Take a fresh look at your lifestyle.

الشرق و الغرب.. والسبق الحضاري قراءة في التاريخ

0 575

     إن جدلية الشرق والغرب، وصراع الحضارات، وما شاكل ذلك موجود في الأدبيات الشرقية، والغربية على حدٍ سواء، ومن أهم هذه الجدليات أسبقية وقِدم الحضارة، وهل أن الشرق أو الغرب هو صاحب الحضارة الأقدم؟ وكيف؟ وما الدليل على ذلك؟ ومن الذي استفاد من الآخر وكيف ومتى؟ وما شاكل ذلك من تساؤلات وأقوال وإدعاءات؟

أسئلة كثيرة، ومحيرة، ومتداخلة، بعضها أجابت عنه كتابات، ومؤلفات عُقدت لمثل هذه الأمور، وبعضها لم يكن جوابه كافياً، ولا شافياً بالقدر المطلوب، وبعضها تحتاج إلى إعادة نظر، وبعضها ظلت مبهمة تحتاج إلى الجواب عنها.

في الواقع إن الذي يراجع كتاب (شمس العرب تسطع على الغرب لزيغرد هونكة(1))، و(فضل الإسلام على الحضارة الغربية لمونتغمري وات(2))، و(أسلافنا العرب لبوجن أولسومر)، و(الإسلام كبديل لمراد هوفمان(3))، و(روح الحضارة العربية لهانز هينرش شيدر(4))، و(جاذبية الإسلام لمكسيم رودنسون(5))،

و(الأثر الشرق: أدنوي في الثقافة اليونانية في العصر البدائي الأول لفالتر بيركيرت)، و(أثينا السوداء: الجذور الأفرو آسيوية للحضارة الكلاسيكية لمارتن برنال)، و(الأساطير اليونانية وبلاد الرافدين لتشارلز بينغليس)، وكذلك مؤلفات رينهارت ماي الألماني الذي كتب في (مصادر هيدجر المخبوءة: التأثيرات الآسيوية الشرقية في أعماله)، وهارولد كاورد الأمريكي الذي كتب حول (جاك دريدا والفلسفة الهندية) ويكشف فيه عن الدين الذي أخفاه دريدا عن قرائه ومريديه، وكذلك غراهام باركس الذي يحرر كتاباً يجمع فيه جملة أبحاث تناقش علاقة نيتشه بالفكر الآسيوي يحمل عنوان (نيتشه والفكر الآسيوي)، وكذلك كتاب (الشرق في الغرب لجاك غودي(6))، وكتاب (تنوير شرقي لـ ج. ج. كلارك)، وغيرها من الكتب التي يلاحظ فيها وبما لا يقبل الشك فضل الحضارة العربية والإسلامية على الحضارة الغربية بشكل عام.

إن التطور الكبير والملفت للنظر الذي شهده الغرب والمتمثل بـ(عصر النهضة) كان بفضل العلوم والنظريات، والكتب التي ترجمها علماء الغرب من اللغة العربية، ومن الحضارة الإسلامية وبالخصوص (القرآن الكريم)، ويمكن التأكد من ذلك بمجرد مراجعة الكتب التي كتبت وتخصصت بمثل هذه البحوث، ومنها الكتب المتقدمة، وإن كتاب(رحلة الكتاب العربي إلى ديار الغرب فكراً ومادة للدكتور محمد ماهر حمادة) والواقع في مجلدين، يعتبر دراسة مهمة في مجال الببليوغرافيا، والوثائق، والنصوص، والتاريخ، ومن المهم الاطلاع عليه في مجال تحـديد مرجعية الحـضارة ما بين الشرق والغرب.

ففي المقدمة التعريفية للكتاب نقرأ: (…هذا ويتألف الكتاب من قسمين أساسيين متكافئين:

الأول: دراسة منهجية في انتقال التراث العربي المخطوط إلى ديار الغرب وكيف استفاد الغرب منه وكيف نُقل هذه التراث إلى لغات الغرب، وأشهر النقلة، والطرق والمعابر التي انتقل عبرها، وما هي نظرة القوم إلى العملية، وما هي الصعوبات التي واجهتهم، وما هي اهتماماتهم، كذلك بحثنا في استفادة الغرب من معطيات الشرق وكيف أثرت هذه المعطيات في نهضة الغرب، وما هي الوسائل التي اتخذها الغرب لحسن استفادته من هذه المعطيات. كذلك ذكرنا الموضوعات التي اهتم بها الغرب أكثر من غيرها و كيف كان التركيز عليها… هذا في المرحلة الأولى من عملية تمثل المعطيات الحضارية للإسلام والعرب.

