Take a fresh look at your lifestyle.

آية القوامة بين اللغة والمجتمع

0 222

قال تبارك وتعالى:
(الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ)
(النساء:34)

لقد تنوعت مصادر التفسير في تأويل قوله تعالى بشأن قوامة الرجال على النساء وصورة هذه القوامة عندهم. ويكاد المفسرون القدماء يجمعون على أن مفهوم القوامة ينصرف إلى الأفضلية مطلقًا، أي أفضلية الرجال على النساء بشكل عام، وأغلب من يذهب إلى هذا الإطلاق هم مفسرو السلفية ومن تبعهم من الذين يحصرون المفاهيم القرآنية في نطاق ضيق يحده ظاهر اللفظ فضلًا عن تطويعهم النصوص وتفسيراتها انسجامًا مع نمط معين يتناسب مع طبيعة نظرتهم للأشياء بناء على ثقافتهم السائدة أو أعرافهم التي لم يتمكنوا من مخالفتها بسبب من التراكمات الاجتماعية التي بقيت متجذرة في سلوكهم ولم يفارقوها انصياعًا لما تمليه عليهم هذه التراكمات. بل قد يتعسف كثير منهم في الإصرار على ما يذهبون إليه من تفسير أو تأويل دفعًا لاستنطاق النص القرآني الذي يبقى نصًا كونيًا شاملًا صالحًا للاقتداء به حتى يرث الله الأرض ومن عليها، ناهيك عن مواءمته لما يطرأ على الإنسانية من مفاهيم لم تكن مألوفة أو موجودة في زمن التشريع أو وقت النزول وما تلاه من قرون.
إن الذي يراد من هذه الأسطر قراءة أخرى لمفهوم (القوامة) الذي أعطاها الله تبارك وتعالى للرجال على النساء، ذلك المفهوم الذي يفهمه أغلب الرجال أنها سلطة الرجل على المرأة أو أنها أمر للمرأة أن تطيع زوجها مطلقًا بل هناك إصرار على أن القوامة هي التسلط والتحكم من دون النظر إلى ما شرعه الله تعالى في تنظيم العلاقة الأسرية التي تؤدي إلى بناء مجتمع مرتبط بتعليمات السماء غير مجاف للمنهج الإسلامي في بناء المجتمعات.
لقد أجمع أرباب التفسير ــ تصريحًا أو تلميحًا ــ على أن الفيصل في فهم النص القرآني هو الرجوع إلى المعنى اللغوي أولًا، وهذا لا يعني الإعراض عن المناهج الأخرى التي فُسِّر بها النص المقدس بل هي كلها تسهم في إخراج ما يُستطاع إخراجه من المفردات التي ينتظمها النص القرآني أو من تراكيبه أو أساليبه. والتفسير اللغوي هو (أول منهج ظهر واتسع بعد وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله)…
وكان الإمام علي(عليه السلام) وعبد الله بن مسعود (ت32هـ) ثم عبد الله بن عباس (ت68هـ) أكثر الصحابة نشاطًا في هذا المجال)(1)، ولا يغيب عن بال المتابع لهذا الشأن أن أول تفسير وصل إلينا كان تفسيرًا لغويًا، ورائده عبد الله بن عباس (ت 68 هـ) تلميذ أمير المؤمنين(عليه السلام) وهو ما يُعرف بـ (مسائل نافع بن الأزرق). قال ابن فارس (ت395هــ): (إن العلم بلغة العرب واجب على كل متعلق من العلم بالقرآن والسنةّ بسبب، حتى لا غناء بأحد منهم عنه، وذلك أن القرآن نازل بلغة العرب، ورسول الله(صلى الله عليه وآله) عربي. فمن أراد معرفة ما في كتاب الله جلّ وعز، وما في سُنة رسول الله(صلى الله عليه وآله) من كل كلمة غريبة أو نظم عجيب، لم يجد من العلم باللغة بُدًّا)(2). وقال الشاطبي (ت790هـ): (لا بد في فهم الشريعة من اتّباع معهود الأميين، وهم العرب الذين نزل القرآن بلسانهم، فإن كان للعرب في لسانهم عُرفٌ مستمر فلا يصح العدول عنه في فهم الشريعة، وإن لم يكن ثمَّ عُرفٌ فلا يصح أن يُجرى في فهمها على ما لا تعرفه، وهذا جار في المعاني والألفاظ والأساليب)(3).
إن هذا البحث لا يقصد الإتيان بتفسير لم يسبق إليه سابق مما يترتب عليه إلغاء التفسير السابق فإن هذا لا يُعد من العلم، وإنما هو مراجعة ما بناه الأقدمون من دون مناسبة لذلك، والقصد هو مواكبة التفسير لحاجات العصر وإصلاحها بحيث لا يغدو التفسير حبيس الأوراق والكتب وإنما ينطلق لإصلاح واقع المجتمع وتلبية حاجاته الدينية والنفسية، وأول خطوات ذلك ــ فيما أحسب ــ النظر في القرآن الكريم واكتشاف المعاني الجديدة للمفردات وحسم ما كان الخلاف فيه باديًا بين المفسرين بدءًا باختيارات معاني المفردات إلى ما بعده.
جاء في لسان العرب: (القيام بمعنى المحافظة والإصلاح؛ ومنه قوله تعالى: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَآءِ). والقَيِّمُ: السيّد وسائسُ الأَمر. وقَيِّمُ القَوْم: الذي يُقَوِّمُهم ويَسُوس أَمرهم. وقَيِّمُ المرأَةِ: زوجها لأَنه يَقُوم بأَمرها وما تحتاج إليه. وقام بأَمر كذا. وقام الرجلُ على المرأَة: مانَها. وإنه لَقَوّام عليها: مائنٌ لها. وفي التنزيل العزيز: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَآءِ) وليس يراد ههنا، والله أَعلم، القِيام الذي هو المُثُولُ والتَّنَصُّب وضدّ القُعود، إنما هو من قولهم قمت بأَمرك، فكأنه، والله أَعلم، الرجال مُتكفِّلون بأُمور النساء مَعْنِيُّون بشؤونهن، وسموا بذلك لأَنهم قوّامون على النساء بالأُمور التي ليس للنساء أَن يقمن بها، والقوّام والقيم بمعنى واحد)(4).
