Take a fresh look at your lifestyle.

ماذا بعد شهري الأحزان

0 404

            في كل عام لدى محبي أهل البيت (عليهم السلام) وعند عشاق الإنسانية شهران للأحزان، شهر المحرم الحرام وشهر صفر، تعم فيهما علامات الحزن، ترفع فيهما رايات العزاء، وتعلو فيهما أصوات البكاء، وما ترى شيعيًا إلّا وترى الحزن باديًا على وجهه، والدمعة مسكوبة من عينه، وقبل كل هذا فإن قلبه مفجوع بالمصيبة الكبرى التي جعلت الحسين (عليه السلام) وتر الله الموتور وثار الله وقتيل الله، وما أعظمها من مصيبة حتى جاء في وصفها على لسان الإمام الصادق (عليه السلام)
في إحدى الزيارات المباركة:

         (أَشْهَدُ أَنَّ دَمَكَ سَكَنَ فِي الْخُلْدِ، واقْشَعَرَّتْ لَه أَظِلَّةُ الْعَرْشِ، وبَكَى لَه جَميعُ الْخَلائِقِ، وبَكَتْ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ، والأَرَضُونَ السَّبْعُ، وَما فيهِنَّ وَما بَيْنَهُنَّ، وَمَنْ يَتَقَلَّبُ في الْجَنَّةِ والنّارِ مِنْ خَلْقِ رَبِّنا، وَما يُرى وَما لا يُرى)(1).

           ولهذين الشهرين تقاليد وأعراف لدى الشيعة وغير الشيعة من محبي الإمام الحسين (عليه السلام) وعاشقيه، فبين من ترى ينصب سرادقًا ليقيم فيه مجلسًا للعزاء، وبين من يوزع الطعام ثوابًا لسيد الشهداء، وبين من يخرج في مواكب، وبين من يزور، ومن يخدم الزائرين في مشهد لا يمثل إلّا المدينة الفاضلة..

           أقول: بعد أن ينتهي هذان الشهران، ماذا يبقى علينا؟ هل نترك الذكرى وصاحبها إلى العام المقبل، ونرجع إلى أعمالنا وأشغالنا، أم لا بد لنا من عمل آخر طوال الأشهر العشرة الباقية؟

           وللجواب عن هذا السؤال لا بد أولًا من النظر في سيرة الإمام الحسين (عليه السلام) للاطلاع على سبب نهضته، وقد فسرها (عليه السلام) بقوله:

         (إِنّي لَمْ أَخْرُجْ أَشِراً، وَلا بَطِراً، وَلا مُفْسِداً، وَلا ظالِماً، وَإِنَّما خَرَجْتُ لِطَلَبِ الإِصْلاحِ في أُمَّةِ جَدَّي، أُريدُ أَنْ آمُرَ بِالْمَعْروفِ، وَأَنْهى عَنِ الْمُنْكَرِ، وَأَسيرَ بِسيرَةِ جَدّي، وَأَبي عَلِيّ بن أبي طالِبٍ (عليه السلام)،فَمَنْ قَبِلَني بِقَبولِ الْحَقِّ، فَاللهُ أَوْلى بِالْحَقِّ، وَمَنْ رَدَّ عَلَيَّ هَذا أَصْبِرُ حَتَّى يَقْضِيَ اللهُ بَيْني وَبَيْنَ الْقَوْمِ بِالْحَقِّ، وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمينَ)(2).

          فالهدف الأساس لخّصه بقوله (عليه السلام) المتقدم، وجسّده وطبّقه عمليًا في مسيره من مدينة جده حتى وصوله عرصة كربلاء، في ساحة العزة والإباء، وساحة الشموخ والفداء، بمواقفه الممثلة للإسلام، وذلك حين كان ينصح كل من يجده في طريقه، وكان يوعظ ويذكر بالله تعالى؛ وكان يبين الأخلاق الإسلامية حين يسقي جيش الحر العطشان، وحين كان يقرأ القرآن في ليلة العاشر، وحين كان يوعظ القوم أن يتراجعوا عن قتاله، فهو لا يريد أن يذهبوا إلى جهنم بسببه، وحين كان يصلي في ساحة المعركة والسهام المسمومة تمطره ولا ترحمه.

