Take a fresh look at your lifestyle.

باخمرىٰ.. أرض الواقعة

0 816

     

 

        كثيراً ما تحدثت الكتب عن أرض العراق، أرض الحضارات التي شهدت بزوغ أول حضارة عرفتها البشرية حيث عصر الإنسان الأول، وقد تعاضدت أسباب عدة جعلت من هذه الأرض ذات قداسة، منها بل أهمها اختيارها مهداً لرسالات الأنبياء السماوية، ومقراً لثورات الأباة الذين رفضوا الظلم واختاروا الموت تحت ظلال السيوف، ويكفي هذه الأرض أنها ستشهد ميلاد دولة المصلح الأعظم الحجة بن الحسن (عجل الله فرجه الشريف) بما يحمل هذا الميلاد من صراعات وحروب فعدل مطلق وصيانة للحقوق حتى تكون عاصمة للمهدي(عليه السلام).

 

       وهكذا ظلت هذه الأرض حلبة تشهد اندحار قوم وانتصار آخرين، بكلا البعدين المادي والمعنوي، وكان على التاريخ أن يغوص ويصور المشاهد من خضم الزمن الماضي ويبعثها إلى شاطئ الحاضر حتى تتبلور وتظهر حقيقة واضحة تبين الصور الثورية المتتالية التي تحكمت في تكرارها ظروف ومعطيات خاصة.

 

          ومن الصور التي بثها التاريخ في كتبه وعلى صفحاته صورة باخمرى التي تعاضد على تشكيلها لونان حملا من رمزية الحدث ما غطى الصورة بكاملها حيث الأحمر، دلالة دموية الواقعة والأسود شعار القوة الضاربة، فحملنا هذه الصورة وانتقلنا من النجف إلى أرض باخمرى نلتقط بعدستنا صورة حية من باخمرى اليوم ومدى ارتباطها بباخمرى أمس، وكان الأثر الباقي من ذلك الحدث مزاراً متواضعاً لشخصية باخمرى الرئيسية (إبراهيم أحمر العينين)، أو كما يطيب للأعراب أن يطلقوا عليه هناك (النبي إبراهيم)، ابن عبد الله المحض بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب).

        من هناك سجلنا استطلاع مجلتنا (ينابيع) لنبين فيه حلقة من حلقات الإرهاب العباسي تجاه العلويين لننهي فيه ما بدأناه في استطلاعين سابقين أحدهما كان عن مرقد السيد إبراهيم الغمر في العدد (4) والآخر عن الهاشمية في العدد (18).

 

           بطل باخمرى أو القيادي الأول

 

             هو إبراهيم بن عبد الله المحض بن الحسن المثنى بن الإمام الحسن
السبط(عليه السلام)، لم يحدثنا التاريخ عن ولادته إلا أن ابن عنبه يذكر في تاريخ مقتله (وكان قتل إبراهيم على ما قال أبو نصر النجاري ـ لخمس بقين من ذي القعدة سنة خمس وأربعين ومائة وهو ابن ثمان وأربعين سنة…)(1)

وإن أخذنا بهذا القول فتكون ولادته سنة (97هـ)، أما أمه فهي هند بنت أبي عبيدة بن عبد الله بن ربيعة (زمعة) بن الأسود بن المطلب وهي أم أخوته محمد ذي النفس الزكية وموسى الجون(2).

        عاش إبراهيم في كنف والده عبد الله المحض الذي انحدر من الحسن المثنى بن الإمام الحسن السبط(عليه السلام) أباً، وفاطمة بنت الحسين(عليه السلام) أماً، وقد شهد إبراهيم العهد الأخير من الدولة الأموية التي عملت بكل طاقاتها على تبديد الشمل العلوي وإهراق دم أبنائه، والشواهد نصب عيني إبراهيم، فيحيى بن زيد بن علي بن الحسين(عليه السلام) لم تقله أرض، كلما ابتعد عن الأمويين اقتربوا إليه، وقد كان إبراهيم وأخوه محمد أوصياءً ليحيى، فقد ذكر من التقى بيحيى وأودع إياه الصحيفة السجادية قوله يحيى له: (فهي ـ أي الصحيفة ـ أمانة لي عندك حتى توصلها إلى ابني عمي محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي(عليه السلام)، فإنهما القائمان في هذا الأمر من بعدي)(3).

ومن هذا النص نستدل على أن الروح الثورية الوثابة التي يحملها إبراهيم وأخوه محمد لم تكن وليدة استئثار بني العباس بالحكم واللعب بمقدرات الأمة، بل كانت موجودة حتى في عصر الأمويين.

 

 

انحصر عقب إبراهيم في ولده الحسن

الذي كان وجيهاً مقدماً، أما زوجة إبراهيم فهي أمامة بنت عصمة العامرية من بني جعفر بن كلاب(4).
            وقد عده جملة من الرجاليين في أصحاب الإمام الصادق(5).

