Take a fresh look at your lifestyle.

قراءة في كتاب.. تاريخ العرب في الإسلام للدكتور جواد علي

0 233

          ظهرت في بغداد سنة (1961) الطبعة الأولى لكتاب جديد للدكتور جواد علي حمل عنوان (تاريخ العرب في الإسلام ): السيرة النبوية(1) وعلى الرغم من حجمه المتوسط والبالغ (191) صفحة إلا أنه كان يمثل في فكرته ومخططه العام مشروعا موسوعيا هاما عبر عن مراده ومحتواه بالقول: هذا الكتاب في تاريخ العرب في الإسلام جعلته صلة وتكملة لكتابي: تاريخ العرب قبل الإسلام، وهو مثله في أجزاء سيتوقف عددها على الزمان الذي ستقف ضربات قلبي عنده، وعلى البحوث التي سأتطرق إليها(2).
لعل العبارة المتقدمة تكشف عن أن نوايا انجاز تاريخ مفصل للعرب والإسلام كان حاضرا منذ انتهاء مرحلة الدكتوراه، لكن يبدو أن الميل نحو انجاز بعض المقدمات الضرورية كانت عاملاً في تأجيل الشروع الكامل(3)، فكان بحث الموارد مقدمة لاستيعاب القنوات المشكلة للرواية التاريخية العربية، غير أن المقدمة الأهم والأكثر تفصيلاً ظهرت في دراسة تاريخ العرب قبل الإسلام(4)،

وتطور هذا بمشروع في مرحلة لاحقة حمل عنوان (المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) بعشرة أجزاء(5)، وهذا يلمح إلى أن الاستيعاب للتاريخ الإسلامي وتركيبته المعقدة، لا تتم دون معرفة الأصل التاريخي للظواهر الأولى قبل تشكلها، فالمقارنة بين السابق واللاحق للإسلام هي التي تظهر منحنيات التاريخ الإسلامي ومتغيراته الجديدة في النسيج العربي، وكأنما بذلك حركة مشروعة تأخذ طابعاً هيكلياً متسلسلاً مثلت حقبة العرب قبل الإسلام أحد سلاسله الرئيسة، إذ استغرق فيه طويلاً من أجل فحص عناصره الدقيقة ثم الانتقال المباشر للخوض في التاريخ الإسلامي (لذا سأدخل في موضوع عصر النبوة رأسا، دون مقدمة ولا تمهيد…)(6) أو ما جاء في موضوع آخر من الكتاب (إن هذا الكتاب بأجزائه هو استمرار وصلة لأجزاء كتابي تاريخ العرب قبل الإسلام، واني لذلك اكتفيت بما ذكرت فيه عن إعادته في هذا الكتاب، فمن أراد التوسع والتبسط، فعليه الرجوع إلى هذا الكتاب…)(7).
هذه العبارات ومثيلاتها تحيل من دون شك إلى أن المشروعين مترابطين متصلين من حيث فكرتهما الأولى، وان أحدهما يمثل القاعدة للآخر، فمن دون إتمام أحد الأطراف، قد لا يستقيم العمل ويأخذ جديته المرجوة منه.

لكن الذي يؤسف له كثيراً انه لم يصل إلينا غير الجزء الأول أو بالأحرى المقدمة لذلك المشروع الكبير، وبذلك تثار احتمالات متعددة في عدم انجازه أو إتمامه، أو انه قد أنجز وظل مخطوطاً غير الجزء الأول أو بالأحرى المقدمة لذلك المشروع الكبير،أو انه قد أنجز وظل مخطوطا حبيس الورثة، ورفوف المكتبات الخاصة، وربما يكون قد تعرض للضياع ومن يدري لعله يأتي اليوم الذي يخرج فيه هذا العمل كاملاً مطبوعاً، يضيف في طريقته وتناوله أسلوب آخر في دراسة التاريخ الإسلامي!