إن الفرضية التي يقوم عليها هذا البحث هي أن الأفضلية التي كلف الله تبارك وتعالى الرجال واختصهم بها من خلال مسؤوليتهم على النساء ليست امتيازًا، وإذا لم يكن الرجل أهلا لها فإنها تنتقل مباشرة إلى المرأة بدليل قوله تعالى: (بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ)، ولم يقل (بعضهم على بعضهن). وأن الرجال ليس أفضل من النساء، والقوامة كما مر لغة: من القيام بالأمر والمسؤولية عن إنجازه.
إن الرجال مكلفون بالقيام بمسؤوليات أسرية معينة وهذه المسؤولية في الآية الكريمة هي النفقة المادية كما وضحت الآية ذلك: (وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ)،وربما استدل أحدهم بأفضلية الرجل من قوله تعالى (بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ)، لكننا ننسى أن التفضيل في اللغة لا يعني المكانة الأعلى أو الميزة وإنما يعني الزيادة كما قال تعالى: (وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ)(النحل:71)، أي زادهم رزقًا ولا يعني زادهم مكانة. وكما نعلم أن كلمة (أسوأ) هي اسم تفضيل، والتفضيل لا يعني المزية وإنما الزيادة، ولو فهمنا التفضيل في الآية من سياقها لوجدنا أنها تعني (بما زاد الرجال على النساء من قدرة نفسية وجسدية على كسب المال لينفقوا منه وليس كما يفهمه بعض الناس من معنى تمييزي لا يمت إلى الآية بصلة.فالقوامة بحسب الآية لا تعني أبدًا التسلط أو الفوقية بل تعني واجب الرجل في القيام بالنفقة المادية على النساء وهذا واجب عليه وليس حقًا له. وهنا يجب التنبه إلى أن تفضيل الرجال على النساء المذكور في الآية الكريمة المراد منه تفضيل جنس الرجال على جنس النساء، وليس المراد منه تفضيل جميع أفراد الرجال على جميع أفراد النساء، وإلا فكم من امرأة تفضل زوجها في العلم والدين والعمل والرأي.
إن الرجال مكلفون برعاية النساء وحمايتهن و(خدمتهن) وكل ما تفرض القوامة من تكليفات. ومعنى : (بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ) ، ليس تفضيلًا من الله تبارك وتعالى للرجل على المرأة، ولو أراد هذا لقال : بما فضل الله الرجال على النساء،ولكنه قال : (بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ) فأتى ببعض مبهمة هنا وهناك، وذلك معناه: أن القوامة تحتاج إلى جهد ومشقة، وحركة وكدح من ناحية الرجال ، ليأتي بما يوفر لأسرته عيشًا كريمًا، وفي مقابل ذلك ، جعل للمرأة مهمة، لا يقدر عليها الرجال، فهي مفضلة عليه فيها، فالرجل لا يحمل ولا يلد ولا يحيض، ولذلك قال تعالى في آية أخرى: (وَلاَ تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا)(النساء:32) ، والخطاب هنا للمكلفين جميعهم واستعمل (بعض) هنا، ليكون البعض مفضلًا من جهة، ومفضولًا عليه من جهة أخرى، ولا يمكن أن نقيم مقارنة بين فردين لكل منهما مهمة تختلف عن الآخر .لكن إذا نظرنا إلى كل من المهمتين معا، سنجد أنهما متكاملتان . فللرجل فضل القوامة بالسعي والكدح والإنفاق، أما الحنان والرعاية والعطف فهي ناحية قليلة جدًا عند الرجل بإزاء المرأة؛ لانشغاله بمتطلبات القوامة، لذلك فإن الله عز وجل يحفظ المرأة لتقوم بمهمتها، ولا يحملها قوامة بتكليفاتها تلك، لتفرغ وقتها للعمل الشاق الآخر الذي خلقت له. (وكان الاشتغال بهذه الشؤون و الاعتكاف على إحياء العواطف الطاهرة المودعة في وجودهن يشغلهن عن الورود في مجامع الرجال، و اختلاطهن بهم في حدود ما أباح الله لهن، ويشهد بذلك بقاء هذه السنة بين المسلمين على ساقها قرونًا كثيرة بعد ذلك حتى نفذ فيهن الاسترسال الغربي المسمى بحرية النساء في المجتمع فجرت إليهن و إليهم هلاك الأخلاق، و فساد الحياة و هم لا يشعرون.)(5).
إن تفضيل الرجل على المرأة لا يغض من كرامتها، ولا ينال من مكانتها، فهي لها مجالها ووظيفتها التي لا يستطيع الرجال القيام بها، وهي ـ وإن كانت أضعف من الرجل بنية في تحمل مسؤولية القوامة وأعبائها ـ إلا أنها أكثر منه صبراً وجلداً وسهراً على تربية الأولاد، والعناية بمصالح البيت التي لو وكلت إلى الرجل لضاق بها ذرعاً، ولتذمر منها وعجز عنها، كما أن القوامة ليست استعباداً للمرأة، ولا تسلطاً عليها من قبل الرجل، بل هي قوامة تصان فيها كرامتها، وتنال بها حقوقها كاملة، فالله جل وعلا يقول: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ)(البقرة: 228). فقوامة الرجل على المرأة في الإسلام قوامة رعاية وإدارة وحفظ لا قوامة تسلط وتجبر واستعباد. ولكن الرجل بطبيعته الذكورية يحاول فرض هيمنته على محيطه فلا يجد سوى الحلقة الأضعف وهي المرأة فيستعرض كل بطولاته عليها ولجهله لا يردعه ضمير ولا عاطفة ولا دين ولا قانون.

