعهم طلبًا لمرضاة الله تعالى ورأفة بالناس ليفوزوا بعد ذلك بالأجر الجزيل والثناء الجميل والذكر الحسن والشكر الدائم .
ختامًا: نحن مأمورون بنبذ عادات الجاهلية وقد ثبت أنها عادة جاهلية ولاسيما ونحن مأمورون باتباع سنة النبي(صلى الله عليه وآله) .قال تعالى: (وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)( الحشر:7)
وقال تعالى 🙁أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) (المائدة: 50)
من المؤسف حقًّا أن نتمسك بهذه العادة إلى اليوم ونترك ما سنه النبي (صلى الله عليه وآله)وجاهد أهل البيت (عليهم السلام)من أجله، والحب الصادق هو أن نتبعهم(عليهم السلام) بما يريدون ونقدم إرادتهم على رغباتنا لا العكس.
نسأله سبحانه و تعالى أن يوفق المؤمنين ويصلح أمورهم ويسدد خطاهم ،وهو حسبنا ونعم الوكيل.

نشرت في العدد المزدوج 57-58


(1) جواهر الكلام ج29 ص51
(2) – الإنصاف ج8 ص316
(3) من لا يحضره الفقيه ج1 ص182
(4) الكافي ج3 ص217
(5) – من لا يحضره الفقيه ج1 ص182 والمأتم كل مجتمع في حزن أو فرح او خاص بالنساء.
(6)-المصدر نفسه ج3 ص237
(7) ثواب الأعمال/الشيخ الصدوق ص286

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.