            هكذا كان الإمام الحسين (عليه السلام) في كل موقف من مواقفه في نهضته المباركة، يريد تجسيد الإسلام تجسيدًا حيًا ليبعثه بعثًا حقيقيًا في ضمير الأمة بعد أن كاد بنو أمية أن يقضوا على الإسلام المحمدي النازل من السماء، ويحولوه إلى إسلام شكلي يحرفونه كما يريدون، كما فعل من قبلهم اليهود والنصارى حين حرفوا دينهم حسب أذواقهم، فباؤوا بغضب من الله وسخطه، ولهم عذاب الخزي والهوان يوم القيامة.

          واستمر الإمام الحسين (عليه السلام) مذكرًا وواعظًا حتى لحظاته الأخيرة وهو بين يدي ذابحه يرفع يديه بالدعاء، ليعلمنا أدب الدعاء، وأدب التضرع في أصعب المواقف، وأن لا ننسى الله تعالى حتى وإن حدث ما حدث، ويعلمنا مفهوم الابتلاء، والصبر عليه، والثبات على الخط الأصيل.

 وماذا بعد فاجعة عاشوراء؟

          انتقلت زمام المبادرة إلى حجة الله في أرضه الإمام علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام)، وإلى عمته الحوراء زينب (عليها السلام)، فسارا على خطى العترة الطاهرة يوقظان في ضمير الأمة روح الإسلام، فزينب (عليها السلام) التي لم تترك وِردها حتى في ليلة الحادي عشر بعد ذبح إخوتها وبنيها وأصحابهم؛ والإمام السجاد (عليه السلام) الذي يدخل بين يدي الحكام الظلمة يذكرهم بالله، ويربط في كلمته فيما بينه وبين الرسالة وبين المشاعر المقدسة، في محاولة للتذكير بالله ومشاعره وحرمه.
           وحين يريد الطغاة إسكاتهم لا يفتؤون عن ذكر الله تعالى والتذكير به، فزينب (عليها السلام) حين قال لها ابن زياد: (الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم، وأكذب أحاديثكم.

           فقالت زينب: الحمد لله الذي أكرمنا بمحمد وطهرنا تطهيرا، إنما يفضح الله الفاسق ويكذب الفاجر.

           قال: كيف رأيت صنع الله بكم أهل البيت؟

          قالت: كتب عليهم القتل، فبرزوا إلى مضاجعهم، وسيجمع الله بينك وبينهم فتتحاكمون عنده)(3)، فما ذكرت كلمة إلّا ولله فيها رضًا، وما ذكرت كلمة إلّا لتحيي بها الإسلام.

         والإمام السجاد (عليه السلام) حين خطب في مجلس الطاغية، وعرفوا إن أتم خطبته فسوف يفتضحون فضيحة كبيرة قطعوا خطبته وأذنوا،

         (فلمّا قال المؤذّن: (الله أكبر) قال الإمام عليّ بن الحسين (عليه السلام): كبّرت كبيرًا لا يُقاس، ولا يُدرك بالحواس، لا شيء أكبر من الله، فلما قال ـ المؤذن ـ (أشهد أن لا إله إلّا الله)، قال الإمام (عليه السلام): شهد بها شعري وبشري، ولحمي ودمي، ومخّي وعظمي، فلما قال ـ المؤذن ـ (أشهد أنّ محمّدًا رسول الله)، التفت الإمام (عليه السلام) من على المنبر إلى يزيد، وقال: يا يزيد، محمّدٌ هذا جدّي أم جدّك؟ فإن زعمت أنّه جدّك فقد كذبت، وإن قلت: إنّه جدّي، فَلِمَ قتلت عترته؟)(4)،

         فالإمام (عليه السلام) قام بتصحيح الموقف حسب الرؤية الإسلامية، وقام ببيان العقائد الحقة، كحقيقة التوحيد، وبيان ارتباط العترة بالنبوة التي هي أصل من أصول الدين، فأدحضهم ورفع راية الإسلام.

           أقول: هذه مواقف الإمام الحسين (عليه السلام) وأهل بيته في نهضتهم الخالدة، فماذا علينا بعد شهري الأحزان؟

        إن هذين الشهرين يجب أن يكونا مدرسة في تعلم كل القيم الخيرة التي يجب أن يتحلى بها الإنسان المؤمن، والتي يستمدها ممن جسد الإسلام بنفسه، من الحسين وأهل بيته (عليهم السلام).

