Take a fresh look at your lifestyle.

سمات المنهج الإصلاحي عند الإمام الحسين(عليه السلام)

0 368

     

           لكل منهج سمات وخصائص معينة تميزه عن غيره من المناهج الأخرى وما تميز به المصلحون من أنبياء وأئمة هي وحدة المنهج .

           ودائماً نجد إلى جانب منهج الإصلاح منهجاً مقابلاً له هو منهج الإفساد والإضلال، فعملية الصراع بين جند الرحمن وجند الشيطان مستمرة ما دام هناك حق وباطل وإن كانت صور الصراع بينهما متعددة والأسلحة مختلفة ما دام المنهج واحداً، لذا عندما نقرأ في زيارة وارث: (السَّلامُ عَلَيْكَ يا وارِثَ آدَمَ صَفْوَةِ الله السَّلامُ عَلَيْكَ يا وارِثَ نُوحٍ نَبِيِّ الله السَّلامُ عَلَيْكَ يا وارِثَ… الخ)، يتبين بوضوح أن الإمام الحسين(عليه السلام) وارث المنهج الحركي الإصلاحي الذي قاده الأنبياء (عليهم السلام)، كإحدى تفسيرات معنى وراثة الإمام الحسين (عليه السلام) للأنبياء(1) قال تعالى:(ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ)(فاطر: ٣٢)، أما المناهج الإصلاحية الأخرى فقد تختلف بالهدف وقد تشترك مع المنهج الحركي الرسالي لأن السمات تختلف ومن أبرز النماذج التي قادت عمليات الإصلاح في غير المنهج الرسالي(2): زرادشت(3)، وبوذا(4)،
وكونفوشيوس(5)، وآخرون.

 

    السمات التي يتميز بها المنهج الإصلاحي:

 

          للمنهج الإصلاحي الرسالي سمات متعددة نقتصر على ذكر ثلاث منها :

 

     أولاً: الربانية

 

          المقصود بالربانية أن تكون كل الأفعال والأقوال خالصة لله سبحانه ومستمدة شرعيتها منه وأن توزن الوسائل الحركية وفق هذا الميزان بإفراد الله سبحانه بالألوهية والعبادة والسيادة ولا اعتبار لأي حركة إصلاحية ما لم تجعل من أهم خصائصها الربانية، ففي كل حركة إصلاحية رسالية لا مكان للتوجهات الأخرى فلا مكان للتعصب العرقي أو الطائفي أو الحزبي… الخ. إذا كانت هذه التوجهات في عرض التوجه لله سبحانه.

 

        فمبدأ الربانية من المبادئ الحاسمة التي تميز الحركات الإصلاحية الرسالية وغير الرسالية. وبذلك تتميز الحركات الضالة والأفكار المنحرفة عن حركات الإصلاح (أن الانتماء لله وحده بدلاً عن كل الانتماءات الأخرى والإيمان به واستمداد كل المناهج من تشريعه، هو الذي نعني أنه صفه مميزة للعاملين في الخط الحركي الإسلامي)(6) بشكل خاص وللخط الحركي الرسالي بشكل عام ومن هنا يتضح وبشكل جلي أن الربانية خصيصة مهمة وتعتبر قاعدة تحتية لهيكل العمل الرسالي فهي مجموعة قيم يجب أن يسير عليها كل مصلح رسالي، قال تعالى: (صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ) (البقرة: ١٣٨).

 

            فإذا ما كانت الحركة وفق هذا المبدأ وهذا ما يريده الله سبحانه فإن تحقق النصر حتماً سوف يحصل لأنه وعد إلهي، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ)(محمد: ٧)، فإذا كانت النصرة لأجل الله فلا شك في حصول النصر فإذا تحقق الشرط تحقق الجواب، وإذا رجعنا إلى القرآن الكريم سوف نجد أن القرآن الكريم يؤكد كثيراً على هذه السمة في العمل الرسالي فكانت السمة الأبرز في حركة الأنبياء هي سمة الربانية،

          قال تعالى: (لقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَه مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) (الأعراف: ٥٩)، وقال تعالى: (وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ)(العنكبوت: ١٦)، وقال تعالى: (وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ) (الأعراف: ٦٥)، وقال تعالى: (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ …) (الأعراف:٨٥).

