Take a fresh look at your lifestyle.

الدعاء . . عند السيدة الزهراء(عليها السلام)

0 731

          الدعاء في اللغة مشتق من مادة (دعو) فقد جاء في العين قول الخليل:(دعا دُعاءً، وفلانٌ داعي قومٍ وداعية قومٍ: يدعو إلى بيعتهم دعوة. والجميعُ: دُعاةٌ)(1)، والدعاء: (واحد الأدعية، وأصله دعاؤ، لأنه من دعوت إلا أن الواو لما جاءت بعد الألف همزت)(2). و(دعوت الله أدعوه دعاء ” ابتهلت إليه بالسؤال، ورغبت فيما عنده من الخبر. ويقال: ” دعا ” أي استغاث) (3).
وفي الاصطلاح يعرّف بأنه (تعبير بالغ الوضوح عن عرفان المؤمن بربه، وبأسماء ربه الحسنى، ووعي عميق بضعف البشر، وإحساس شديد بأبعاد نقصه، ومراكز ذله، ومدى حاجته إلى التكامل والسمو) (4).
أن الأدعية المنقولة عن أهل البيت(عليهم السلام)
تعد (ودائع قيّمة، وذخائر ثمينة، ونفحات رحمانية اتخذوها وسيلة للتربية وسمو الروح إلى درجات عالية) (6)، وهي أحسن الأدعية ؛لأن المعصومين الأربعة عشر أعرف الناس بالله وبأوصافه بل هم الطريق إلى معرفة الله، ولولا أدعيتهم ومناجاتهم مع الرب ما عرفنا كيف ندعو ونسأل الله تبارك وتعالى (7) فهذا إمامنا الحسن المجتبى يروي حديثاً عن أمه الزهراء(عليها السلام) يعلمنا فيه أصول الدعاء وكيف يكون الداعي حتى يستجيب له الله ويغفر له (فإن من يُدخل المؤمنين وعباد الله في دعائه فإن الله يحبه، لأنه تعالى يحب من يحب عباده) (8)

إذ يقول: (رأيت أمي فاطمة (عليها السلام) قامت في محرابها ليلة جمعتها فلم تزل راكعة ساجدة حتى اتضح عمود الصبح، وسمعتها تدعو للمؤمنين والمؤمنات وتسميهم وتكثر الدعاء لهم، ولا تدعو لنفسها بشيء، فقلت لها:يا أماه لم لا تدعين لنفسك كما تدعين لغيرك؟ فقالت: يا بني، الجار ثم الدار) (9).

تراث السيدة الزهراء (عليها السلام)
على الرغم من أن الزهراء(عليها السلام) لم تعش سوى ثمانية عشر ربيعاً من حياتها إلا أنها خلفت تراثاً متنوعاً متمثلاً بأدعية، وتسبيحات، وخطب، وأشعار، وقد جمع تراثها محمد تقي دخيل في كتابه الموسوم أدعية السيدة فاطمة الزهراء (الصحيفة الفاطمية)، وضم أدعيتها الشاملة، وديوان شعرها، وخطبها لذا يمكن القول: إن الزهراء كانت (بمثابة جهاد لها، وأسلوب لهداية الناس وإرشادهم وتعليمهم والسير بهم نحو مكارم الأخلاق ورضوان الله جلاله ورحماته) (10)، ولما كانت الزهراء مدرسة الإمامة وغرس النبوة فقد أوقفت حياتها الزوجية والفكرية والجسمية خدمة للرسالة وذوداً عن حياضها (11)، ولو عاشت أكثر مما عاشت وفُسح المجال أمامها لملأت الدنيا علماً وثقافة ومعرفة، ولتركت للأمة الإسلامية أعظم ثروة فكرية وعلمية في شتى المواضيع والفنون، وكان النبي(صلى الله عليه وآله) يخبرها عن المستقبل والخاص والعام (12).

السمات الدلالية في أدعية الزهراء(عليها السلام)
التكرار: توظف السيدة الزهراء (عليها السلام) في كل مقطع من مقاطع بعض أدعيتها جملة تتكرر في بداية كل مقطع، وهي جملة (اللهم صل على محمد وآل محمد)، ويبدو أن هذه الجملة تحتل مساحة واسعة جداً من أدعية أهل البيت(عليهم السلام) ـ ومن ذلك أدعية الزهراء(عليها السلام) ـ وقد ورد في أحاديثهم(عليهم السلام) تركيز وتأكيد كبيران على هذه الصلوات، والسبب واضح هو أن الله تعالى يريد أن يجعل من الدعاء (وسيلة لارتباط المسلمين بأولياء أمورهم واعتصامهم بحبل الولاء الذي جعله الله عصمة للمسلمين، والصلوات من أهم أسباب هذا الارتباط النفسي فإن حلقات الولاء ممتدة بين الله تعالى وعباده، وولاء الرسول(صلى الله عليه وآله) وأهل بيته(عليهم السلام) من أهم هذه الصفات) (13)

