Take a fresh look at your lifestyle.

آليات الحجاج اللغوية في رسائل الإمام الحسن(عليه السلام) روابط التعليل والعطف الحجاجي أنموذجان:

0 1٬107

 

    الروابط الحجاجية:

             ارتبط مفهوم الروابط في عدة دراسات بالمباحث النحوية والدلالية من دون النظر إلى وظيفتها الحجاجية والتداولية، إذ عدّ بعض الدراسين (إنّ دورها لا يتجاوز الربط بين الجمل والقضايا، أما بُعدها الحجاجي والتداولي فقد برز مع ديكرو في إطار صياغته للتداولية المدمجة، وهي النظرية التداولية التي تشكل جزءًا من النظرية الدلالية)(1)،

             إذ لم يغفل ديكرو وزميله في أثناء صياغتهما لـ (النظرية الحجاجية في اللغة) هذا الجانب المهم الذي يتمركز في أبنية اللغة بوصفها ظاهرة لغوية مهمة جدًا لها ارتباط بطريقة مباشرة في توجيه الحجاج من خلال إحداث الانسجام داخل الخطاب، والدفع باتجاه تحقيق الإقناع عبر استمالة المتلقي وتوجيهه نحو الغاية التي يريدها المتكلم بمعنى أنها عناصر لغوية تلعب دورًا أساسيًا في اتساق النص وانسجامه، وربط أجزائه شكلًا ومضمونًا من أجل تحقيق الوظيفة التوجيهية الحجاجية للملفوظات(2).

           وبحسب تصور ديكرو فقد أشار شكري المبخوت إلى تنوع أشكال الربط الحجاجي، بقوله: (إذا كانت الوجهة الحجاجية محددة بالبنية اللغوية، فإنها تبرز في مكونات ومستويات مختلفة من هذه البنية، فبعض هذه المكونات يتعلق بمجموع الجملة، أي هو عامل حجاجي في عبارة ديكرو، فيقيدها بعد أن يتم الإسناد فيها،

           ومن هذا النوع نجد النفي والاستثناء المفرغ والشرط والجزاء وما إلى ذلك مما يغيرّ قوة الجملة دون محتواها الخبري، ونجد مكونات أخرى ذات خصائص معجمية محددة تؤثر في التعليق النحوي، وتتوزع في مواضع متنوعة من الجملة الحجاجية اللغوية، ومن هذه الوحدات المعجمية حروف الاستئناف بمختلف معانيها، والأسوار (بعض، كل، جميع) وما اتصل بوظائف نحوية مخصوصة كحروف التقليل، أو ما تخوض لوظيفة من الوظائف مثل (قط) أو (أبدًا)(3).

            ومن هنا ميّز أبو بكر العزاوي بين الروابط الحجاجية والعوامل الحجاجية (فالروابط الحجاجية تربط بين قولين أو بين حجتين على الأصلح (أو أكثر) وتسند لكل قول دورًا محددًا داخل الاستراتيجية الحجاجية العامة)(4).

            كما فصّل العزاوي القول في طبيعة هذه الروابط وقسمها على أقسام هي(5):

ــ الروابط المدرجة للحجج (حتى، بل، لكن، مع ذلك، لأن …).

ــ الروابط المدرجة للنتائج (إذن، لهذا، بالتالي …).

ــ الروابط التي تدرج حججاً قوياً (حتى، بل، لكن، لا سيما …).

ــ روابط التعارض الحجاجي (بل، لكن، مع ذلك …).

ــ روابط التساوق الحجاجي (حتى، لا سيما …).

            من خلال ما سبق تبيّن أن الروابط اللغوية تسهم في انسجام الخطاب وتماسكه من خلال ربطها بين القيمة الحجاجية لقول ما وبين النتيجة، أي الربط بين قضيتين وترتيب أجزاء القول، ومنحها القوة المطلوبة بوصف هذه الأشياء حججًا في الخطاب(6).

              لقد أثرت هذه الروابط تأثيرًا كبيرًا في أدلجة الحجاج في رسائل الإمام الحسن (عليه السلام) بالخاصية الإقناعية والتأثيرية وهذا ما سنراه في الإطار التطبيقي.