 

             فالتركيز على عبادة الله سبحانه في دعوة الأنبياء هي الركيزة الأساسية والمبدأ الأول الذي يسيرون عليه في حركتهم الإصلاحية، وفي المقابل نهى أشد النهي عن عدم اعتماد الربوبية كمبدأ للعمل الرسالي الإصلاحي. وقد تجسدت هذه السمة في حركة الإمام الحسين(عليه السلام) الإصلاحية بشكل جلي من خلال أقواله وأفعاله وقد لا تجد هذا الوضوح في الكثير من الحركات الإصلاحية فمن أقواله (عليه السلام) عند خروجه إلى العراق: (… وأَنّي لَمْ أَخْرُجْ أشِراً، وَلا بَطِراً، وَلا مُفْسِداً، وَلا ظالِماً، وَإِنَّما خَرَجْتُ لِطَلَبِ الاِْصْلاحِ في أُمَّةِ جَدّي….)(7). وهو القائل في دعاء عرفة: (مَاذا وَجَدَ مَنْ فَقَدَكَ وَمَا الَّذي فَقَدَ مَنْ وَجَدَكَ)(8)،

 

              وهو القائل عندما قدّم أصحابه وأخوته وأبنائه في سبيل الله وقد أثخن بالجراح: (صَبْراً عَلى قَضائِكَ يا رَبِّ…)(9) وهو الباكي على أعدائه في ساحة المعركة(10)، لأنهم سيدخلون النار بسبب انحرافهم عن مبدأ الربانية الحقة، فكانت كل أقواله وأفعاله خالصة لله سبحانه.

             وما يلاحظ على كثير من الحركات التي ادعت الإصلاح الرسالي افتقادها لهذه السمة في منهجها الحركي وهو السبب الذي قاد إلى فشلها واندثارها كالكثير من الثورات التي قادها العلويون وغيرهم وكان الهدف من ورائها السلطة، والمصالح الفئوية أو الحزبية الضيقة مبتعدة عن المنهج الرسالي الأصيل.

 

     ثانياً: الأخلاقية

 

              من السمات المهمة في كل حركة إصلاحية أن تتصف بالأخلاقية، وكان الهدف من بعثة الأنبياء والرسل هو تتميم الأخلاق، فقد روي عن الرسول(صلى الله عليه وآله) أنه قال: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)(11)، وتتضح بجلاء الممارسات الأخلاقية في سلوكيات المصلحين، ومن الأخلاقيات المهمة هي نظافة الأساليب في التعامل مع الخصوم، فكان الرسول (صلى الله عليه وآله) يأمر بعدم قطع شجرة أو ضرب امرأة …الخ(12). وكان المثل الأعلى حتى وصفه القرآن الكريم: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (القلم: 4)، ولما لهذه السمة من أهمية بالغة في سلوكيات الفرد والجماعة وفي كل عمل رسالي نجد أن القرآن الكريم كثيراً ما يركز عليها في آيات عديدة منها:

            قال تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) (ال عمران: 159)، قال تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) (النحل: ١٢٥)، وقال تعالى: (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا) (النساء: ٥٨)، فكل هذه الآيات المباركة تدعو إلى الأخلاقية في كل قول وفعل.