أما عن مزاياه وصفاته

       فقد ذكر أبو الفرج الأصفهاني: (كان إبراهيم جارياً على شاكلة أخيه محمد في الدين والعلم والشجاعة والشدة)(6)، وكان ناسكاً فقد: (طاف ذات ليلة بين رجاله في معسكرهم بباخمرا فسمع صوت موسيقى وغناء، فعراه الهم والغم وقال: لست أحب أن ينال الظفر جيش هذا شأنه)(7)، وكان إبراهيم شاعراً متضلعاً باللغة العربية وأسرارها عارفاً بأخبار العرب وأشعارهم(8)، كما يروي عن نفسه الكريمة من حدث قائلاً (كنت مع إبراهيم بن عبد الله بالبصرة، فأتاه أناس بمال، فقالوا: يا ابن رسول الله، قد أتيناك بمال تستعين به، فقال: من كان عنده شيء فليعن به أخاه، وأما أن آخذه فلا، ثم قال: هل هي إلا سيرة علي بن ابي طالب أو النار)(9).

 

حركة إبراهيم

         لما أفل نجم الدولة الأموية كان الهاشميون قد تهيأوا لأخذ زمام الحكم بأيديهم فقد كانت لقاءاتهم السرية تتم لوضع استراتيجية جديدة لمرحلة ما بعد مروان الحمار آخر خلفاء الدولة الأموية، وكان أبرز لقاء تم هو (مؤتمر الأبواء) الذي حضره بعض الهاشميين ممن له حنكة وحكمة والذي قد وقع فيه الاختيار على محمد ذي النفس الزكية بن عبد الله المحض، لما له من صفات حميدة وأخلاق فاضلة فبايعه المؤتمرون، وكان أبو جعفر المنصور ممن بايع وارتضى محمداً،

وبعد مقتل مروان ظهرت الدعوة إلى ولد العباس دون محمد ممثل العلويين وباختلاف الآراء وتسارع الأحداث وتغير وجهات النظر بويع لأبي العباس السفاح شقيق المنصور الأكبر خليفة للمسلمين، ثم ما لبث السفاح سوى بضع سنين فرحل عن الدنيا تاركاً في سدة الحكم أخاه أبا جعفر المنصور.

(… فلما ملك المنصور وعلم أن ـ محمد وإبراهيم ـ قد عزما على الخروج جد في طلبهما وقبض على أبيهما وجماعة من أهلهما…)(10).
وخلال وجود الحسنيين في سجن أبي جعفر المنصور بالهاشمية نهض محمد ذو النفس الزكية بمكة وإبراهيم بالبصرة، وقد استشهدا وأهلهما بعد في سجن الهاشمية.

 

إبراهيم بين خيارين الهرب أو القتل

        لقد طورد إبراهيم وطلب أشد الطلب وقد (حكت جارية له أنه لم تقرّهم أرض خمس سنين مرة بفارس، ومرة بكرمان، ومرة بالجبل، ومرة بالحجاز، ومرة باليمن، ومرة بالشام، ثم أنه قدم الموصل وقدمها المنصور في طلبه)(11)، وهذا النص يكشف عن مدى خوف أبي جعفر من إبراهيم الذي كان يتمتع بنفس أبيه وقابلية عظيمة على الإقناع والمحاججة، وفي نص آخر نجد: (لما أخذ أبو جعفر عبد الله بن الحسن، أشفق محمد وإبراهيم من ذلك فخرجا حتى قدما إلى عدن، فخافا بها، وركبا البحر، حتى صارا إلى السند فسعى بهما إلى عمر بن حفص، فخرجا حتى قدما الكوفة وبها أبو جعفر…)(12).

 

نزول إبراهيم البصرة

        يذكر الطبري: (…كان مقدم إبراهيم البصرة في أول سنة (143هـ) منصرف الناس من الحج وقد أقام بها مختفياً يدعو أهلها في السر إلى بيعة أخيه محمد…)(13)، بمعنى أن إبراهيم كان متنقلاً في البلاد فبالرغم من شدة الظروف وقساوتها إلا أنه لم يعبأ بها.

وكان آخر نزول في البصرة على ما رواه الطبري قائلاً: (لما ظهر محمد بن عبد الله وغلب على المدينة ومكة وسلم عليه بالخلافة وجه أخاه إبراهيم بن عبد الله إلى البصرة فدخلها في الأول من رمضان سنة (145هـ) فغلب عليها وبيّض بها، وبيّض بها أهل البصرة معه.

      وخرج معه يحيى بن يونس ومعاذ بن معاذ العوام وإسحاق بن يوسف الأزرق ومعاوية بن هشام وجماعة كثيرة من الفقهاء وأهل العلم فلم يزل بالبصرة شهر رمضان وشوالاً فلما بلغه قتل أخيه محمد تأهب واستعد وخرج يريد أبا جعفر بالكوفة)(14).

      وقد وقع اختيار محمد وإبراهيم على البصرة وذلك لأهميتها فهي الأقرب إلى واسط والأهواز وبلاد فارس حيث أتباع العلويين أضف لذلك دعم الفقهاء اللامحدود لإبراهيم فيها باعتبارها أحد المصرين في العراق ومركز مهم استقطب الكثير من التيارات والحركات، وقد أفتى أبو حنيفة النعمان بن ثابت بالخروج مع إبراهيم ووجه إليه رسالة مضمونها (أما بعد فإني قد جهزت إليك أربعة آلاف درهم ولم يكن عندي غيرها، ولولا أمانات الناس عندي للحقت بك، فإذا لقيت القوم وظفرت بهم فافعل كما فعل أبوك في أهل صفين، اقتل مدبرهم وأجهز على جريحهم ولا تفعل كما فعل أبوك في أهل الجمل فإن القوم لهم فئة)(15).

