Take a fresh look at your lifestyle.

الأسس العامة للحوار في المنظور القرآني

178

أولاً: الحوار في القرآن الكريم:
وردت كلمة الحوار في القرآن في ثلاثة مواضع، هي:
1ـ قوله تعالى: (فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا)(1).
2ـ قوله تعالى: (قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا)(2).
3ـ قوله تعالى: (قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللهِ وَاللهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا، إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ)(3).
أما كلمة الجدل فقد وردت في القرآن في (سبعة وعشرين) موضعاً، ومن هذا نلاحظ أن معنى الحوار ورد في القرآن في ثلاثة مواضع على عكس الجدل والمحاججة فهي كلها كلمات مترادفة ولكن الحوار هو الأعم أو هو المعنى لهذه الكلمات، فالجدل جزء من الحوار، وهكذا باقي الكلمات الأخرى، فضلاً عن أن الكلمات الأخرى فيها نوع النقصان بالنسبة للممارس لها على عكس الحوار الذي فيه نوع الكمال والمرتبة العليا لهذه الكلمة والدليل قوله تعالى: (قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللهِ وَاللهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا، إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ)(4)،
فعندما تكلم الله سبحانه وتعالى عن المرأة فقط قال (تُجَادِلُكَ) والجدال فيه نوع من الخصام وعدم الرضا، وعندما تكلم الله عن الرسول والمرأة معاً فقال (َتحَاوُرَكُمَا) والحوار يدل على التفاهم والانسجام بين الأطراف، ومن هذا نستنتج بأن الجدل لا يليق مع مقام النبوة الخاتمة للنبي محمد(صلى الله عليه وآله) فقال عنه تعالى: (َتحَاوُرَكُمَا) فالحوار هو الأليق بالنبي محمد(صلى الله عليه وآله) وعندما يتعلق الأمر بعامة الناس فإنه تعالى يعبر عنه بالمجادلة أو المحاججة كقوله تعالى: (فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ)(5)
وغيرها من الآيات الأخرى وعندما يتعلق الأمر بالرسول(صلى الله عليه وآله) فإنه تعالى يعبر عنه (تحاوركما) كما ذكر.
ولكن قد يسأل سائل ما هو تفسير الآية الكريمة التي تخاطب النبي محمدًا(صلى الله عليه وآله):
(وَجَادِلْهم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)(6) إذ نسبت الجدل إلى النبي محمد(صلى الله عليه وآله) فنقول إن الجدل الذي نسب إلى النبي هنا هو الجدل بالحسنى الذي يعد من النوع الأول للحوار فالجدل بالحسنى هو الدعوى بالحسنى إلى سبيل الله تعالى والدليل قوله تعالى: (ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ، وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)(7) فالدعوى بالحكمة نوع من الحوار ولكنه بالمعنى الأضيق لهذه الكلمة أو الجزء المقدم والأولي لمعنى الحوار، فضلاً عن أن متعلق الآية الكريمة هو النبي محمد(صلى الله عليه وآله) والناس الآخرون فالنبي(صلى الله عليه وآله) يخاطب الناس بما يفهمون والناس بطبيعتهم يميلون إلى الجدل وذلك لقوله تعالى: (وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا)(8) لذلك فقد خاطبه تعالى أن يكلم الناس بحسب ما يفهمون ويعرفون وهذا مصداق لقول النبي(صلى الله عليه وآله): (إناّ معاشر الأنبياء أُمرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم)(9).
إذن الجدل فيما يخص الأشياء يمكن تبريره عن ناصبه إنه نوع من الحوار فضلاً عن أنه يمكن عده من نوع ما يلائم عقلية الناس ومع زمنهم، وهذا الأمر ينطبق على باقي الأنبياء والأوصياء فكل آية فيها ما يخص الجدل بالأنبياء(عليهم السلام) يمكن تعليلها بهذه الصورة.
وبهذا نصل إلى أن معنى الحوار في القرآن هو الوصول إلى الحقيقة بعيداً عن التعصب والتعنت والتمسك بالآراء الفاسدة بعد أن يظهر مدى بطلانها، بل المطلوب هو التمسك بالدليل السليم والصحيح بعد التحاور وهذا ما يتطلب انفتاحاً مع الآخر والنظر بموضوعية إلى ما يتم طرحه والتمسك بالرأي السليم، بمعنى أن غاية الحوار هو التكامل المعرفي للوصول إلى الحقيقة.
وهذا يقودنا إلى أنّ هناك ثلاثة مستويات من الحوار هي:
1ـ الحوار مع الآخر البسيط: وهو الشخص ذو الطبيعة الفطرية الذي لا يحمل أفكاراً وآيدولوجيات مسبقة تؤثر على فكره وحواره مع الآخر، وهذا أبسط أنواع الحوار.
2ـ الحوار مع الآخر المنفتح: وهو الشخص الذي تكون لديه معلومات وأفكار مسبقة ولكنه لا يجعلها من الأفكار (الدوغماتية) أي اليقينية التي لا تقبل النقاش والجدال والحوار، وبمجرد أن تتضح لديه حجة الرأي الآخر، فسوف يعتنق الرأي الآخر ويقبله برحابة صدر.
3ـ الحوار مع الآخر المعاند: وهو الذي يعتقد بصحة أفكاره المسبقة ولا يسمح لأحد المساس بها ولو على سبيل التوضيح والاستفهام، وهذا هو أصعب أنواع الحوار. ولكل مستوى من هذه المستويات آليات وثوابت للحوار ولا يمكن استعمال نفس الوسائل والآليات لكل هذه المستويات فلكل شخص خاصية تميزه عن الآخر، وعلى المحاور أن يراعي هذه الخصوصيات في حواره.

