Take a fresh look at your lifestyle.

قراءة في كتاب.. سياحة في الشرق لمحات من تاريخ النجف الاجتماعي

0 237

        من المعروف أن واحداً من أهم المصادر فيما يخص الدراسات الاجتماعية ولاسيما التاريخية منها السير والمذكرات الشخصية لمن كانوا معاصرين لأحداث ووقائع مهمة وخطيرة وحتى حوادث بسيطة فهذه المذكرات والسير والتي في جانب منها ذاتية تعطي معلومات تعد في بعض أحيان كثيرة ضرورية وأصيلة عن حالة ما ولمجتمع معين خاصة إذا كان كاتب المذكرات أو السيرة يمتلك ذاكرة قوية توثيقية أو أنه دون الأحداث أولاً بأول وتميز بالروح الموضوعية وقوة الملاحظة والمتابعة والنظر بدقة الى الأمور وبقدرة على التمييز بين الوقائع وفصلها وإعادة بناءها من جديد لتأخذ شكلها النهائي المتكامل.

والحقيقة أن الباحثين يدركون مدى الأثر الفاعل للمذكرات في إنجاز أبحاثهم بوصفها رافداً حيوياً لذلك جاء هذا الاهتمام بالمذكرات والسير الشخصية وضرورة تدوينها ابتغاءً لكشف الحقائق أو إزالة الغموض والإبهام عن قضية من القضايا ورفع الحجب عن مجاهيل ظلت مغلقة على الفهم الى أن فتح هذه المغاليق أحد المشاركين فيها أو شهود العيان ومن جانب آخر فإن بعض هذه المذكرات لم تتوقف عند حد السرد الممل للحوادث بل إن كاتبها غاص في أعماق المجتمع وراقب بعين بصيرة العادات والتقاليد الاجتماعية وسجل بعناية التغيرات الحاصلة ويشمل ذلك التطورات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية وحتى السياسية.
وعلى هذا الأساس فإن المذكرات تقدم سيلاً من المعلومات الثرة وكمّاً من المعارف للدارسين والباحثين وأجوبة لأسئلة تبقى معلقة لفترات طويلة وهذا ما طبع المذكرات الموضوعية بطابع العلمية والأهمية البحثية ولعل واحداً من هذه المذكرات الرائعة والغزيرة في مادتها وموضوعاتها وصلابة بناءها ما كتبه السيد العلامة محمد النجفي القوجاني في واحد من أوفر كتب المذكرات وأوفرها عن مدينة النجف الأشرف وتحقق ذلك بكتابه الجذاب والمهم (سياحة في الشرق).

والقوجاني ولد عام (1295هـ) في مدينة (قوجان) من أسرة علوية وكان في بداية حياته عاملاً مع والده في الزراعة، وكان والده ونتيجة لقوة ارتباطه بالمرجعية الدينية أصر على ولده الدخول للمدارس الحوزوية في مدينته للتعلم والنهل من علوم أهل البيت(عليهم السلام) وفي مسيرة حياته تنقل القوجاني في عدة حوزات إلى حين انتقاله المفصلي والمؤثر في حياته العملية والعلمية إلى مدينة النجف الأشرف عام (1318هـ) حيث دخلها في يوم 16 رجب ومكث في المدينة المقدسة ينهل من علوم ومعارف حوزاتها وعلماءها الكبار بنهم وشغف وقوة وجلد وبروح منفتحة على اغتراف العلوم لمدة عشرين عاماً إذ غادرها في شعبان (1338هـ) عائداً الى بلاده ومنه هناك الى مدينته قوجان التي أقام فيها بقية حياته لمدة خمسة وعشرون عاماً تزعم حوزتها العلمية وأدارها بالإضافة الى ارتباطه بالناس وخدمتهم والدفاع عن المدينة بوجه ما كانت تتعرض له من هجمات مسلحة. وفي لية الجمعة 26 من ربيع الثاني لعام (1363هـ) فقدت قوجان ابنها وعالمها عن عمر ناهز الثامنة والستين عاماً ولكرامة السيد القوجاني ومكانته العالية وحب الناس له تحول مدفنه الى مزار لأهل المدينة والمحبين له.