وعلى الرغم من عدم توافر غير المقدمة التفصيلية لكتاب المفصل في تاريخ العرب في الإسلام، إن صح توصيف بهذا العنوان فإنها تبقى في غاية الأهمية لإفصاحها عن المطالب المراد تدوينها والطريقة المفترض اقتفائها، فجاء الكتاب على قسمين رئيسيين: الأول عرض للمنهج والأساليب القويمة الواجب على المؤرخ تطبيقها في دراسة التاريخ الإسلامي فيما عالج الثاني بعض المطالب المختصة بالسيرة النبوية وتفاصيلها(8).
وفي الإمكان تشخيص ثلاث مستويات رئيسة للكتاب اختص بها في دراسته للتاريخ الإسلامي، فالمستوى الأول خاص بالمنهج والطريقة التي فضلها جواد علي وفسر على ضوئها نصوص التاريخ الإسلامي، أما المستوى الثاني فسعى إلى معرفة المحتوى أو الوعاء العام الجامع لهذا الكتاب ومحاوره، فيما اختص المستوى الثالث لكشف عن الرؤية أو النظرية التي بلورها عبر عمليات التناول تلك.
فعلى مستوى المنهج حوى الكتاب في شطره الأكبر جنبه منهجية تعليمية، حاول فيها استيضاح المنهج الأمثل الواجب إتباعه في دراسة التاريخ الإسلامي، وربما عنوان الفصل الأول يركز كثيراً على تلك الفكرة ويجعلها من عناصر الدراسة الرئيسة فقد عنونه بالعبارة الآتية (خطورة تاريخ الإسلام وكيفية تدوينه)(9)،

تنطوي هذه المقولة في تفصيلاتها والمعنى المرتجى منها على الإمكانية التي من الواجب توفرها في (المؤرخ) والباحث في التاريخ الإسلامي، وتكمن الأولوية في هذا المحور بحسب رؤية جواد علي في القدرة التي يمتلكها ممتهن هذا الصنف من الكتابة في التميز أو الفصل بين (الأصول والفروع) أو بين السابق واللاحق أو بين الجوهر والقشر، فالإشكالية الأولى التي تواجه باحث التاريخ الإسلامي تتمثل بالصور المموهة وغير المعبرة بدقة عن واقعها التاريخي المنبلجة منه، فالتحوير أو التمويه الذي تعرضت له تلك الأصول بفعل فاعل كانت مجمل البناءات اللاحقة مستندة عليه لكنها واقعة بفخ تلك المغالطة ويستشهد من أجل البرهنة على ذلك بمجموعة من الأمثلة الحية الشاخصة في التاريخ الإسلامي إلى أن يقر عبرها إلى النتيجة المنهجية القائلة (بأن دراسة تاريخ الإسلام دراسة تحليلية تستند إلى النقد والتبصر وعمل الفكر والروية، توصلنا ولا جرم إلى نتائج قيمة مثمرة، تكفل لنا التفريق بين الأصول والفروع وبين الإسلام الصرف وما لحق به من لواحق على مر الأيام)(10).

ولتحقيق ذلك المبدأ يؤسس له مقدمة مصدرية، يثبت فيها جملة معطيات ويعيد التعاطي مع بعض المقولات المتداولة، فيدحض فكرة فقر التدوين التاريخي في العصور الإسلامية المبكرة، وشروعه في العصر العباسي حصرياً، بل انه يوسع مديات مصادر دراسة التاريخ الإسلامي إلى توظيف المصادر الأجنبية (الكلاسيكية، السريانية، الأرمنية) ويجعل منها مقابل أو موازي، يهيئ الظروف الموضوعية للمقارنة والمقاربة(11).

ولا يتواني جواد علي في الإفصاح بصراحة عن تبيان نوع المنهج المتبع في دراسته للتاريخ الإسلامي والذي يبدو انه امتداد واستمرارية لمنهجه في تاريخ العرب قبل الإسلام (وبعد فإن طريقتي في هذا الكتاب هي طريقتي نفسها التي أتبعتها في تاريخ العرب قبل الإسلام: رسم الماضي كما رسخ في ذهني، واستقر في فهمي… من غير زيادة عليه أو نقصان عليه وتجنب شديد من إبداء الآراء الشخصية، وعرضه من غير تحزب أو تعصب، أو إبداء رأي وحكم تاركاً أمر الأحكام إلى القراء، يكونون آراءهم كما يريدون ويشتهون وعلى النحو الذي توصل إليه اجتهادهم من قراءتهم للموضوع)(12).