كما ورد في واحد من تعقيباتها، وهو تعقيب صلاة الصبح فقد أكثرتْ من الصلوات، ولعلها قد بدأت بها في كل مقطع من تعقيبها المذكور إذ تقول: (اللهم صل على محمد وأهل بيته المباركين، وصل على جبرئيل وميكائيل وإسرافيل وحملة عرشك أجمعين والملائكة المقربين… اللهم صل على محمد وآل محمد، وصل على ملك الموت وأعوانه، وصل على رضوان وخزنة الجنان… اللهم صل على محمد وآل محمد، وصل على أبينا آدم وأمنا حواء وما ولدا من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين…. اللهم صل على محمد وآل محمد وبارك على محمد وآل محمد وارحم محمداً وآل محمد كأفضل ما صليت وباركت وترحمت على إبراهيم إنك حميد مجيد…) (14)، وهكذا تستمر الصلوات بألفاظ مختلفة لتكون مفاتيح لاستجابة الدعاء فقد ورد عن أمير المؤمنين(عليه السلام) أنه قَالَ: (إِذَا كَانَتْ لَكَ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ حَاجَةٌ فَابْدَأْ بِمَسْأَلَةِ الصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِهِ(صلى الله عليه وآله) ثُمَّ سَلْ حَاجَتَكَ فَإِنَّ اللَّهَ أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يُسْأَلَ حَاجَتَيْنِ فَيَقْضِيَ إِحْدَاهُمَا وَيَمْنَعَ
الْأُخْرَى) (15).
ومن التكرار، تكرار مفردة (اللهم) في بداية أغلب مقاطع أدعيتها ولاسيما في أدعية الأيام إذ تعد هذه المفردة (إعلاناً للتبعية، وإيذاناً سرمدياً بالحاجة الملحة التي تتخذ من علاقة بين الله والإنسان بمثابة انطلاقة روحية تستفرغ جهداً في السلوك المستقيم) (16) نحو قولها في دعاء يوم السبت (اللهم افتح لنا خزائن رحمتك، وهب لنا اللهم رحمة لا تعذبنا بعدها في الدنيا والآخرة… اللهم وسع علينا في الدنيا…)(17)، وقولها في دعاء يوم الأحد: (اللهم اجعل أول يومي هذا فلاحاً، وآخره نجاحاً، وأوسطه صلاحاً، اللهم صل على محمد وآل محمد واجعلنا ممن أناب إليك فقبلته…) (18)، وقد يشكل هذا التكرار نقلة فنية من الذات إلى الموضوع هذا من جانب، ومن جانب آخر يشكل أداة وصل وتلاحم بين الموضوعات(19)، وقد تنوعت موضوعات أدعيتها بحسب المناسبة، من ذلك دعاؤها عند دخول المسجد وعند الخروج منه، وأدعية الأيام، ودعاؤها لقضاء الحوائج، ولدفع الشدائد، وللأمر العظيم، وإذا طلع شهر رمضان، وعند النوم، ولدفع الأرق، وبعد فقد أبيها، وتعقيبات الصلوات اليومية، ولطلب المساعدة والمعونة، وغير ذلك (20).
وقد صنفتها الباحثة انتصار عدنان العواد إلى: تعقيبات الصلوات، وأدعيتها في الأوقات، وفي أيام الأسبوع، وأدعيتها لنفسها ولغيرها، ودعائها على ظالميها، وفي طلب الحوائج وكشف الهموم، وللأمر العظيم وكشف الهم، ولتفريج الهم والخلاص من السجن، ولطلب مكارم الأخلاق، ولطلب الشفاء، وأدعيتها عند النوم، وأحرازها(21).
السجع والتوازن: لعل من آداب الدعاء الابتداء بالمدح والتسبيح والحمد والشكر للخالق من ذلك قولها في تعقيب صلاة الظهر: (سبحان ذي العز الشامخ المنيف، سبحان ذي الجلال الباذخ العظيم، سبحان ذي الملك الفاخر العظيم، سبحان من لبس البهجة والجمال، سبحان من تردى بالنور والوقار…)(22)،