          لذلك فبعد هذين الشهرين لابد أن نعمل على إحياء مبادئ الإمام الحسين (عليه السلام) حق الإحياء، وهي مبادئ الإسلام المحمدي، لذا لابد أن يعمل الإنسان في ما بعد الشهرين على تأصيل الالتزام الديني، والانضباط الخلقي، والسلوك الرباني، والاندفاع الداخلي نحو الله تعالى، وهذا ما كان يعمل على تدريب نفسه عليه في هذين الشهرين،

          فإننا إذا أردنا أن نكون حسينيين لا بد أن نعيش مع الإمام الحسين (عليه السلام) في كل موقف من مواقفه، والتي لم يرد منها الإمام الحسين (عليه السلام) إلّا وجه الله تعالى؛ وبالتالي لا بد أن نحيي الحسين (عليه السلام) بمواقفه كما أحياها هو بنفسه، في أن نتبعه اتباع الإسلام، ونحبه بحبه، ونحييه بتفعيله وتطبيقه، فقد قال الإمام السجاد (عليه السلام):

        (أحبونا حب الإسلام)(5)، هذا الحب الموصل إلى الجنان، عن أبي عبيدة عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال :

        من أحبنا فهو منا أهل البيت قلت : جعلت فداك منكم ؟ قال: منا والله ، أما سمعت قول إبراهيم (عليه السلام): ( فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي)(6).

          فهذا ما يريده منا الحسين (عليه السلام)، الاتباع الموصل إلى طريق النجاة، وبعبارة أخرى الاتباع الإلهي. وتأسيسًا على ما تقدم لابد لهذين الشهرين أن يصبحا شهري إعداد وتهيئة لما بعدهما؛ إعداد لبرنامج إسلامي لكل فرد يسير على ضوئه في خط التكامل نحو الله، وأن يكدح في هذا الخط، فهو خط ليس سهلًا، بل هو خط صعب عسير في أن يحاول التكامل، التكامل المعرفي لله وفي الله وإلى الله، في أن يحاول معرفة الله تعالى معرفة تجعله يرى الله في كل شيء، وحين يعيش معية الله معه لا يرتكب المعاصي، ولا يذهب حيث منعه الله، بل يتواجد في محال طاعة الله، وحينئذ يتحلى بالتقوى، والتي هي كما فسرها المعصوم: (أن لا يفقدك الله حيث أمرك، ولا يراك حيث نهاك)(7)،

         وبالتالي يعمل بوصية الإمام الحسين (عليه السلام) حين يخرج وينادي بالناس: (أوصيكم بتقوى الله، فإن الله قد ضمن لمن اتقاه أن يحوله عما يكره إلى ما يحب، ويرزقه من حيث لا يحتسب؛ فإياك أن تكون ممن يخاف على العباد من ذنوبهم ويأمن العقوبة من ذنبه، فإن الله تبارك وتعالى لا يخدع عن جنته، ولا ينال ما عنده إلّا بطاعته إن شاء الله)(8).

          وإذا عمل بهذا يكون إنسانًا ربانيًا بمفهوم حسيني أولًا،

          وهو غاية كل مؤمن أن ينسب إلى الله تعالى عن طريق الحسين (عليه السلام)،
وثانيًا: يضمن سعادة الدنيا والآخرة، وهاتان ضمانتان يستمدهما من رحاب عاشوراء؛ إذن لا بد على الموالي أن يتخذ من هذين الشهرين دورةً لتهذيب النفس وإرشادها نحو الخط القويم.
وأضيف أنه إذا أحس بمعية الله تعالى معه عبر التقوى المتح

         صلة عنده، فحينئذ لا يخاف شيئًا ولا يخشى، بل يستمد قوته وعزمه وإرادته من الله تعالى، وحينئذٍ يصرخ بوجه الظالم والفاسد رافضًا ظلمه وفساده، كما فعل الإمام الحسين (عليه السلام) وثار بوجه الظلم والفساد، وحينئذٍ يحاول تصحيح مسير كل خارج عن المسير، فيكون المؤمن القوي الذي يستطيع تغيير المنكر بيده، فيطبق قول رسول الله (صلى الله عليه وآله):

          (من رأى منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)(9).

         ومن هنا لا بد للحسيني على طول السنة أن يكون عاملًا لإحياء أمر الإسلام بما أحياه أهل الإسلام، فيطبق قولهم (عليهم السلام): (رحم الله من أحيا أمرنا) بمفهومه الصحيح الذي فسره الإمام الرضا (عليه السلام) حين سأله السائل: (وكيف يحيى أمركم؟) فأجابه (عليه السلام): (يتعلم علومنا ويعلمها الناس، فإن الناس لو علموا محاسن كلامنا لاتبعونا)(10).