ثانياً: الأسس العامة للحوار في المنظور القرآني:
إن لموضوع الحوار أسساً عامة يمكن للباحث أن يستشفها من خلال تتبعه للآيات القرآنية ويمكن إجمالها بما يأتي:
1ـ الدعوى بالحكمة والموعظة الحسنة: وذلك تبعاً لقوله تعالى: (ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ)(10) كذلك قوله تعالى: (وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)(11) فأساس القبول في هذه المحاورة هي الدعوى بالحسنى وقبول الآخر ودعوته دعوى جميلة بعيداً عن التعصب والتزمت.
الدعوى إلى الإسلام: وهو المعنى اللغوي للإسلام، وليس معنى الإسلام هنا الشريعة الإسلامية، لأن الإسلام في اللغة معناه الانقياد، وهو الانقياد لله سبحانه وتعالى بأي شريعة سواء كانت الشريعة الإسلامية أو النصرانية أو الشريعة اليهودية، فالانقياد لله هو الأول والأولى بعد ذلك اتباع الشريعة المعينة هو الثاني، والأساس هو التوحيد والاعتقاد بالله والميعاد… الخ، وبعد ذلك الإيمان بالشرائع السماوية المتعددة، فإذا أيقن الإنسان بذلك استطعنا من خلال المحاورة وأسلوب الدعوة بالحسنى أن نجعله يؤمن بالشريعة الخاتمة وهي شريعة محمد(صلى الله عليه وآله)، وفي التسليم لله اتباع لبداية طريق الحق وابتعاد عن التكبر والمكابرة والعناد للباطل، وفي هذا يقول تعالى: (وَقُل للذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ)(12).

2ـ الإيمان: وهنا نأتي إلى معنى الإسلام بمفهومه الاصطلاحي وهو الإيمان برسالة محمد(صلى الله عليه وآله) وإن رسالته خاتمة الرسالات السماوية وهي الحاكمة على أهل الكتاب، وذلك لقوله تعالى: (وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم)(13) والإيمان هنا بالله أولاً ثم بالرسالة السماوية الخاتمة ثانياً وهي شريعة النبي محمد(صلى الله عليه وآله).

3ـ الإتيان بالبيّنة: وهي الحجة والدليل على أفضلية الشريعة الإسلامية على بقية الشرائع السابقة لها، من خلال إيضاح المكاسب والفوائد الكثيرة المترتبة على اعتناقها فضلاً عن الحصول على السعادة الدنيوية والأخروية إذا ما طبقت هذه الشريعة الإلهية والبينة تحتاج إلى شخص ذي اختصاص في مجال العلوم الشرعية والدينية حتى يستطيع أن يوضح هذه الحجة بالبرهان القاطع والدليل الواضح، ويجب أن يتصف هذا الشخص بصفات العلماء ويكون على اطلاع على علوم المتحاورين وعلى معرفة تامة بأحوالهم وأوضاعهم وسننهم وأحكامهم وتشريعاتهم، حتى يصل إلى الصواب ويوضح للآخرين، فضلاً عن اطلاعه التام على العلوم الإسلامية حتى يصل المطلوب إلى المتحاور بعيداً عن مبدأ الغلبة والخصام، بل تكون الغاية الإيصال إلى الحق واتباعه أينما كان، تبعاً لقوله تعالى: (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ * رَسُولٌ مِّنَ اللهِ يَتْلُوا صُحُفًا مُّطَهَّرَةً)(14).