 

             ولو رجعنا إلى الإمام الحسين(عليه السلام) لوجدنا هذه السمة قد تجلت بوضوح أمام كل من يقرأ سيرته العطرة فمنذ بداية حركته كان وضحاً مع أنصاره ومع من أراد المسير معه في أنه سائر للشهادة حتى يضعهم أمام الحقيقة فقال لهم: (مَنْ كانَ باذِلاً فينا مُهْجَتَهُ، وَمُوَطِّناً عَلى لِقاءِ اللهِ نَفْسَهُ فَلْيَرْحَلْ مَعَنا)(13)، وبذل المهجة في معناها الظاهري هو التضحية بالروح من أجل الهدف(14)، وقال (عليه السلام): (من لحق بي أستشهد ومن لم يلحق بي لم يدرك الفتح)(15).

 

             وقد خاطب أصحابه في ليلة العاشر: (هَذا اللَيْلُ قَدْ غَشِيَكُمْ فَاتَّخِذُوهُ جَمَلاً...)(16). وكان(عليه السلام) لا يفرق بين أحد من أصحابه وأهل بيته في التعامل، وأما مع أعدائه (فهو الذي سقى الحُر وجيشه الماء عندما جعجع به وأضطره للنزول في كربلاء حتى أن أحد أفراد جيش الحر بن يزيد سقاه الإمام الحسين(عليه السلام) بيده ورشفوا خيلهم ترشيفاً)(17)،ولم يبدأ القوم بقتال وكان يبكي عليهم لأنهم أضلوا الطريق.

 

             وهناك موقف في حركة الإمام الحسين(عليه السلام) يمكن أن يكون خير شاهد لهذه السمة وهو موقف مسلم بن عقيل (عليه السلام) عندما أمتنع عن قتل عبيد الله بن زياد في دار هاني بن عروة لأنه سمع حديثًا عن النبي(صلى الله عليه وآله) ينهى فيه عن الغدر، (أنّ الإيمان قيَّد الفتك فلا يفتك مؤمن)(18).

 

             قال الإمام علي(عليه السلام): (لَوْلَا كَرَاهِيَةُ الْغَدْرِ كُنْتُ مِنْ أَدْهَى النَّاسِ أَلَا إِنَّ لِكُلِّ غُدَرَةٍ فُجَرَةً ولِكُلِّ فُجَرَةٍ كُفَرَةً أَلَا وإِنَّ الْغَدْرَ والْفُجُورَ والْخِيَانَةَ فِي النَّارِ)(19).

 

     ثالثاً: المبدأية

 

              سمة المبدأية من السمات المهمة في كل حركة إصلاحية فلا بد من الالتزام بالثوابت وعدم المساومة عليها مهما كلف الأمر، فلم نرَ أحداً من القادة الإلهيين ساوم على الثوابت فالله سبحانه يخاطب نبيه محمد (صلى الله عليه وآله) بقوله: (قلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ) (الكافرون: ١،٢)، فهذا مبدأ لا يمكن التنازل عنه مع أنه تعرض لشتى أنواع البلاء فحوصر في شعب أبي طالب وعرضوا عليه الأموال والجاه لكنه أبى أن يساوم وكان جوابه: (واللهِ لَوْ وُضِعَتِ الشَّمسُ في يميني والقَمَرُ في شمالي ما تَرَكْتُ هذا القَولَ حتَّى أُنْفِذَهُ أو أُقْتَلَ دُونَه)(20).

 

             وما تعرض له أمير المؤمنين(عليه السلام) من صعوبات خلال فترة خلافته بسبب مبدأيته وصلابته في تطبيق الحق فكان مبدأه من أول استلامه للخلافة أن يساوي في العطاء وأن يرد الحقوق إلى أهلها وأن يقيم حدود الله وشرعه وهذا مالا يرضي الكثير عنه. وعزل(عليه السلام) كثير من الولاة، فهذا معاوية الذي كان والياً على الشام في عهد عمر وعثمان فقد عزله في أول حكمه وقال له خاصته: لو تركت معاوية على الشام حتى يستتب الوضع وتستقيم لك الأمور فإن عزله الآن يدفعه إلى التمرد ولكن مبدأيته التي تعلمها من رسول الله(صلى الله عليه وآله) تأبى ذلك، وقد عزل أحد ولاته لأنه شارك الأغنياء أكلهم وترك الفقراء(21).