وللقوجاني مجموعة من المؤلفات لعل أكثرها شهرة وبروزاً كتابه (سياحة في الغرب) بالإضافة الى كتاب شرح دعاء الصباح وكتاب شرح كفاية الأصول للآخوند محمد كاظم الخرساني ولكن كتابه (سياحة في الشرق) جاء كتحفة أدبية وذوقية راقية في مجال الكتابة التاريخية والتوثيقية فهذا الكتاب بالإضافة الى أهميته العلمية والتوثيقية كما أشرنا يعد قطعة نثرية تمتلك من الجاذبية وشد القارئ إليها بصورة كبيرة بلغة سهلة فيها من الإمتاع والعبارات الجميلة ودقة الملاحظة والانسجام الروحي الواضح للسيد القوجاني مع ما كتب ودون كل هذا يعطي الكتاب أهمية أدبية فريدة قد لا يماثلها كتاب آخر من كتب السير والمذكرات المكتوبة بأقلام علماء الدين على وجه الخصوص نظراً لاهتمام هؤلاء العلماء بالنواحي العقلية والمصطلحات دون الاهتمام بالجانب الفني.
وعلى العموم فإن السيد القوجاني في كتابه هذا يقدم مجموعة من الألواح التسجيلية عن تاريخ مدينة النجف الأشرف ومجتمعها ومدارسها وعاداتها وتقاليدها فهو يدخل المدينة مبهوراً بسمعتها ورصانة منهجها العلمي وقدسيتها وتفوق علماءها ومدارسها والقوجاني يقدم وصفاً لعمران المدينة وبناءها غير المتوافق مع مكانتها وسمعتها وينطلق في رحلة ذاتية ـ موضوعية عابراً أزقتها وشوارعها وحياتها بوصف رائع ودقيق لكن المادة الأكثر ثراءً كانت عن الحياة الحوزوية لطلبة المدارس الدينية في النجف وظروفهم المعيشية وعلاقاتهم مع بعضهم البعض في العيش المشترك داخل هذه المدارس المخصصة للغرباء من الطلبة القادمين من المناطق البعيدة وفي هذه الحالة يسترسل القوجاني بعفوية وبروح شفافة في وصف الاختلافات التي تقع بين هؤلاء الطلبة ولاسيما أنهم من جنسيات وأقوام متنوعة قدموا الى المدينة لهدف الدراسة والتعليم والقارئ يسترسل مع القوجاني بمتعة خالصة ليجد إن كل الصعوبات تذلل وتهون المتاعب أمام تلك الإرادات القوية والرغبات الصارمة التي يمتلكها الطلبة بغية الاستمرار في الدراسة والتعلم بلا توقف وبنفس عال واندفاع شديد على الرغم من قلة الزاد وضعف الحالة المعاشية.

والحقيقة إن ما دونه السيد القوجاني عن المدارس في النجف يشكل مصدراً ذا قيمة عن طبيعة هذه المدارس في النجف يشكل مصدراً ذا قيمة عن طبيعة هذه المدارس وأساليب العيش فيها وقبل ذلك لابد من الإشارة في هذا السياق الى الرحلة الطويلة التي كان يقطعها طالب العلوم الدينية للوصول الى النجف الأشرف ومعاناة الطريق بوسائط النقل البطيئة.