فالبينة هنا هي الرسالة الخاتمة للرسول محمد(صلى الله عليه وآله) فلو لم تنزل لما تمت الحجة والدليل على أهل الكتاب والمشركين بحيث يتعرضون لمحاسبة الله تعالى يوم القيامة، وذلك لوجود العذر لديهم هو عدم إيصال الحجة والبينة من قبله تعالى وفي هذا عهدٌ من الله تعالى لعدم عذابهم ومحاسبتهم.
وهذا الأمر ينطبق كذلك على مسألة الإمامة وهي إمامة الإمام المعصوم المفترض الطاعة بعد الرسول محمد(صلى الله عليه وآله)،
إذ إنه من لطف الباري عزوجل بعباده أن أوجد لهم في كل زمان ومكان إيجاد حجة له يبلغ الناس بالتشريعات الإلهية، فبعد انتهاء الرسل والأنبياء بالنبي الخاتم(صلى الله عليه وآله) من يبلغ ويوضح المسائل الإلهية ومن يعلم الناس أحكام دينهم ودنياهم وهذا المبلغ هو الإمام المعصوم المفترض الطاعة، وهم اثنا عشر إماماً جاؤوا بعد الرسول محمد(صلى الله عليه وآله) وآخرهم الحجة محمد بن الحسن(عليه السلام) الغائب الذي ننتظر ظهوره(عليه السلام)، فإذن البينة تكون بإيضاح هذا الإمام وبعد ذلك يقوم هذا الإمام بتوضيح الدين الإسلامي بصورته الصحيحة فالبينة هنا قسمين:
1. إيضاح الرسول والإمام للناس.
2. إيضاح أحكام الدين عن طريق هذا الرسول أو الإمام.
وهذان القسمان هما المصداق لمعنى البيّنة المراد هنا والتي يجب إيضاحها وتوصيلها إلى الآخر حتى يتم التسليم والتصديق بها من قبله وبعد ذلك الإقرار بها.
4ـ الابتهال إلى الله تعالى: فإن تم رفض كل هذه الجهة التي ذكرت سابقاً من قبل المتحاور نتوجه إلى وسيلة أخرى وهي الأخيرة، والتي يمكن استنتاجها من قبل النبي محمد(صلى الله عليه وآله)، وهي الدعاء والابتهال إلى الله سبحانه وتعالى بنزول اللعن والعذاب على الكاذب المعاند وهذا ما قام به النبي محمد(صلى الله عليه وآله) في محاورته ومجادلة نصارى نجران له عندما قدموا إلى المدينة ليحاجوا النبي محمد(صلى الله عليه وآله) في قضية خلق عيسى(عليه السلام) فبعد أن يئس من إقناعهم نزلت عليه آية المباهلة وهو قوله تعالى: (فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَآءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ)(15)، إذن فالابتهال إلى الله هو الذي يحل القضية مع المعاند والجاحد للحق بأن يصيبه الله بما يشاء من اللعن.
وقد يسأل سائل لماذا الابتهال يكون باللعن على المتحاورين والمتجادلين، هل إن الرسول ذلك الرجل الغليظ القلب بحيث أن أي شخص يحاوره أو يجادله بقضية يبتهل إلى الله تعالى باللعن عليه، الجواب، كلا، وذلك لأن الله أمر الرسول(صلى الله عليه وآله) بأن الشخص الذي وصل إلى الحق وعانده وجافاه ولم يأخذ به فعليه وجوب اللعن من الله سبحانه وتعالى، فضلاً عن أن الرسول(صلى الله عليه وآله) هو أرأف بالمؤمنين من أنفسهم لقوله تعالى: (لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ)(16)

وإن صفة (الشدة والغلظة) لا تتلاءم مع صفات الرسالة ولا مقام النبوة الألهية للأنبياء وللرسول محمد(صلى الله عليه وآله) تبعاً لقوله تعالى: (وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ)(17) لذلك فإن أي شخص يصل إلى الحق ولا يعترف به فإنه يستحق اللعن والابتهال إلى الله عليه.
وهذه هي أهم الأصول العامة للحوار التي يمكن استنتاجها والوصول إليها في الآيات الكريمة الشريفة .

نشرت في العدد 52


(1) الكهف، 34.
(2) الكهف، 37.
(3) المجادلة، 1.
(4) المجادلة، 1.
(5) آل عمران، 61
(6) النحل، 125.
(7) النحل، 125.
(8) الكهف، 54.
(9) الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، منشورات الفجر، بيروت، ط1، 2007 م، ج1، ص12.
(10) النحل، 125.
(11) العنكبوت، 46.
(12) آل عمران، 20.
(13) آل عمران، 110.
(14) البينة، 1 – 2.
(15) آل عمران، 61.
(16) التوبة، 128.
(17) آل عمران، 159.

التعليقات مغلقة.