وقولها (الحمد لله رفيع الدرجات، منزل الآيات، واسع البركات، ساتر العورات، قابل الحسنات، مقيل العثرات، منفس الكربات، منزل البركات، مجيب الدعوات محيي الأموات، إله من في الأرض والسموات، الحمد لله على كل حمد وذكر وشكر وصبر وصلاة وزكاة وقيام وعبادة وسعادة وبركة…) (23)، ولا يخفى على القارئ السجع غير المتكلف في الصياغة الذي أتى على السليقة والبديهة، وما يؤديه هذا السجع من إيقاع منتظم، وهو سمة مميزة للدعاء، ولعل السر الفني وراء ذلك يكمن في طبيعة عنصر التلاوة التي يمتاز بها الدعاء عن غيره فالدعاء لا يُسمع ولا يُقرأ فحسب بل يُتلى فالتلاوة تتطلب إيقاعاً متناسباً مع وحداته الصوتية التي تنتظم في السجع أو التجانس اللفظي (24).
ويعد التسبيح لله تعالى والتحميد والتمجيد له أسلوباً من أساليب الإعداد والتحضير النفسي فمن خلال هذه التقديم يتهيأ الإنسان للإقبال مع الله، والطلب والسؤال من الله(25)؛لأن حقيقة الدعاء في إقبال القلب على الله فإذا اشتغل القلب بغير الله من شواغل العاجلة لم يحقق حقيقة الدعاء(26).
استعمالها المحسنات البديعية، ومن تلك المحسنات الجناس، وهو تماثل الكلمات لفظاً واختلافها معنى (وهو من الحُليّ اللفظية والألوان البديعية التي لها تأثير بليغ، تجذب السامع، وتحدث في نفسه ميلاً إلى الإصغاء والتلذذ بنغمته العذبة…) (27)، والجناس على أنواع، والناظر في أدعية السيدة الزهراء(عليها السلام) يجدها تكثر من جناس الاشتقاق – الذي يعني اشتراك لفظتين من جهة الاشتقاق –
لبعث الأمن والطمأنينة في نفس الداعي حينما يكون في رحاب المدعو الرحمن الرحيم، الغفور الودود كما ورد ذلك في تعقيب صلاة العشاء في قولها: (اللهم إني عائذ بك فأعذني، ومستغيث بك فأغثني، وداعيك فأجبني، ومستغفرك فاغفر لي، ومستنصرك فانصرني ومستهديك فاهدني، ومستكفيك فاكفني وملتجأ إليك فآوني، ومتمسك بحبلك فاعصمني… اللهم اكفني حسد الحاسدين، وبغي الباغين، وكيد الكائدين، ومكر الماكرين، وحيلة المحتالين، وغيلة المغتالين، وظلم الظالمين، وجور الجائرين، واعتداء المعتدين، وسخط المتسخطين، وتسحب المتسحبين، وصولة الصائلين، واقتسار المقتسرين، وغشم الغاشمين، وخبط الخابطين، وسعاية الساعين، ونمامة النمامين، وسحر السحرة والمردة والشياطين…) (28).
تأثرها بالبلاغة القرآنية والأشكال الفنية القرآنية التي حكاها الله تعالى في كتابه المجيد على ألسنة الصالحين من الأنبياء والملائكة المقربين والعباد المؤمنين إذ نجد تضمينها أدعية قرآنية كما في قولها في تعقيب صلاة العشاء: (رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ * رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً للذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا، إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (الممتحنة:4، 5) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً إِنَّهَا سَاءتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً (الفرقان:65، 66) رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (الأعراف:89) رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (آل عمران:194) رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِين (البقرة:286) وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله الطاهرين وسلم تسليماً).

نشرت في العدد 55


الهوامش
1- العين / الخليل بن أحمد الفراهيدي، مادة (دعو) 2/222.
2- الصحاح / الجوهري مادة (دعا)6/2337.
3- مجمع البحرين / الشيخ الطريحي 2/38.
4- التشريع الإسلامي – مناهجه ومقاصده / السيد محمد تقي المدرسي 4/291.
5- ينظر: الإمام الجواد من المهد الى اللحد / السيد محمد كاظم القزويني 455.
6- الصحيفة الفاطمية / محمد تقي دخيل84.
7- ينظر: المصدر نفسه 83-84.
8- فاطمة الزهراء – أم الأئمة وسيدة النساء / النائيني 250.
9- بحار الأنوار / المجلسي 43/82
10- الصحيفة الفاطمية، مقدمة المؤلف 8.
11- الزهراء فاطمة بنت محمد / عبد الزهراء عثمان محمد 212.
12- ينظر: فاطمة الزهراء من المهد إلى اللحد / السيد محمد كاظم القزويني 161.
13- الدعاء عند أهل البيت 154.
14- الصحيفة الفاطمية 94-96.
15- نهج البلاغة/ أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام)، الحكمة 361، ص616.
16- ينظر: أدعية الإمام علي (عليه السلام) – دراسة تحليلية، بحوث المؤتمر العلمي الدولي الأول لـ (نهج البلاغة) الموسوم – نهج البلاغة سراج الفكر وسحر البيان – ج5، ص 96.
17- الصحيفة الفاطمية 85.
18- المصدر نفسه 86.وكذا في دعائها في أيام: الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة.
19- ينظر: الإسلام والفن / د.محمود البستاني 174.
20- ينظر: الصحيفة الفاطمية، 60، و85-184و، 203-211.
21- ينظر: السيدة فاطمة الزهراء – دراسة تاريخية / انتصار عدنان عبد الواحد العواد 649-662.
22- ينظر: صحيفة الزهراء / أسعد عبود 54، وما بعدها، والصحيفة الفاطمية 106، ومثل ذلك في تعقيب صلاة العصر في الصحيفة الفاطمية 112، وتعقيب صلاة العشاء في الصحيفة الفاطمية 127-
23- الصحيفة الفاطمية 128-129.
24- ينظر: الإسلام والفن 175.
25- ينظر: الدعاء عند أهل البيت 98.
26- ينظر: المصدر نفسه 84.
27- البديع في ضوء أساليب القرآن/ د.عبد الفتاح لاشين 155.
28- الصحيفة الفاطمية 129-130.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.