1- روابط التعليل الحجاجي:

الرابط الحجاجي المتمثل بـ(لام التعليل):

           من أدوات الربط التي تدخل على الفعل المضارع فيكون ما بعدها علة لما قبلها، ويقال لهذه اللام: لام العلة، ولام السبب، ولام كي، لأن معنى التعليل فيها راجع إلى معنى الاختصاص. فإذا قلنا: جئتك للإكرام، دلت اللام على أن المجيء مختص بالإكرام إذا الإكرام سببه دون غيره(7)

              فهذا الرابط يستعمله الإمام الحسن(عليه السلام) من أجل التبرير أو التعليل لفعله فهو نتيجة الدعوى التي يقصدها المرسل، فعليه هي من الروابط التي تربط بين النتيجة والحجة لدعم النتيجة وتبريرها، ومن ذلك قوله(عليه السلام): (فإن الله جلّ جلاله، بعث محمدًا رحمة للعالمين، ومنّة للمؤمنين وكافة للناس أجمعين لينذر من كان حيًّا، ويحق القول على الكافرين)(8).

           ويمكن تحليل المثال حجاجيًا كالآتي:

  النتيجة:

            بعث محمدًا رحمة للعالمين، ومنة للمؤمنين، وكافة للناس أجمعين.

   الرابط الحجاجي: لام التعليل.

الحجة: لينذر من كان حيًّا.

            فالرابط هنا قد تموضع بعد التصريح بالحجة (لينذر من كان حيّاً) وجاء مرتبطًا بالنتيجة (بعث محمدًا رحمة للعالمين، ومنّة للمؤمنين، وكافة للناس أجمعين) من أجل تعليل الإنذار وتبريره بما يوجه القول إلى الدلالة الإثباتية الناجعة في قلوب المؤمنين.

            ومنه قوله(عليه السلام): (فوالله ما لك خير أن تلقى الله من دمائهم بأكثر مما أنت لاقيه به، وادخل في السلم والطاعة، ولا تنازع الأمر أهله، ومن هو أحق به منك، ليطفئ الله النائرة بذلك، ويجمع الكلمة، ويصلح ذات البين)(9).

            فنلحظ البيان الحجاجي من خلال:

النتيجة 1: وادخل في السلم والطاعة.

النتيجة 2: ولا تنازع الأمر أهله.

النتيجة 3: ومن هو أحق به منك.

    الرابط الحجاجي: لام التعليل.

حجة 1: يطفئ النائرة بذلك.

حجة 2: ويجمع الكلمة.

حجة 3: ويصلح ذات البين.

           فالمثال أعلاه، بين متوالية حجاجية من خلال الرابط (اللام) في توجيه القول وتبرير النتائج وتعليلها لبيان حجج الخطاب وإقامتها ومفادها: ما لك خير أن تلقى الله من دمائهم بأكثر مما لقيت وادخل في السلم والطاعة، ولا تنازع في الأمر أهله، ومن هو أحق به منك حتى يطفئ الله النائرة ويجمع الكلمة ويصلح ذات البين.

  2- روابط العطف الحجاجي:

            تتسق مجموعة من الحروف ببعد حجاجي مهم من خلال ربطهما بين الحجج والنتائج والتنسيق بينهما من أجل التعليل والتفسير والتبرير، ومن هذه الروابط أحرف العطف: (ثم، الفاء، الواو) إذ أنها تقوم بدور حجاجي كبير، فالملاحظ أنها تقوم بالربط بين قضيتين (حجتين) لنتيجة واحدة، ووصفهما سلمًا حجاجيًا يُخضع هذه الحجج إلى تراتبية معينة بحسب قوتها في دعم النتيجة النهائية، فإنها تسهم أيضًا في بداعة المعنى المقصود ولاسيما إذا استعمل كل حرف واستغلت وظيفته في الموضع المناسب، فذلك يزيد من الإثبات على المعنى من جهة، ويلقي على الخطاب نوعًا من التنظيم والانسجام مرة أخرى(10).

           وفي هذا المورد سنحاول أن نبين عمل هذه الروابط في رسائل الإمام الحسن(عليه السلام)، وبيان مستوى دعمها لعمل المحاججة:

 أـ الرابط الحجاجي (ثم):

           هي من حروف العطف التي تفيد التراخي والمهلة بين قضيتين متباعدتين، فضلًا عن إفادتها الترتيب بين الحجج، ومثالها قوله(عليه السلام): (والله حسيبك فسترد عليه، وتعلم لمن عقبى الدار وبالله لتلقين عن قليل ربك، ثم ليجزينك بما قدمت يداك)(11)، فالحجج التي أقامها الإمام(عليه السلام) متتالية ومرتبة تنسق وتنسجم مع ما ينبغي أن يكون عليه العبد في اللقاء الأخروي، وقد أفادت (ثم) في إقامة هذه التراتبية في عرض الحجج وبحسب سياقاتها، وحقيقة (ثم) هنا دالة على التراخي والمهلة للربط بين المعطوف والمعطوف عليهِ، وهذه المهلة مرتبطة بالزمن الحقيقي الفعلي مقترنًا بزمن نفسي مفعم بالأحاسيس التي ترتكز على الوعد والبشارة بالجنة والجزاء الأخروي.