        وهذا إن دل على شيء إنما يدل على التأييد الكبير الذي حظى به إبراهيم من قبل كبار العلماء بالرغم من تزلفهم للعباسيين إيماناً منهم بمشروعية وأحقية إبراهيم بالخلافة أو رغبة في التقرب إليه وذلك لاستقرائهم النصر الذي سيكون حليفاً لحركة إبراهيم.
عموماً فقد بين إبراهيم هدفه من الحركة على منبر البصرة في يوم العيد قائلاً: (اللهم قد ترى مخرجنا وإننا لم نخرج أشراً أو بطراً ولا رغبة في الدنيا حرصاً عليها ولا ابتغينا ملكاً إلا لنرد على هذه الأمة إلفتها ونردها إلى معالم دينها ولتعلم سنة نبيها)(16).
هذا وقد غلب إبراهيم على فارس والأهواز وواسط وفتحها وكان حينها أبو جعفر نازلاً بالكوفة تتوارد إلى مسامعه أخبار إبراهيم وهو يعزز انتصاراته ويسير عماله إلى تلك النواحي.

 

 

الطريق إلى باخمرى

        (… لم يزل إبراهيم بالبصرة يفرق العمال والجيوش، حتى أتاه نعي أخيه محمد قبل عيد الفطر بثلاثة أيام فخرج بالناس يوم العيد، وفيه الانكسار فصلى بهم)(17)، ثم تمثل ناعياً إليهم أخيه قائلاً:

          يا أبا المنازل يا خير الفوارس من                          
                                يفجع بمثلك في الدنيا فقد فجعا
               الله يعلم أني لو خشيتهم                                           
                          وأوجس القلب من خوف لهم فزعا
          لم يقتلوه ولم أسلم أخي لهم                                          
                             حتى نموت جميعاً أو نعيش معا

 

      ثم بكى وقال: (اللهم إنك تعلم أن محمداً إنما خرج غضباً لك، ونفياً لهذا المسودة ـ يعني بني العباس ـ وإيثاراً لحقك فارحمه واغفر له، واجعل الآخرة خير مرد له ومقلب من الدنيا… ثم انفجر باكياً منتحباً وبكى الناس…)(18)، فازدادوا في قتال المنصور بصيرة، وأصبح من الغد، فعسكر واستخلف على البصرة وخلف ابنه حسناً معه.

        وكان رأي البصريين أن يقيم في ظهرانيهم ويرسل الجنود إلى الكوفة فإذا انهزم جند يمدهم بغيرهم وكان رأيهم الأصوب، إلا أن إبراهيم استحسن رأي الكوفيين ممن كان معه في البصرة حيث قالوا: (… إن بالكوفة أقواماً لو رأوك ماتوا دونك، وإن لم يروك قعدت بهم أسباب شتى)(19)، فسار عن البصرة قاصداً الكوفة، وعسكر بالماجور يريد قصر أبي جعفر بالكوفة وقتاله(20).

        فزع أبو جعفر من هذه الأخبار وجعل يلملم جيوشه من هنا وهناك فقد باغته إبراهيم بانتصاراته وتحركه السريع نحو الكوفة فوجه إليه الجيوش وكان أهمها جيش بقيادة عيسى بن موسى بن علي بن عبد الله بن عباس، وقوامه خمسة عشر ألفاً وقد رجع ظافراً من المدينة بعد قتله محمداً ذا النفس الزكية بأحجار الزيت.

      قاد إبراهيم جيشه من نصر إلى نصر، هذا وأبو جعفر يترقب بالكوفة الأخبار (وتوالت على المنصور الفتوق من البصرة والأهواز وفارس وواسط والمدائن والسواد والى جانبه أهل الكوفة في مائة ألف مقاتل ينتظرون به الصيحة)(21)، وما أن التقى الجيشان في باخمرا حتى (هزم عيسى وأصحابه هزيمة قبيحة حتى دخل أوائلهم الكوفة وأمر أبو جعفر بإعداد الإبل والدواب على جميع أبواب الكوفة ليهرب عليها)(22).

      وهكذا ثبت إبراهيم وجيشه يقاتل حتى جاء إسناد من قبل المنصور جيشاً بقيادة جعفر ومحمد ابني سليمان والتحم الجيش القادم مع القواعد الخلفية لجيش إبراهيم فظن المتقدمون أن جيش المنصور يطاردهم فتشتتوا ووقعت الهزيمة وفي أثناء ذلك الموقف الصعب، ينقل أبو فرج عمن شهد مقتل إبراهيم قوله: (إني لأنظر إليه واقفاً على دابة محمد بن يزيد ينظر إلى أصحاب عيسى وقد ولوا ومنحوه أكتافهم، ونكص عيسى برايته القهقرى، وأصحابه يقتلونهم وعلى إبراهيم قباء زرد، فآذاه الحر، فحل أزرار القباء فشال الزرد حتى سال على يديه، وحسر على لبته، فأتته نشابة عاثرة فأصابت لبته، فرأيته اعتنق فرسه وكر راجعاً)(23).

     أما ابن عنبة فيبين سبب ارتداد النصر إلى هزيمة قائلاً: (فيحكى أن إبراهيم نادى: لا يتبعن أحد منهزماً، فعاد أصحابه فظن أصحاب موسى أنهم انهزموا فكروا عليهم، فقتلوه وقتلوا أصحابه إلا قليلاً، وقيل بل انهزم بعض عسكر عيسى على مسناة ملتوية، فلما صاروا في عكسها، ظن أصحاب موسى أنه كمين قد خرج عليهم، ورفع إبراهيم البرقع عن وجهه فجاءه سهم غائر فوقع على جبهته، فقال: الحمد لله أردنا أمراً وأراد الله غيره أنزلوني)(24).