أما في المرحلة الثانية وهي مرحلة تفوق الغرب في جميع المجالات وشعوره بتفوقه، فقد بدأت الغارة على العالم الإسلامي… وأوضحنا اهتمام القوم بتراثنا وكيف جمعوه من جميع بقاع دنيا العروبة والإسلام وبمختلف الوسائل وكيف حفظوه وحققوه ونشروه وترجموا كثيراً من عيونه وألفوا حولنا وحول حضاراتنا الكثير والكثير

جداً…)(7).

ويقول الكاتب الدكتور (محمد ماهر حمادة) بشأن قضية الشرق والغرب والقِدم الحضاري: (إن العلاقة بين الشرق والغرب قديمة جداً، وأقدم مما يتصور كثير من الناس… ولما كانت حضارات الشرق أقدم بكثير من حضارات الغرب وأعرق، فمن المفروض ومن المعقول أن الغرب لما بدأ يأخذ بأسباب المدنية، اتجه صوب الشرق يستعين بحضاراته الأرقى والأعرق حتى يستطيع تسيير أموره. والواقع أن الغرب كان في ظلام حضاري دامس عندما كانت الحضارات المصرية والسورية والأكادية والسومرية والبابلية في أوجها، وإن أول الشعوب الأوربية تحضراً هي تلك الشعوب التي احتكت بالشرق وحضاراته عن طريق التجارة، وأعني بذلك الشعوب القاطنة فيما يسمى الآن بلاد اليونان. وإن بدايات تحضر الشعوب اليونانية لم يبدأ إلا في القرن (السابع ق. م) فما بعد، وهم كانوا شعوباً بَحرية تجوب البحار المحيطة بها من أجل التجارة، ولذلك فقد تأثروا بالشعوب القاطنة على شواطئ البحر المتوسط، والتي هي أعلى ثقافة وحضارة منها مثل المصريين والفينيقيين وغيرهما من الشعوب، وقد أخذ اليونانيون عن الفينيقيين الأبجدية والأرجوان وصناعة الزجاج وعبادة الإله ديونيسيوس وذلك باعترافهم هم أنفسهم كما هو ظاهر من أسطورة قدموس. كذلك أخذوا عن المصريين وعن البابليين بعض مبادئ الفلك والحساب وما ماثل ذلك… ويجب هنا أن نتوقف لنقول إن أغلب الحضارات اقتبست من بعضها وليس في هذا غضاضة لأن الحضارة شعلة من نور لا يستمر نورها في التألق والانبعاث والانتشار إلا إذا استمرت تغذيتها باستمرار ومن جميع الناس في مختلف المناطق والأمصار وعلى مدى الدهور والأعوام…)(8).

وهذا القول من المسلمات لدى كل علماء الإسلام، ولدى كل المنصفين من غيرهم، فهي ليست مجرد أقوال، و هي ليست ادعاءات، بل هي واقع له أدلته ومؤكداته ومؤيداته.

يقول الشيخ النائيني(رحمه الله)(9): (فإن المطلعين على تاريخ العالم يعلمون بأن الأمم المسيحية والأوربية لم يكن لها قبل الحروب الصليبية أي نصيب من العلم والمدنية والنظم السياسية… فأخذوا الأصول الإسلامية في حقلي التمدن والسياسة من الكتاب، والسنة، ومن خطب ومواقف أمير المؤمنين(عليه السلام) وبقية المعصومين(عليهم السلام). وقد اعترفوا بذلك في تواريخهم السابقة منصفين… وأعلنوا أن جميع ما حصلوا عليه من الرقي والتقدم، وما وصل إليه المسلمون في أقل من نصف قرن، كان نتيجة للالتزام بتلك المبادئ و اتباعها. إن حُسن ممارسة الأوربيين لهذه المبادئ، وجودة استنباطهم واستخراجهم لها، وبالمقابل السير القهقرائي للمسلمين ووقوعهم تحت نير الاستعباد المذل، وتحولهم إلى أسرى بأيدي طواغيت الأمة المعرضين عن الكتاب والسنة هو الذي آل بأمر الطرفين إلى ما نشاهده اليوم، حتى نسي المسلمون تلك المبادئ، وأخذوا يظنون أن تمكين النفوس لتلك العبودية، وذلك الاسترقاق هو من وحي الإسلام، واستنتجوا أن هذا الدين ينفي التمدن والعدالة اللذين يمثلان أساس الرقي، وحسبوا أن الإسلام يخالف العقل، وأنه أساس الانحطاط والتخلف)(10).

