Take a fresh look at your lifestyle.

مفهوم التعاون في الفكر الإسلامي

0 187

          من المعروف أنَّ المجتمعات الموجودة في أي مكان على الكرة الأرضية، هي تكتلات بشرية، تربطها مجموعة من الروابط، والمصالح، والعلاقات، وتنظم حياتها مجموعة من القوانين الإلهية، أو الوضعية، ولكل مجتمع من هذه المجتمعات خصائص، وصفات، تميزه عن غيره من المجتمعات الأخرى.
والمجتمع الإسلامي أحد أبرز المجتمعات الإنسانية، وله ميزات، وخصائص، ينفرد بها عن المجتمع الرأسمالي، الذي يعتمد على النظرية الرأسمالية وكذلك يختلف عن المجتمع الإشتراكي القائم على النظرية الماركسية (الشيوعية).
وإنَّ الإنسان في الحياة الإجتماعية ـ وفي أي مجتمع كان ـ يقوم بممارسات إجتماعية كثيرة، لتنظم وتسير حياته فهو، يبيع، ويشتري، ويشارك، ويتزوج، ويتملَّك، ويتعاون، وينافس الآخرين، ويدرس، ويدافع عن حقوقه، ويختلف مع الآخرين، ويقاتل، ويرفه عن نفسه، وعن أهله، وكل ذلك يدخل في الحياة الإجتماعية للفرد، والمجتمع (الآصفي، 1997 ص 15).
وحين ننظر إلى المجتمع من حولنا نظرة فاحصة نجد، أنَّ الناس متفاوتون، سواء كان ذلك من جهة القوة الجسمية، أم من جهة القوة العقلية، ففي المجتمع يكون هناك أُناس أقوياء، وآخرون ضعفاء.. وهناك أُناس أصحاء، وآخرون مرضى.. وهناك أُناس أغنياء وآخرون فقراء، وهناك من يتميز بالعلم والمعرفة، وآخرون بالجهل والأمية، ومن هنا برزت الحاجة إلى ضرورة إستيعاب الحياة، والروح التعاونية، التي تزرع مشاعر الحب، والإحترام، والإخاء، بين أفراد المجتمع كافة، وتعينهم على العمل، والتطور.
إنَّ المجتمع البشري، يشبه إلى حد كبير الجسم الإنساني في تكوينه، وعمله، وأداء وظائفه، فجسم الإنسان مكون من أعضاء، وأجهزة، ولكل منها واجب دقيق، وعمل خاص يقوم به بشكل منظم، بحيث لا يمكن لأي عضو أنْ يستغني عن بقية الأعضاء، فهي تعمل معاً بصورة مترابطة، ومنسقة من أجل حفظ الحياة وديمومتها.
والمجتمع البشري يتألف من الفلاح، والمعلم، والطبيب، والمهندس، والعامل، والتاجر … الخ، وكل شخص من هؤلاء يؤدي واجبه، ويقدم خدماته إلى أبناء مجتمعه.
كما انَّ الإنسان مع ما أعطاه الله تعالى، من صفات، وسمات تميزه عن غيره من المخلوقات الموجودة على سطح الأرض، تظل قدراته الجسدية، والعقلية، قاصرة عن تحقيق كل ما يطمح إليه، من رغبات، وأهداف، ما لم يتعاون مع الأخرين، أخذاً، وعطاءً، ويتعاون الأخرون معه لتحقيق الأهداف المشتركة التي يصبون إليها.
أما الفكر الإسلامي، فإنه يعمل جاهداً على إيجاد المجتمع المسلم المتعاون من خلال الإهتمام ببناء الإنسان أينما وجد، ليتربى وفق القيم السماوية التي أكدها الله تعالى، كما في قوله جلَّ وعلا: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (سورة المائدة: من الآية2).
إنَّ البر والتقوى من الإمور التي توحد الجماعة وتجمع صفوفها وتلغي عوامل الفساد والإختلاف والنزاع وعناصر التضاد والتدافع في الإرادات والرغبات والشهوات وتسيطر على أسباب الهوى والغضب والإنفعال، وعمل البر والتقوى بالرغم من حسنه وميل الفطرة الإنسانية اليه إلا انه عمل ثقيل وصعب لما فيه من جهاد النفس والبذل والعطاء وتحمل الآلام ولذلك كان يحتاج التعاون والإشتراك في المسؤولية والإنجاز (الحكيم، 2003 ص 473).
والتعاون بذلك صلة ورابط بين الإنسان، وأخيه الإنسان، يعمق الشعور بالود، والتعاطف، والتقارب، بين أفراد المجتمع الإسلامي، ومختلف أفراد بني البشر، بعيداً عن اللون، أو الجنس، أو اللغة، أو العرق، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (سورة الحجرات الآية 13).

ويُشبه الرسول الكريم محمد(صلى الله عليه وآله)،
المجتمع بالجسد الواحد، ليعلّم أبناء المجتمع الإسلامي مبدأ التعاون، ويثبت في نفوسهم الأخوة، والمحبة، والتضحية، فقد روي عنه(صلى الله عليه وآله) قوله: (مثل المؤمنين في توادهم، وتراحمهم، وتعاطفهم، كمثل الجسد، إذا أشتكى منه عضو، تداعى سائر الجسد بالسهر والحمى) (صحيح مسلم، ج4، ص 1999).
وقوله(صلى الله عليه وآله): (لا يؤمن من بات شبعان، وجاره جائع) (صحيح مسلم، ج1، ص 156).
وقوله(صلى الله عليه وآله): (المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يُسُلُمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة، فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة) (المستدرك على الصحيحين،ج2، ص15).
وقوله(صلى الله عليه وآله): (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدُّ بعضه بعضاً) (صحيح البخاري،ج5، ص 2242).
وعندما نطلع على سيرة الرسول الكريم محمد(صلى الله عليه وآله)، نراه يؤكد على التعاون الذي بواسطته استطاع الرسول(صلى الله عليه وآله) أنْ ينمي ويكون المجتمع الإسلامي في المدينة المنورة، فبتعاون المسلمين، وبالمؤاخاة بين المهاجرين، والأنصار، ومؤازرة الغني للفقير، والقوي للضعيف، أصبحت أمة الإسلام أمة واحدة، استطاعت أنْ تنشر الإسلام، وتبني الدولة الإسلامية، وتحقق العدالة، والمساواة.
أما العلماء المسلمون، فقد أكدوا على التعاون في كتاباتهم، وأقوالهم فهذا الفارابي (ت339هـ) يرى في كتابه (المدينة الفاضلة) أنه لا يمكن أنْ ينال الإنسان الكمال إلا بإجتماع أفراد كثيرين متعاونين، وإذا كانت السعادة ممكنة على وجه الأرض، فنيلها يكون بتعاون الأفراد بأعمالهم الفاضلة، كما اتفقت آراء ابن مسكويه (ت 321 هـ) مع النظريات الحديثة في أنَّ الإنسان لا يكتفي بنفسه في تكميل ذاته بل يحتاج إلى معاونة الآخرين حتى يعيش حياة طيبة يكتنفها الخير والسعادة والطمأنينة والاستقرار .

نشرت في العدد 38


المصادر:
(1) القرآن الكريم.
(2) الولاء والبراءة ـ ولاية الله ـ ، الشيخ محمد مهدي الآصفي، ط1، رابطة الثقافة والعلاقات الاجتماعية، طهران 1997 م.
(3) المجتمع الإنساني في القرآن الكريم، اية الله السيد محمد باقر الحكيم، ط1، المركز الإسلامي المعاصر، بيروت 2003م.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.