     في حين ينقل ابن الأثير: (وجاء إبراهيم سهم غائر فوقع في حلقه فنحره فتنحى عن موقفه وقال أنزلوني، فأنزلوه عن مركبه وهو يقول (وكان أمر الله قدراً مقدورا)، واجتمع عليه أصحابه يحمونه، فقال حميد بن قحطبة أحد قواد العباسيين: (شدوا على تلك الجماعة حتى تزيلوهم عن موضعهم وتعلموا ما اجتمعوا عليه)، فشدوا عليهم وقاتلوهم حتى أفرجوهم عن إبراهيم ووصلوا إليه وحزوا رأسه فأتوا به عيسى العباسي فأراه ابن أبي الكرام الجعفري، فقال نعم هذا رأسه فنزل إلى الأرض وسجد وبعث برأسه إلى المنصور وكان قتله يوم الاثنين لخمس ليال بقين من ذي القعدة سنة 145هـ، … ومكث منذ خرج إلى أن قتل ثلاثة أشهر إلا خمسة أيام…)(25).

     وقد ذكر الشيخ ماجد الزبيدي عن إخبار أمير المؤمنين(عليه السلام) المغيبات قوله في إبراهيم: (بباخمرا يقتل بعد أن يظهر، ويُقهر بعد أن يَقهر) ويقول(عليه السلام): (يأتيه سهم غرب يكون فيه منيته، فيا بؤس الرامي شلّت يده ووهن عضده)(26).

 

        مصير رأس إبراهيم

 

         كان مقتل إبراهيم يوم الاثنين عند ارتفاع النهار لخمس بقين من ذي القعدة، وأتى أبا جعفر المنصور برأسه ليلة الثلاثاء فلما أصبح يوم الثلاثاء أمر برأس إبراهيم فنصب بالسوق، ثم وضع بين يديه فلما رآه بكى حتى خرجت دموعه على خد إبراهيم ثم قال: (أما والله إني كنت لهذا كارهاً ولكنك ابتليت بي، وابتليت بك)(27)، وهنا تذكر الروايات نهايتان إحداهما تقول: (وأتى برأس إبراهيم ابن عبد الله فوجه المنصور مع الربيع إلى آل الحسن المحبوسين في الهاشمية، فوضع الرأس بين يديهم، وعبد الله ـ والد إبراهيم ـ يصلي، فقال له إدريس ـ أخو إبراهيم ـ أسرع في صلاتك يا أبا محمد فالتفت إليه وأخذ الرأس فوضعه في حجره وقال له أهلاً وسهلاً يا أبا قاسم والله لقد كنت ـ ما علمتك ـ من الذين قال الله عز وجل فيهم: (الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَلاَ يِنقُضُونَ الْمِيثَاقَ وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ…) وأخرى تقول: (… وشخص ابن أبي الكرام برأسه إلى مصر)(28).

 

 

باخمرى أرض الواقعة

       لقد ذكرت باخمرى في كتب التاريخ والبلدان بسبب واقعتها الشهيرة فمتى ذكر إبراهيم بن عبد الله ذكرت معه باخمرى، وحسب الظاهر فباخمرى قرية صغيرة لم يذكر لها اسم إلا بسبب ما قلناه واليوم يذكر لباخمرى إحداهما بين مدينتي الحمزة والرميثة، وإلى الرميثة أقرب، والآخر بالقرب من مدينة القاسم، كما يوجد في كلا الموقعين قبر لإبراهيم بن عبد الله وعلينا أن ندقق في الأقوال لكي نثبت صحة إحداهما وننفي الآخر إن استطعنا ذلك.

 

         باخمرى في الشعر والمعاجم

 

      أول من أشار إلى باخمرى هو دعبل بن علي الخزاعي بقوله:

 

             قبور بأرض الجوزجان محلها
                                      وأخرى بباخمرى لدى الغربات

 

        كما أشار إليها الشاعر غالب بن عثمان الهمذاني في قصيدتين رثى بهما إبراهيم نذكر منهما ما ينفعنا كشاهد(29):

 

                   وقتيل باخمرى الذي               نادى فأسمع كل شــــاهد
                     

                    قاد الجنود إلى الجنو               د تزحف الأسد الحوارد
                 

                    بالمرهفـات وبالقنـا                 والمبرقــات الرواعـــد     
                   

                    بالسيف يفري مصلتاً              هامـــاتهم بأشـــــد ساعد    
             

                    فـــأتيح سهم قـــــاصد             لفؤاده بيمــين جـــــــاحد

         

وفي قصيدته الأخرى يقول:

 

                 كيف بعد المهدي أو بعد إبرا                                              
                          هيم نومي على الفراش الوثير
               وهم الذائدون عن حرم الأسـ                                              
                              ـلام والجابرون العظم الكسير
          ليتــــــني قبل وقعه بـــــــــــــاخمـ                                         
                          ـرى توفيت عدتي من شهــوري

 

         في حين ذكر الشيخ الأميني في الغدير شعراً لأبي القاسم التنوخي(30):

 

                 أما حمل المنصـــــــــور في أرض يثرب                                                
                                             بدور الهدى تجلو ظلام الغياهب
                       وفي أرض باخمرى مصابيح قد ثوت                                                      
                                            متربة الهامـــــــات حمر الترائب

               ثانياً: في الكتب والمعاجم:

 

       1ـ أول من أشار إلى باخمرى سليمان بن الأشعث حيث نقلوا عنه في باب التعريف بباخمرى قوله (باخمرى، بدر الصغرى، وقعة إبراهيم، وهي بإزاء نهر أبان داخل في الصحراء)(31).