والقوجاني سجل وصفاً لرحلته الطويلة من مدينته الى النجف في أجواء من المناكدات والنكات الظريفة والاسترسال العفوي والانشراح حيث يمكن للقارئ أن يجد وبمواقع مختلفة المواقف الساخرة المليئة بروح الدعابة التي تمتع بها القوجاني وهي روح استمرت في كل صفحات الكتاب تقريباً وهذا ما يجعل منه أكثر تشويقاً فهناك الكثير من الصور التي تدعو الى التوقف عندها لما تثيره من مشاعر حنين الى الماضي الخاص بالمدينة المقدسة ومع هذا كله نرى ذلك التهجد والحياة الترويحية التي يعيشها القوجاني في الصلوات والزيارات وقراءة الأدعية والمشاركة في المناسبات الدينية وهناك وصف رائع لأجواء هذه المناسبات واستطراداً من الكاتب في سياحته فهو لا يذكر شاردة أو واردة مر بها إلا وذكرها من التفاصيل والحوارات مع طلبة الحوزة العلمية الى الأمراض والأوبئة التي اجتاحت المدينة والرعب الذي أصاب السكان وهلعهم إذ ازداد عدد المتوفين وفي هذا الباب يقدم القوجاني وصفاً لعدد الأموات وكيفية نصب الخيام في المدينة لغسل الموتى ومع ذلك كله وفي هذه الأجواء يصف القوجاني النجف الأشرف عند دخوله إليها قائلاً: (يا إلهي إن اصفهان على عظمتها وبساتينها ومياهها الجارية أو كربلاء لم تنل أي منهما لدى كبار الشخصيات هذه الشهرة والصيت اللذين لهذه المدينة التي تبدو كالقرية الصغيرة. كيف طبقت شهرتها الآفاق حتى إن كل مجتهدينا يفخرون بأنهم قد ذهبوا إليها ويتحدثون عنها بحلاوة ولا يشبعون من لذة الحديث وحتى حديثهم عن المصائب والجوع هناك وهي أمور ينبغي الحديث عنها بمرارة ينقلونه بسرور وحبور وكأنهم يتناولون الحلوى). بهذه الروعة وحلاوة الكلام ورقة المشاعر يتحدث القوجاني عن النجف مركز الحوزة العلمية ومقر المرجعية الدينية العليا وهو يؤكد إن الدراسة في النجف لها شأنها ورصانتها وخريج النجف يختلف اختلافاً كبيراً عن خريج سواها.