        فإن كلمات أهل البيت (عليهم السلام) مدارس نور ورحمة وإشعاع، ومحال بركة، ولذا كانوا (عليهم السلام) يؤكدون عليها دائمًا، يقول الإمام الصادق (عليه السلام):

         (رَحِمَ اللهُ عَبْداً حَبَّبَنَا إِلَى النَّاسِ ولَمْ يُبَغِّضْنَا إِلَيْهِمْ أَمَا واللهِ لَوْ يَرْوُونَ مَحَاسِنَ كَلَامِنَا لَكَانُوا بِه أَعَزَّ ومَا اسْتَطَاعَ أَحَدٌ أَنْ يَتَعَلَّقَ عَلَيْهِمْ بِشَيْءٍ ولَكِنْ أَحَدُهُمْ يَسْمَعُ الْكَلِمَةَ فَيَحُطُّ إِلَيْهَا عَشْرًا)(11).

         وعن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال: (يا جابر إنا لو كنا نحدثكم برأينا وهوانا لكنا من الهالكين، ولكنا نحدثكم بأحاديث نكنزها عن رسول الله صلى الله عليه وآله كما يكنز هؤلاء ذهبهم وفضتهم)(12).

           وعنه (عليه السلام) أنه قال: (لو أنا حدثنا برأينا ضللنا كما ضل من كان قبلنا ولكنا حدثنا ببيِّنة من ربنا بيَّنها لنبيه فبيَّنها لنا)(13).

            وبالتالي فإن نشر أحاديثهم هي إحياء لأمرهم، وهذه الأنوار الإلهية التي نسمعها ونقرأها دائمًا، ولكنها تكثر في كل يوم من أيام هذين الشهرين (المحرم وصفر)، هي تذكير بالله، وإحياء لهم، وإحياء للإسلام بصورته الصحيحة غير المزيفة بعد أن عمل الظالمون على تزييف صورة الإسلام بنشر الأباطيل والأكاذيب والخرافات؛

          ولذا لا بد بعد انتهاء هذين الشهرين لابد أن نخرج بتحصيل معرفي من علوم آل محمد (صلى الله عليه وآله) والتي استمعناها ووعيناها، فنبلغها من لم يسمعها، ونحاول أن نعمل على توعية من لم يعِها وعيًا كاملًا صحيحًا، تطبيقًا لقول رسول الله (صلى الله عليه وآله):

          (نَضَّرَ اللهُ عَبْدًا سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا وحَفِظَهَا وبَلَّغَهَا مَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَرُبَّ حَامِلِ فِقْه غَيْرُ فَقِيه ورُبَّ حَامِلِ فِقْه إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَه مِنْه)(14).

           هذه بعض القضايا المهمة التي لا بد أن نركزها في أذهاننا ونعمل على تفعيلها، والمقام لا يسع الإطالة؛ وإلّا فهذان الشهران هما مدرسة إسلامية كاملة.

             وإذا كان لا بد من كلمة ننهي بها المقام فأقول:

            إذا أردنا أن نكون حسينيين حقًا فلابد أن نعمل كل عمل يقربنا إلى الله تعالى وإلى رسوله (صلى الله عليه وآله) وإلى أهل بيته (عليهم السلام)؛ وأن نعيش مع الله كل لحظة من حياتنا، فهكذا عاش الإمام الحسين، عاش لله وفي الله وإلى الله، إلى أن قدَّم نفسه فداء دين الله تعالى، وأصبح قربانًا لذاك الدين، (اللهم تقبل منا هذا القربان).

           نسأل الله أن يجعلنا (حسينيين) قولًا وفعلًا، وأن لا يخرجنا من هذه الدنيا إلّا ونحن سائرون على خط الإمام الحسين (عليه السلام)، مستشهدون بين يدي حفيده الإمام الحجة بن الحسن المهدي (عج).

ــــــــــــــــــــــــــ
1) الكافي: 9/310.
2) الخوارزميّ، مقتل الحسين ×: 1/273.
3) الأمالي للصدوق: 229.
4) مقتل الحسين (عليه السلام) للخوارزمي: 2/76.
5) روضة الواعظين: 197.
6) تفسير العياشي/ج2 ص231.
7) وسائل الشيعة: 11/189.
8) تحف العقول: 240.
9) القواعد والفوائد/ الشهيد الأول/ج2ص203ـ مسند أحمد: 3/20.
10) عيون أخبار الرضا (عليه السلام): 1/275.
11) الكافي: 8/229.
12) بصائر الدرجات: 319.
13) المصدر نفسه.
14) الكافي: 1/403.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.