 

     2ـ وباخمرى على بعد يومين من الكوفة(32).

 

   3ـ باخمرى موضع بين الكوفة وواسط وهو إلى الكوفة أقرب، قالوا بين باخمرى والكوفة سبعة عشر فرسخاً، بها كانت الوقعة بين أصحاب أبي جعفر المنصور وإبراهيم بن عبد الله…، فقتل إبراهيم هناك، فقبره به إلى الآن(33).

 

  باخمرى، قرية على جانب الفرات مشهورة الآن بقرية (أبو قوارير) وسكنتها مكارية، أي أكثر أهلها كذلك وهي على مسير من النجف مرحلتين تقريباً من ثمانية عشر فرسخاً وقريب من تلك القرية قبر ظاهر عليه قبة بيضاء وفيه صندوق، ويدفنون أهل تلك القرية عنده موتاهم وكذا يدفن فيه من كان قريباً منهم والمشهور عندهم أنه قبر إبراهيم الخليل، وينذرون له النذور ويقصدوه.. وآثار القبر قديمة، وإني تشرفت به وحوله مقبرة عظيمة، وبعض الأخبار نطقت أن قبر إبراهيم على مرحلتين من النجف وبعضها تقول على مسير ستة عشر فرسخاً عن النجف وكلها تنطبق عليه وإن كان مرحلتين أو ستة عشر فرسخاً فذاك القبر كذلك… وفي قرب الحلة السيفية أيضاً قبر مشهور عند أهل العراق بقبر أحمر العينين وذلك المكان يقال له الهاشمية، وفي شرح القصيدة أيضاً والمجمع وغيرها أن إبراهيم قتل بباخمرى، وباخمرى قرية من أعمال كربلاء فيها قبر إبراهيم أحمر العينين)(34).

 

   5ـ باخمرى، كسكرى قرية بالبادية، قرب الكوفة بها قبر الإمام الشهيد أبي الحسن إبراهيم بن عبد الله المحض بن الحسن المثنى بن الحسن بن علي بن أبي طالب(عليه السلام))(35).

 

  6ـ أبو الحسن إبراهيم… قتل بباخمرى من أرض البصرة، وباخمرى موضع بناحية الكوفة، قلت: ويظهر من هذين الحدّين أن باخمرى واقعة بين حدود البصرة والكوفة، ولذا تارة تلحق بالكوفة وأخرى بالبصرة)(36).

 

   7ـ مرقد بباخمرى وتعرف اليوم بلسان الأعراب هناك أبو جوارير ـ جمع قارورة ـ موضع فيه زجاج مكسور سحيق تربته، ويظن أنه كان ههنا يصنع الزجاج، وهي قرية من أرض قبائل الحسكة في (قبيلة بني عارض) اليوم مما يلي الفرات، ويعرف قبره هناك بقبر النبي إبراهيم، ويقع بين مدينة (الحمزة) ومدينة (الرميثة) وهو إلى الرميثة أقرب(37).

 

  8ـ ويعرف قبر لإبراهيم أحمر العينين في الهاشمية بجنب تل الميل على نهر الجربوعية العتيقة قرب القنطرة الجديدة على الجربوعية يبعد ثلاث أميال عن مرقد القاسم بن موسى بن جعفر(عليه السلام) وعلى قبره قبة متوسطة الحجم جنب آثار الهاشمية، قلت وما قيل أو يظن أن إبراهيم أقبر جسده الطاهر هاهنا فهو غير صحيح حيث أنه قتل في المعركة بباخمرى، والمعركة وقعت بين البصرة والكوفة قرب الفرات، والهاشمية عاصمة المنصور وملكه فلم يقرب منها القتال أصلاً)(38).

 

ليس لباخمرى أثر اليوم (تبعد عن الغري ستة عشر فرسخاً من جانب الشرقي إلى الفرات وهو القبر المشهور في مدينة أرض حسكة الكوفة ظاهر مزور بقرب مدينة الرميثة اليوم)(39).

 

من النصوص الشعرية كان يمكن أن يخدمنا نص دعبل لو تم تعيين كلمة (الغربات) فلو كان دعبل قد أطلقها على مدينة لبينها من شرح قصديته وغاية الشرح تشير إلى أن كلمة غربات بمعنى جمع الغرب وهو شجر يكثر في البوادي والأرياف.