فلمدرسة النجف تقاليدها وأصالتها التي تتفوق فيها عن كل المدارس الأخرى لأنها المدرسة الأم وحسب القوجاني في سياحته فإنه لم يعد قادراً على ترك النجف الى أي مكان آخر فقد عشقها عشقاً عظيماً فلا يكاد يخرج منها الى المناطق المجاورة حتى يعود مشتاقاً وبلهفة عالية فهو قد أحب النجف وأهلها الذين أقام معهم الصداقات والصلات الاجتماعية والحقيقة أن القارئ يتلمس في هذا الكتاب نقلاً صادقاً عن معاناة طلبة الحوزة العلمية في النجف وإصرارهم على الاستمرار والتزود في العلوم والمعارف رغم كل المصاعب وهذا ما أدام قوة هذه المدرسة وأبقى ألقها مرتفعاً شامخاً كامتداد حقيقي لمدرسة آل البيت(عليهم السلام) وهذا من الأسرار التي أعطت المدرسة النجفية هيبتها ومكانتها وجعلها قطباً عالمياً تهوى إليها القلوب وتنجذب الى مقامها الأرواح.
وفي صفحات هذا الكتاب نجد ما يؤكد على هذه الحقيقة ويشير إليها بصدق، وليس هذا فحسب بل هناك تأكيد على زعامتها وتأثيرها حيث ينقل القوجاني الدور الكبير لعلماء الدين في حركة المشروطة (الحركة الدستورية) 1906 والنقاشات التي شهدتها المدينة لينطلق تأثيرها الى الأماكن البعيدة في بلاد فارس والدولة العثمانية وما دونه القوجاني في ما يتعلق بهذا الموضوع له أهميته التاريخية والتوثيقية بوصفه من المعاصرين لهذا الحدث والمنتمين لإحدى الجماعتين إذ كان من أنصار الشيخ محمد كاظم الآخوند الخراساني ومواقفه المؤيدة للحكم الدستوري فالكاتب يوضح أجواء الصراع الدائر بين الفريقين والحجج التي يقدمها كل طرف بالإضافة الى شدة الإيذاء الذي لحق بأنصار الدستور من خصومهم، لكن الحدث الآخر الذي تناوله القوجاني في سياحة في الشرق انتفاضة النجف (1918م) ضد الاحتلال البريطاني فكان تركيزه ينصب أكثر على الحالة الإنسانية التي عاشتها المدينة أثناء فترة الحصار الرهيب المضروب حوله من قبل القوات البريطانية وما أصاب الناس داخل سور النجف من مجاعات وأوضاع قاسية وصعبة وخطيرة بالإضافة الى الرعب والخوف الشديد من القصف المتواصل على المدينة وهناك لمحات تجاوزها من كتب عن هذه الحادثة الكبيرة ونعني هنا العلاقات الإنسانية الاجتماعية السائدة داخل أسوار النجف وهي تواجه الحصار الشديد فقد سادت روح التضامن والتوحد بين سكان المدينة بغية الخلاص من هذا الشر المستطير فقد شح كل شيء الماء والطعام وانتشرت الأمراض وخاصة بين الأطفال وتناخى الجميع في خدمة الجميع وكانت حال الفقراء والأغنياء قد تساوت وشعر الكل بضرورة الصبر ومواجهة الكارثة بالتكاتف والتعاون والحقيقة التي نشير إليها في الموضوع تناول القوجاني لانتفاضة النجف ذلك السرد الجميل والإحساس الكبير بمحنة المدينة فالمؤلف شكل في جزء من كتابه لوحة إنسانية غاية في دقة التصوير ونقل المعاناة والذي كان واحداً من الذين عايشوها وقد كتب ذلك بأسلوب جزل وبمعرفة عميقة وبواقعية بعيداً عن المبالغات والإطارات غير المبررة وكانت صورة النجف أثناء الحصار الذي دام أربعين يوماً مفزعة وخطيرة دونها لنا القوجاني بروعة قلمه وبالإضافة الى ذلك فهناك العديد من الأحداث والقضايا المذكورة في سياحة في الشرق.

وربما تكمن أهمية الكتاب في معالجته لموضوعين أساسيين ومهمين الأول تناوله بإسهاب الأوضاع الاجتماعية وعادات المدينة وتقاليدها مضافة إليها الأوضاع في مدينة كربلاء وقوة النشاط الاقتصادي في النجف، والثاني دراسته وتدوينه للظروف الحياتية لطلبة الحوزة العلمية في النجف وانكبابهم على الدرس والبحث وقوة إرادتهم على الرغم من كل الصعوبات التي يواجهونها، ففي موضوع الأوضاع الاجتماعية يقدم القوجاني استعراضاً أغفل عنه الكثير ممن كتبوا عن مجتمع النجف وفي الثاني هناك براعة في الوصف.
وعلى العموم فإن القارئ وهو يطالع هذا الكتاب يجد نفسه أمام أحداث وعوالم جميلة إذ ينتقل مع الكاتب بانسيابية في أجواء المكان والزمان وتكاد تمتلكه الدهشة من قوة الملاحظة وسير الذكريات الجميلة فكل شيء يظهره الكاتب بعلانية وخاصة فيما يتعلق بحواراته الحادة مع الآخرين والروح المنفتحة المرحة التي تظهر من بين سطور صفحات الكتاب لذا فهو جدير بالقراءة ففيه متعة المطالعة وفائدتها ولاسيما أنه كتب بقلم عالم جليل تناول فيه الأوضاع الاجتماعية في النجف لأنه كتب عن سنوات حياته التي قضى منها عشرون عاماً في الدرس والتحصيل في حوزة هذه المدينة المقدسة وحتماً إن في هذا الكتاب مصادر للدراسة ومعيناً للحصول على المعلومات.

نشرت في العدد 38

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.