وهذا ما يؤكده أستاذ التاريخ والعالم الانكليزي (ج. هرنشو) إذ يقول: (فكذلك الصليبيون، خرجوا من ديارهم لقتال المسلمين فإذا هم جلوس عند أقدامهم يأخذون عنهم أفانين العلم والمعرفة…)(11).

فعلى الرغم من اعتراف بعض مفكري أوربا بتأثير التراث الحضاري العربي الإسلامي على الحضارة الغربية، إلا أنه ساد اتجاه ناكر ومتنكر لهذه الحقيقة التاريخية، من خلال السعي نحو طمسها، أو التقليل من شأنها، وقد دعم هذا الاتجاه حركة الاستعمار الأوربي للعالمين العربي والإسلامي، موكداً عجز العرب والمسلمين عن الابتكار والإبداع، والإسهام في ركب الحضارة الإنسانية، الأمر الذي يجعل من (التغريب) (Westernization) أمراً ضرورياً لمواكبته تطورات العصر الحديث.

فتبجح الغرب بأن مرجعيته الفكرية هي يونانية، ورومانية، وأن النهضة والإصلاح في أوربا والعالم الغربي قد انطلقت من الارتباط المرجعي بالتراث اليوناني والروماني الذي ما هو إلا أول الكلام، فمن أين جاء اليونان والرومان بمظاهر حضارتهم، وكيف طوروها، وما هو أساسها؟

الجواب هو الجواب وكما تقدم من أن الفضل يعود للحضارات المصرية، والبابلية، وما شاكلهما في تطور، وتمدن الغرب المتمثل في ذلك الوقت بالحضارتين اليونانية، والرومانية.

ولابد أن نعلم (أن الحقيقة التاريخية هي أن رواد الحداثة الأوربية ظلوا ينظرون منذ القرن الثاني عشر الميلادي إلى القرن الثامن عشر إلى التراث العربي الإسلامي بالاعتبار والانبهار نفسيهما اللذين ننظر بهما نحن اليوم إلى منجزات الحداثة الأوربية ومفاهيمها وشعاراتها)(12).

إن المتتبع لتاريخ (حركة الإصلاح) (Reform Movement)، و (عصر النهضة) (Era Renaissance)، و (عصر الأنوار) ( Era EnLightenment) يلحظ وبما لا يقبل الشك الدور الكبير الذي لعبته ترجمات الكتب العربية إلى اللاتينية في تأسيس فكرة الإصلاح ونشرها .

نشرت في العدد 52


(1) زيغريد هونكة (1913 ـ 1999 م).
(2) وليام مونتغمري وات (1909 ـ 2006 م).
(3) المستشرق مراد ويلفريد هوفمان، ولد سنة (1931 م) ، في ألمانيا ، بمدينة آشفنبورك ، في عائلة كاثوليكية المذهب ، وأعلن إسلامه سنة (1980 م)، وقد درس الحقوق في ألمانيا ، في مدينة ميونخ ، وكذلك في أمريكا ، بجامعة هارفارد، شغل منصب رئيس دائرة المعلومات في حلف الناتو ، بين سنة (1983 – 1987 م)، وكذلك شغل منصب سفير ألمانيا في الجزائر ، من سنة (1987 م) إلى سنة (1990) ، وشغل أيضاً منصب سفير ألمانيا في المغرب ، بين (1990 م – 1994 م)، وكان عضو المجلس المركزي للمسلمين في ألمانيا ، ويعيش في تركيا ، مع زوجته التركية ، في مدينة اسطنبول.
(4) هانز هينرش شيدر (1896 ـ 1957 م).
(5) مكسيم رودنسون (1915 ـ 2004 م).
(6) جاك غودي (1919 ـ…. م) من أبرز علماء الاجتماعيات و الانثروبولوجيا الإنكليز.
(7) رحلة الكتاب العربي إلى ديار الغرب فكراً و مادة، محمد ماهر حمادة، القسم الأول، ص 10 ـ 11.
(8) رحلة الكتاب العربي إلى ديار الغرب فكراً و مادة، محمد ماهر حمادة، القسم الأول، ص 17 ـ 20.
(9) الشيخ الميرزا محمد حسين النائيني (1273 ـ 1355 هـ).
(10) تنبيه الأمة و تنزيه الملة، النائيني، ص 94.
(11) علم التاريخ، هرنشو، ص 31.
(12) في نقد الحاجة إلى الإصلاح، محمد عابد الجابري، ص62.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.