 

      أما النصوص التاريخية

 

        التي عينت قبر إبراهيم فقد أجمع أكثرها ان باخمرى على الموقع القريب من مدينة الرميثة، وفي النص الأول نجد أن سليمان أطلق عليها اسم بدر الصغرى ولا ندري لماذا أطلق هذا الاسم على هذه الواقعة؟ وهل يوجد تشابه بين واقعة بدر الصغرى التي حدثت أيام النبي محمد(صلى الله عليه وآله) وهذه الواقعة، كما بين لنا النص أن باخمرى بإزاء نهر أبان الذي لم نجد له ذكرا في المعاجم وتفيدنا عبارة (…واقع في الصحراء والموقع اليوم بالفعل واقع في الصحراء)، أما النص الثالث فنجد ياقوت الحموي يجعل باخمرى بين الكوفة وواسط مما يولد حيرة في النفس فالموقع الذي زرناه يؤيده النص السادس الذي ذكره حرز الدين بقوله: (باخمرى واقعة بين حدود البصرة والكوفة…) وعلى حد تعيين ياقوت أن المسافة بين الكوفة وباخمرى سبعة عشرة فرسخاً يعني اليوم ما يعادل (94،197كم) إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار أن الفرسخ يعادل (5541م) وهذا ما ينطبق على المسافة التي قطعناها من النجف إلى باخمرى اليوم تقريباً على أننا لا نعرف أين تبدأ المسافة بين الكوفة وباخمرى حسب تعبير الحموي؟

        أما الشيخ حرز الدين يؤكد في النصوص (6،7، 8) على أن القبر الذي يقع بالقرب من الرميثة هو مرقد إبراهيم أما المرقد الذي يقع في الحلة فهو موضع دفن رأسه حسب ما سنذكره عند التطرق إلى مزاره.

 

         مرقده القريب من الرميثة

 

         أشار إلى عمارته الشيخ حرز الدين قائلاً: (… يبعد مرقده عن مدينة الحمزة الشرقي (20) كيلو متراً، وعن مدينة الرميثة (10) كيلو مترا، وعن الجادة العامة شمال القبر كيلو متراً ونصف، ويقرب من مرقده آل فرعون، أحد حمائل القبيلة الشهيرة (بني عارض) أحد قبائل جبشة.

ومرقده في مقاطعة (القيمية) البالغ مساحتها (200) دونماً والعائدة للمرقد الشريف يتولونها وراثة، سادنه الأول الشيخ جبر من قبيلة (آل فتلة) المشخاب، واليوم يتولونها أحفاده البالغ عددهم (16) رجلاً.

 

          وقفت على قبره يوم الخميس 10 شوال سنة 1387هـ/ 11 كانون الثاني سنة 1968م وكان على نشز من الأرض عامراً جديد البناء، وكان تجديده سنة 1385هـ، ودكة قبره في وسط حرم كان كل من طوله وعرضه خمسة أمتار ونصف، وكان حرمه مفروشاً للزائرين والمصلين، تظل القبر قبة سميكة مخروطة البناء، ارتفاعها حدود (10) أمتار وفي شرقيه وغربيه رواقان متصلان، أمامه طارمة شمالية جديدة أيضاً وفي جانب قبره الشرقي غرف للزائرين، أمام قبره مقرة يدفن فيها من لا يتمكن من نقله إلى وادي السلام في النجف الأشرف)(40).

 

                   رحلتنا إلى باخمرى

 

      انطلقنا يوم الخميس 8 جمادى الآخرة 1429هـ المصادف 12/6/2008م إلى باخمرى كي نسجل استطلاعنا هناك، قطعت بناء السيارة مسافات ومسافات وكلما مر بنا مزار قلت في نفسي هذا مرقد إبراهيم فتواجهني عبارة هذا مزار السيد الفلاني حتى خلت أننا سنعود أدراجنا دون تحقيق غايتنا إلا إن صبر سائقنا وتشوقه للوصول إلى المرقد كان العامل المشجع على إكمال الرحلة وبين سؤال هنا واستفسار هناك وصلنا إلى نقطة تفتيش، أرشدنا رجل من رجالها إلى طريق متفرع من الطريق الرئيسي الموصل إلى مدينة الرميثة ببعد (3كم) عنها، دخلنا الطريق الفرعي الذي أفضى بنا إلى مرقد متواضع تحيط به الصحراء إلا ما ندر من مظاهر الحياة الاجتماعية كالبيوت البسيطة المتباعدة.

 

        اتجهنا نحو المرقد ودخلنا من الباب الرئيسة التي تفضي عن طريق إيوان مسقف إلى صحن محاط بجدران من الطابوق مصبوغة باللونين الأخضر الفاتح والغامق، أما أرضية الصحن فقد غلفت بـ(الشتايكر)، تبلغ مساحة الصحن حوالي دونماً واحداً، وما حول المرقد من أرض تبلغ مساحتها حوالي (50) دونماً هي وقف للمرقد كما توجد مقبرة إلى جانب المرقد يدفن بها بعض الناس موتاهم، يحيط بالصحن من جانبين فقط مسقف لاستراحة الزائرين، إضافة لبعض الغرف التي يستخدمها سدنة المرقد في إدارة شؤون المرقد وتقديم الطعام للزائرين ومخزن لحفظ بعض الحاجيات كالكهربائيات وغيرها.