ربما تحشر هذه الطريقة جواد علي وتضمه إلى أصحاب المدرسة الفولولوجية التي تعنى أساسا في تحقيق المادة التاريخية واستحضارها وتركيبها في صورة متوائمة تحشد جل المعلومات المرتبطة بالحدث التاريخي، فالهم الرئيس ينزوي نحو الاستيعاب المعلوماتي وتقديم مادة تاريخية مغربلة شبه متكاملة عن الماضي وحوادثه دون الإلحاح كثيراً في التعامل مع النص وطبقاته أو محاولة تأويله أو تفسيره.
ويبقى المستوى المعني بالمحتوى العام لدراسة تاريخ العرب في الإسلام مشوب بالنقص، وعدم الاكتمال مما يلقي ذلك بضلاله على معرفة الوعاء الحقيقي له، إلا انه وقياسا على المقارنة التي أقامها جواد علي مع كتابه المنجز (المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) في انه سيكون مناظرا له من حيث الحجم والطريقة والمطالب، فانه يمكن التخمين ان أجزاءه ستكون منظمة على الموضوعات الرئيسة مثل (التاريخ السياسي، التاريخ الاجتماعي، التاريخ الديني، التاريخ الاقتصادي، التاريخ الأدبي والفكري) فضلاً عن المقدمة المصدرية والسيرة النبوية الواصلة إلينا والتي يظهر أنها لم تكتمل بعد، إذ ختمها بـالسؤال الآتي: (كيف أبلغ الرسول قومه رسالة الله إليه، فهذا ما ستراه الفصول التالية من هذا الكتاب)(13).

والرؤية الجوهرية التي يضمرها المستوى الثالث والتي تتوارى في الكتاب وتظهر للسطح أحياناً، كامنة في السمة الإحيائية للواقع الإسلامي المعاصر ومشاكله المتعاقبة والمتراكمة في الآن نفسه، فتمثل من وجهة نظر جواد علي دراسة التاريخ والوقوف على علله الرئيسة المؤدية للازدهار والنكوص، فمن الوظائف التي يحرص الكتاب على إيصالها هو الربط بين الواقع المعاش ومشاكله وبين الماضي وأسباب تشكله، فهذه الوظيفة التاريخية ظلت مؤرقة للكاتب بما يمور به عصره، من مشاكل واقعية، فبحسب رؤيته ان التجارب والمخاضات الإسلامية في القرن السابع الميلادي وما أعقبه لها صلة ورابطة قوية بالمعضلات الإسلامية المعاصرة، فبعد أن يشخص أن العالم الإسلامي يعمه (اليوم جمود وركود في العقل،وفي الجسم، والسواد الأعظم في جهالة عمياء وفي ظلام دامس، تعصب بغيض يشبه تعصب قريش في أيام الرسول)(14)، وبعد هذا التشخيص للواقع المعاصر يرى ان الوصفة العلاجية تقتضي (الرجوع إلى أسبابها وعواملها البعيدة، ومعنى هذا الرجوع إلى الماضي للاستفادة منها في مداواتها ومعرفة الأسباب التي أدت إلى بقائها حية فاعلة حتى الآن)(15).
ويبدو أن هذه الرؤية حكمت كثيرا المطالب المنتخبة للمعالجة فكما هو معروف أن التاريخ الإسلامي، والسيرة النبوية على وجه التحديد متشعبة ومتفرعة، فمجمل الموضوعات الخاضعة،كانت في إطارها العام محكومة بهذا الاعتبار .

نشرت في العدد المزدوج 35-36


(1) طبع في مكتبة الزعيم المندثرة حالية، ثم أعيد طبعه لأكثر من خمس مرات.
(2) علي، جواد، تاريخ العرب في الإسلام، السيرة النبوية، (بغداد: مطبعة الزعيم، 1961)، ص 108.
(3) نشر جواد علي بحثين حول الموارد الأول: حمل عنوان (موارد تاريخ الطبري) في الأعداد الآتية من مجلة المجمع العلمي العراقي (1950)، ص143ـ 231، 2(1951) ص135ـ 190، 3(1954) ص16ـ56، 8(1961) ص425ـ436، والثاني بعنوان: (موارد المسعودي) في مجلة سومر.
(4) نشر كتاب تاريخ العرب قبل الإسلام بثمانية أجزاء متتالية منذ العام 1950 في المجمع العلمي العراقي.
(5) كانت الطبعة الأولى له في دار العلم للملايين في عام 1971 في بيروت.
(6) على، تاريخ العرب في الإسلام ص6.
(7) المصدر نفسه، ص108.
(8) المصدر نفسه،ص5ـ180.
(9) ، (10) ، (11) المصدر نفسه، ص 6، 123، 26.
(12) ، (13) المصدر نفسه، ص43، 175.
(14) ، (15) المصدر نفسه، ص7، 78.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.