والقوامة هي القيادة أي قيادة المجتمع الصغير (الأسرة) التي يتشرف بها الرجل من دون تسلط أو تعسف، وهي كذلك تكليف لصالح المرأة والبيت والأسرة، حيث تكون مسؤولية النفقة فيها وطلب الرزق والحماية والرعاية واجبة على الرجل، وله بذلك حق الطاعة المطلوبة للقائد، وهي الطاعة بالمعروف، وليست الطاعة المطلقة. (وقد خلق الله الناس ذكرًا وأنثى،. زوجين على أساس القاعدة الكلية في بناء هذا الكون ،وجعل من وظائف المرأة أن تحمل وتضع وترضع وتكفل ثمرة الاتصال بينها وبين الرجل، وهي وظائف ضخمة أولًا وخطيرة ثانيًا، وليست هينة ولا يسيرة، بحيث تؤدى بدون إعداد عضوي ونفسي وعقلي عميق غائر في كيان الأنثى ! فكان عدلًا كذلك أن ينوط بالشطر الثاني – الرجل – توفير الحاجات الضرورية، وتوفير الحماية كذلك للأنثى؛ كي تتفرغ لوظيفتها الخطيرة، ولا يحمل عليها أن تحمل وتضع وترضع وتكفل، ثم تعمل وتكد وتسهر لحماية نفسها وطفلها في آن واحد ! وكان عدلًا كذلك أن يمنح الرجل من الخصائص في تكوينه العضوي والعصبي والعقلي والنفسي ما يعينه على أداء وظائفه هذه، وأن تمنح المرأة في تكوينها العضوي والعصبي والعقلي والنفسي ما يعينها على أداء وظيفتها تلك)(6)