 

       يتوسط المرقد الصحن وهو عبارة عن بناء مستطيل، تبلغ مساحته (300م2)، تقع في واجهة المرقد طارمة مسقفة، تفضي بالزائر عن طريق ممر إلى الحرم، ويتوسط الحرم الصندوق الذي ينتصب على القبر، تبلغ مساحته حوالي (9م2) تقريباً وهو من الخشب المغلف بمقاطع الحديد المصبوغة باللون الذهبي، وقد زخرف بالنقوش العربية الإسلامية، وقد تم نصبه مؤخراً بمساعي المرحوم الحاج وناس الحسيناوي بعد إزالة الصندوق الحديدي القديم، ويتوسط الصندوق صندوق خشبي عليه قطعة من الحرير الأخضر، تعلوه قبة مغلفة بالكاشي الكربلائي،

        حدثنا أحد السدنة الأخ ناظم عن القبة قائلاً: (أول قبة شيدت على القبر كانت من الصخر، شيدت عام 1945م على نفقة سدنة المرقد آنذاك وقد تبرعت إحدى بنات السادن حينها بمهرها من أجل إتمام القبة، وفي عام 1958م تعرضت القبة إلى تآكل واضح وظهرت بعض الشقوق فيها الأمر الذي استدعى النظر في إعادة ترميمها وبالفعل بوشر بإزالة تلك القبة وتشييد غيرها فتم بناء قبة بيضاء مخروطية الشكل وظلت القبة هكذا إلى نهاية التسعينيات من القرن الماضي فقد ثم جمع مبلغ من المال وصار القرار بنصب قبة جديدة فوق القبة البيضاء القديمة وهي اليوم كما ترونها).

 

      ترتفع القبة مسافة (15م) تقريباً، ويبلغ قطرها (10م) تنقسم باحة الحرم إلى قسمين أحدهما للرجال والآخر للنساء، كما يحيط بالحرم رواق واسع جديد وتبدو آثار الحداثة على جدرانه حيث اكساءها بالسيراميك مع صبغ الجزء الأعلى منها بالطلاء الحديث، أما الرواق فقد قسم إلى جزئين أحده للنساء والآخر للرجال للصلاة والعبادة، يطل الرواق من جهتين متقابلتين على الحرم من خلال ممرين يطلان مباشرة على القبر الشريف.

 

        حدثنا كبير السدنة عن المرقد قائلاً: (شهد المرقد عام 1979 حملة أعمار واسعة فقد جهز بالكهرباء والماء وتمت تهيئة طريق مناسب للوصول إلى المرقد وكان المرقد مأوى لكثير من التجمعات ومقراً للمواكب والمجالس وقد حوربنا في عهد النظام البائد أشد المحاربة حيث كانت المراقبة مستمرة علينا فلا نستطيع أن نضع حجراً أو نرفعه إلا بتدخل رجال الأمن، بل إن الكثير تم حبسهم بسبب حضورهم الكثير في هذا المرقد كما أن إقامة مجلس عزاء سيد الشهداء يعني إننا سنحاسب أشد المحاسبة لأن هذا العمل وفق آراء رجال السلطة ضد مبادئ الحزب والدولة).

         أما السادن ناظم فقد أوضح لنا معاناتهم اليوم قائلاً: (… اليوم كما ترون لم يشهد المرقد أي بناء أو تعمير وكل ما يجري فيه من تعمير هو على نفقة السدنة أولاً والخيرين من أبناء مدينة الرميثة ونخص منهم بالذكر الشيخ عدنان آل خوام الذي تبرع لنا بمبالغ ضخمة في سبيل إعادة أعمار المرقد وتوسيعه).

 

      وهنا تدخل في الحديث سادن آخر قال: (إن مرقد السيد إبراهيم اليوم هو نقطة تجمع الزائرين المنطلقين مشياً على الأقدام في زيارة الأربعين لسيد الشهداء، فقبيل زيارة الأربعين تتوالى الزائرين على المرقد من المحافظات الجنوبية والمرقد بهذا الحال كما ترونه لا يستطيع استيعاب الزخم الهائل من المشاة الذين يستريحون فيه ونحن بدورنا نقدم ما يمكننا تقديمه من خدمات وأطعمة إلا أننا نطالب بالنظر في وضع المرقد وهل يمكن أن تمدنا الجهات المختصة بما يمكننا من التوسعة لكي يمكن استيعاب هذه الأعداد المتزايدة من الزائرين).

 

               رحلتنا للمرقد الثاني بالقرب من الهاشمية

 

      في يوم الأربعاء الخامس من رجب المصادف 9/7/2008م توجهنا للمرقد وبين أيدينا نص الشيخ محمد حسين حرز الدين الذي يذكر فيه: (… يقع ـ المرقد ـ في مقاطعة الهبنة رقم (38) قطعة (116) بتسوية حقوق الأراضي، في سلف (بني منصور) يبعد حوالي (3كم) عن قضاء الهاشمية في لواء الحلة، في الجانب الغربي.

 

     وقفت عليه بتاريخ 8 ربيع الأول سنة 1387هـ/17 تموز 1967م، ويقع القبر في الحد الشرقي للآثار والأطلال القديمة المعروفة عندهم بآثار الهاشمية القديمة البالغ مساحتها اليوم (100) دونماً، والقبر المنسوب لإبراهيم هذا لم يبق منه سوى نصف جدرانه قائمة محاطة بالأنقاض والحجارة، في وسط الحجرة دكة القبر المغطاة ببردة خضراء وعليها قرآن كريم وسراج نفطي، وكانت أبواب القبر وأخشابه العتيقة مبعثرة إلى جنب القبر، وكان بعد القبر عن نهر الجربوعية حدود (250) متراً، وكان قوام قبره من قبيلة الجوازرية)(41).