 

           وفي نهضة الإمام الحسين(عليه السلام) نجد أن المبدأية من أهم سمات نهضته فكان شعار الإمام الحسين (عليه السلام) الأول: (مثلي لا يبايع مثله)(22) وفي أول خروجه كان يأمر أصحابه بتوطين النفس على طاعة الله سبحانه قال الإمام الحسين(عليه السلام): (مَنْ كانَ باذِلاً فينا مُهْجَتَهُ، وَمُوَطِّناً عَلى لِقاءِ اللهِ نَفْسَهُ فَلْيَرْحَلْ مَعَنا)(23).

 

             وفي طريقه إلى كربلاء ومع حاجته إلى النصر يقول له أحدهم إن عليّ ديناً فيقول له الإمام(عليه السلام) اذهب واقضي دينك(24) فالإمام لا يريد أن يكون في أنصاره من في ذمته دين.

نشرت في العدد 66


1) ينظر جنة الحوادث في شرح زيارة وارث للشريف الكاشاني: 27.
2) نقصد بالمنهج الرسالي ما يعتمد على رسالة سماوية أما المنهج غير الرسالي فهو الذي ينبع من ديانات أرضية من نتاج البشر أنفسهم.
3) زرادشت: وهو زرادشت بن يورشب ظهر في زمن ملك الفرس (كشتاسب بن لهداسب) وأسس الديانة الزرادشتية (المجوسية) ويعتقدون أنه كان نبياً وكان يرى أن النور والظلمة هما مبدأ الوجود ومن أمتزاجهما حصل الخير والشر (ينظر الملل والنحل: 1/236).
4) بوذا: واسمه سذهاتا ومعنى بوذا: العارف المستيقظ والعالم المتنور ولد في شرق الهند سنة (563 ق.م ) من عائلة لها السيادة على القبيلة أتجه إلى حياة الزهد فسكن الجبال ومن هناك انطلقت فكرة تأسيس الديانة البوذية والتي اهم فلسفتها التناسخ وإن مصدر الألم الشهوات (ينظر مقارنة أديان العالم، أديان الهند، أجمد الشبلي: 162 ومابعدها).
5) كونفوشيوس: وهو الفيلسوف الصيني الذي ولد سنة (551 ق.م) من عائلة فقيرة ومعنى كونفوشيوس المعلم وكانت الصين في وقته تعيش أوضاعاً سيئة فانطلقت فكرة تأسيس الديانة الكونفوشية لتغييير الواقع السيء ثم أصبحت فيما بعد دين الصين الرسمي (ينظر: أضواء على الاديان في العالم، محمود محيي الدين: 334 وما بعدها).
6) المنهج الحركي في القران: 23
7)بحار الانوار/المجلسي/ج44ص329
8) بحار الانوار/المجلسي/ج95ص226.
9) ينابيع المودة للقندوزي: 3/82
10)الأخلاق الحسينية: جعفر البياتي: 272
11) بحار الأنوار: 67/ 372
12) ينظر الكافي للكليني: 5/29
13) اللهوف في قتلى الطفوف/ابن طاووس: ص38
14) المهجة في اللغة هي دم القلب أو خالصة النفس والروح (ينظر الصحاح للجواهري: 1/342، لسان العرب: 2/ 370)
15) كامل الزيارات: 157.
16) مثير الأحزان، ابن نما الحلي: 38
17) الإرشاد للشيخ المفيد: 2/ 78.
18) مقاتل الطالبيين/ أبو الفرج الأصفهاني/ص65.
19) الكافي/للكليني/ ج2ص338.
20) تفسير جوامع الجامع/الطبرسي/ج3ص186.
21) ينظر نهج البلاغة: 3/70
22) بحار الأنوار: 44/325
23)اللهوف في قتلى الطفوف/ابن طاووس:ص38
24) مقتل الحسين، أبو مخنف الأزدي: 108.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.