             ومنه قوله(عليه السلام): (فرأت العرب أن القول ما قالت قريش، وأن الحجة في ذلك لهم، على من نازعهم أمر محمد لهم وسلمت إليهم ثم حاججنا نحن قريشًا بمثل ما حاججت به العرب)(12). فنلحظ هنا أن الرابط (ثم) قد توسطت بين الأفعال للدلالة على التراخي وإعطاء المهلة، وكأن بين الأفعال المتناسقة تراخيًا زمنيًا مع إفادة الترتيب في إلقاء هذه الحجج.

ب ـ الرابط الحجاجي (الفاء):

              من حروف العطف التي تضطلع بمهمة حجاجية، إذ أنها تربط بين النتيجة والحجة من أجل التعليل والتفسير فهي أداة ربط تفيد التعليل والاستنتاج في الخطاب الحجاجي التداولي، ومن ثم فهي تجمع بين قضيتين متباعدتين في الدلالة على التقارب بين الأحداث، فضلًا عن الدلالة على الترتيب والاتصال، وأكثر ورودها كون ما بعدها أو المعطوف بها متسببًا عما قبله(13).

               ومن أمثلتها قوله(عليه السلام): (وخرجت عن الدار المؤنسة، ففارقتها من غير قلى فاستودعتها للبلى)(14)، فهنا نجد الرابط (الفاء) قد عمل على الترتيب والاتصال/التسارع في تلبية الدعوى (الخروج) من دون مهلة، إذ أفادت التعقيب مباشرة خلافًا لما تفيده (ثم) من معنى التراضي فكان ما قبلها علّة وسببًا لما بعدها.

             ومنها قوله(عليه السلام): (فإنك عمدت إلى رجل من المسلمين، له ما لهم، وعليه ما عليهم، فهدمت داره، وأخذت ماله، وحبست أهله وعياله، فإن أتاك كتابي هذا فابن له داره)(15)،

             فنلحظ فيه أن (الفاء) قد ربط بين الحجة والنتيجة فكأن ما بعدها من حجة قد عللت وفسرت النتيجة التي سبقت الرابط، وكان لتعاضد (الواو) معها في سياق العبارات سبيلًا لمزيد من الاتساق التداولي وأدلجة الأنساق المعرفية.

               ومنه قوله(عليه السلام): (وليس لمعاوية بن أبي سفيان أن يعهد لأحد ـ من بعده ـ عهدًا بل يكون الأمر للحسن من بعده، فإن حدث به حدث فلأخيه الحسين)(16)، إذ يتمحور التعقيب الحجاجي في (الفاء) عن مغزى عقدي/الخلافة الذي يرتبط بقضايا مصيرية تتحكم فيها حيثيات معرفية تقتضي في الظاهر (الأنا ـ الإمام الحسن(عليه السلام)) الصفاء الروحي، ومراعاة مصالح الأمة الإسلامية بينما في المضمر (الآخر ـ معاوية بن أبي سفيان) الفراغ الروحي ومراعاة المصالح الشخصية، فدلالة النتيجة المضمرة/نكث الصلح واردة في علم الإمام الحسين(عليه السلام)/الغيب، لكن إرادة الواقع المألوف ضرورة للمؤتلف والمختلف/الناس من أجل تثبيت الحقائق.

ج ـ الرابط الحجاجي (الواو):

               يشير هذا الرابط إلى وظيفة الجمع بين قضيتين (حجتين) ويستعمل حجاجيًا بوصفه رابطًا عاطفيًا يعمل على ترتيب الحجج ووصل بعضها بالبعض الآخر، بل يعمل على رص الحجج وتماسكها وتقويتها، فضلًا عن التدرجية أو السلمية في ترتيب الحجج وعرضها(17).

              ومن الشواهد في نص رسائل الإمام الحسن(عليه السلام)، قوله(عليه السلام): (لا أحسبك تحظى بما تذكر غير قدرك الحقير، ونسبك الدخيل، ونفسك الدنية الحقيرة التي آثرت الباطل على الحق، وقنعت بالشبع والدني من الحطام الفاني)(18).