وإن وصف الرجل بأنه أعقل من المرأة وأكثر قدرة على إدارة شؤون الأسرة، إنما هو على سبيل الإجمال، وإلا فكم من امرأة هي أكثر قدرة أقدر وأوفر عقلاً وأحسن تدبيراً وأشد ذكاء، ولكن أحكام الشرع مبنية على الغالب. (ومختلف ما قرره الإسلام في حقهن أنهن على احتجابهن و اختصاصهن بالأمور المنزلية من شئون الحياة غالبًا لم يكن ممنوعات من المراودة إلى ولي الأمر، و السعي في حل ما ربما كان يشكل عليهن)(7).

إن الاستطراد في هذا الموضوع وتتبع الأدلة التي تفوق الحصر، سواء كانت نقلية أو عقلية؛ قد يُخرجه من حيزه المحدود ضمن إطار معين لنشره، ولكن لا بد من طرحه ولو على سبيل المقاربة، وإلا فهو موضوع اجتماعي شائك يوجب علينا جميعًا أن نراجع مواقفنا إزاء المرأة التي وقع ويقع عليها حيف كبير من جراء فهمنا المجتمعي البعيد عن التكليف الذي خصنا به الله تبارك وتعالى لخدمة المرأة وما ولدت بما شرع الله وبما ترك لنا سادتنا المعصومون (صلوات الله عليهم أجمعين) من تراث مشرق في السلوك الإنساني الذي ينظم الخلية الأولى في مجتمعنا الإسلامي، هذا الكيان المقدس الذي أمرنا الله تعالى بالمحافظة عليه وخدمته والسهر على راحته وجعله في مقدمة اهتماماتنا

نشرت في العدد 51


(1) في التفسير اللغوي. د. زهير غازي زاهد:54.
(2) الصاحبي في فقه اللغة، تحقيق: أحمد صقر: 50.
(3) الموافقات، للشاطبي، تحقيق محيي الدين عبد الحميد:2/56.
(4) لسان العرب: (ق و م).
(5) الميزان للعلامة الطباطبائي:4/359.
(6) في ظلال القرآن، سيد قطب:5 /650.
(7) الميزان، للعلامة الطباطبائي:4 / 359.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.