               فالرابط الحجاجي (الواو) قام بالربط والوصل بين الحجج، وعمل أيضًا على ترتيبها، بالشكل الذي يضمن تقوية النتيجة المطروحة ودعمها، وهي (لا أحسبك تحظى بما تذكر) كما عمل على حصول الترادفية في النتيجة الواحدة، وهذا الربط النسقي بين الحجج قد أضفى سلّمية تدرّجية باتجاه الحجة الأقوى بشكل أفقي، أي عكس السلم الحجاجي.

(ن) لا أحسبك تحظى بما تذكر

ق5 غير قدرك الحقير

ق4 ونسبك الدخيل

ق3 ونفسك الدنية الحقيرة

ق2 وقنعت بالشبع

ق1 والدنيّ من الحطام الفاني

               وهنا يتضح أن الحجة الأولى هي الحجة الأقوى مقارنة بالحجج التي سبقتها لخدمة النتيجة المعروضة لورودها في أعلى السلم الحجاجي.

              ومن شواهد (الواو) الحجاجية، قوله (عليه السلام):

            (إن عليًّا لما مضى لسبيله رحمة الله عليه يوم قبض، ويوم منّ الله عليه بالإسلام، ويوم يبعث حيًّا ولّاني المسلمون الأمر من بعده)(19).

             فالحجج المترادفة قد اتسقت واتحدت باتجاه دعم النتيجة المطروحة وتقويتها بقوة الرابط (الواو) الذي أفاد التعليل والتبرير لمضمون النتيجة (أن عليًّا لما مضى لسبيله رحمه الله عليه) كما اشتغل الرابط على التراتبية، وإدراج الحجج بشكل أفقي بحيث يتضح أن الحجة الأولى هي الحجة الأقوى لخدمة النتيجة المطروحة لوقوعها في أعلى السلم الحجاجي.

(ن) أن عليًا لما مضى لسبيله رحمة الله عليه

ق1 يوم قبض

ق2 ويوم منَّ الله عليه بالإسلام

ق3 ويوم يبعث حيًّا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1ـ معالم لدراسة تداولية حجاجية للخطاب الصحافي: 191.
2ـ ينظر: رسائل الإمام علي (عليه السلام) في نهج البلاغة ــ دراسة حجاجية ــ: 93 ـ 94.
3ـ ينظر: نظرية الحجاج في اللغة ضمن كتاب (أهم نظريات الحجاج): 377.
4ـ الحجاج في اللغة: 14.
5ـ ينظر: الحجاج في اللغة: 65.
6ـ ينظر: رسائل الإمام علي (عليه السلام) في نهج البلاغة ــ دراسة حجاجية ــ: 98.
7ـ ينظر: الجنى الداني في حروف المعاني: 109.
8ـ مقاتل الطالبيين: 35، وشرح نهج البلاغة: 16/33، وأعيان الشيعة: 1/567.
9ـ شرح نهج البلاغة: 16/34، وبحار الأنوار: 44/40، وكتاب الاربعين: 182.
10ـ ينظر: الحجاج في كتاب المثل السائر (رسالة ماجستير): 93.
11ـ مقاتل الطالبيين: 35، وشرح النهج: 16/35، وأعيان الشيعة: 1/568.
12ـ مقاتل الطالبيين: 35، وشرح النهج: 16/34، وأعيان الشيعة: 1/568.
13ـ ينظر: رسائل الإمام علي (عليه السلام) في نهج البلاغة ــ دراسة حجاجية ــ: 124.
14ـ مستدرك الوسائل: 2/479، والأمالي (الطوسي): 203، وبحار الانوار: 43/336.
15ـ شرح نهج البلاغة: 16/194 والإيضاح: 549، الغدير: 11/31، وتاريخ مدينة دمشق: 19/198.وأنساب الإشراف: 3/هامش ص53، ووفيات الأعيان: 6/362، وأعيان الشيعة: 1/573.
16ـ ينظر: مصادر الصلح المذكورة سابقًا.
17ـ ينظر: رسائل الإمام علي (عليه السلام) في نهج البلاغة ــ دراسة حجاجية: 123.
18ـ التشريف بالمنن في التعريف بالفتن (الملاحم والفتن): 385.
19ـ مقاتل الطالبيين: 36، وشرح نهج البلاغة: 16/34، وكتاب الأربعين: 181، وبحار الأنوار: 44/40، وأعيان الشيعة: 1/567.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.