 

     وقد وصلنا إلى المرقد بعد جهد حيث يقع القبر في الهاشمية ويتم الوصول إليه من خلال طريق غير معبد بطول (4كم) معبد متفرع من الشارع الرئيسي الذي يصل مدينة الحلة بناحية القاسم، إن المنطقة المحيطة بالقبر عبارة عن تلول أثرية يلاحظ فيها بقايا فخاريات، أما المرقد فتحيط به ساحة محاطة بالبساتين، وهو عبارة عن غرفة مبنية حديثاً وقد أشار الحاج أبو مالك سادن المزار إلى أعمار المرقد قائلاً: (كان المرقد عبارة عن غرفة صغيرة ليس فيها سقف وقد قمنا بهدمها حتى وصلنا إلى الأساس وقد تتبعت أساس القبر الذي يقع تحته سرداب واسع فأقمنا البناء الذي تروه اليوم).

 

          تبلغ مساحة الغرفة المربعة حوالي (60م2) تقريباً ولها مدخلان أحدهما في الجهة الغربية والآخر في الجهة الشرقية في حين يطل من الجهتين الشمالية والجنوبية من خلال شباكين على الساحة المفتوحة، يتوسط القبر فناء المرقد وهو عبار عن صندوق من الحديد المطلي باللون الأبيض يتوسطه صندوق خشبي وتبلغ سعة الصندوق (7م2) تقريباً تعلوه قبة كبيرة تضم سقف الغرفة بكاملها ويبدو بناءها جديداً يبلغ قطرها حوالي (7م) وارتفاعها (3،5م)، وقد غلف طوقها بالكاشي الكربلائي من الداخل أما من الخارج فقد طليت باللون الأزرق.

 

          أما حقيقة هذا المزار فيذكرها حرز الدين مبرراً وجود مرقدين لشخص واحد بقوله: (… ولا يبعد بل الراجح عندنا أن القبر المنسوب إلى إبراهيم بن عبد الله في الهاشمية هو موضع دفن رأس إبراهيم هذا، بعدما تشفى منه المنصور، وهدئت نفسه الشريرة، وطيف به بعض الأمصار، رجع إلى الهاشمية وأقبر كما قيل هنا)(42)، وهذا يدحض ما ذكرته كتب التاريخ بأشخاص أبي الكرام برأسه إلى مصر، فلو أراد أبو جعفر التشفي من العلويين لبعثه إلى المدينة أما إلى مصر فمستبعد. وأرى في نظري القاصر أن الخلط الذي وقع فيه المؤرخون والبلدانيون كالحموي قد أتى من وجود مزارين أحدهما لجسد إبراهيم والآخر لرأسه، إضافة لوجود موقعين كانا يعرفان بباخمرى، فباخمرى كلمة ذات أصل آرامي معناه (بلد الخمر) أو بيت الخمر(43)، إحداهما عند الرميثة حيث أبو قوارير اليوم وهو حسب الظاهر مصنعاً للزجاج المعد لتعبئة الخمر في الأزمنة القديمة وكذلك الموقع الذي يقرب من الهاشمية كان أيام البابليين مصنعاً للخمر.
وهكذا ظلت باخمرى وإن تعددت مواقعها شاهداً على أحداث أبت أن تفارق كتب التاريخ، فوضعت بصماتها فيه >

————————————————————————————-

(1) عمدة الطالب، ص110.
(2) الأمين، أعيان الشيعة، 3/138.
(3) الأبطحي، مقدمة الصحيفة السجادية، ص62.
(4) عمدة الطالب، ص110.
(5) المامقاني، تنقيح المقال، 4/143.
(6) مقاتل الطالبيين، ص228.
(7) الزبيدي، أبناء وأحفاد الأئمة، ص131.
(8) الأمين، أعيان الشيعة، ص138.
(9) ابن الطقطقي، الأصيلي، ص82.
(10) ابن عنبة، عمدة الطالب، ص104.
(11) ابن الأثير، الكامل، 5/168.
(12) الطبري، تاريخ الأمم والملوك، 6/241.
(13) المصدر السابق.
(14) المصدر السابق، ص250.
(15) ابن عنبة، عمدة الطالب، ص109.
(16) ابن الطقطقي، الأصيلي، ص82.
(17) ابن الأثير، الكامل، 5/171.
(18) الاصفهاني، مقاتل الطالبيين، ص280.
(19) ابن الأثير، الكامل، 5/172.
(20) الاصفهاني، مقاتل الطالبيين، ص208.
(21) ابن الأثير، الكامل، 5/171.
(22) الاصفهاني، مقاتل الطالبيين، ص230.
(23) المصدر السابق، ص284.
(24) عمدة الطالب، ص110.
(25) ابن الأثير، الكامل، 5/174.
(26) أبناء وأحفاد الأئمة، ص128.
(27) الاصفهاني، مقاتل الطالبيين، ص288.
(28) المصدر السابق، ص290.
(29) الأمين، أعيان الشيعة، 22/144.
(30) الغدير، 3/379.
(31) الأشعث، سؤالات الآجري، 3/106.
(32) الذهبي، سير أعلام النبلاء، 6/222.
(33) الحموي، معجم البلدان، 1/316.
(34) البراقي، اليتيمة الغروية أو التحفة النجفية، ص223.
(35) الزبيدي، تاج العروس، 6/368.
(36) حرز الدين، معارف الرجال، 1/26.
(37) المصدر السابق، ص27.
(38) المصدر السابق، ص28.
(39) كمونة، مشاهد العترة الطاهرة، ص24.
(40) محمد حسين حرز الدين (حفيد المؤلف)، مراقد المعارف، 1/27.
(41) مراقد المعارف، 1/31.
(42) المصدر السابق، ص32.
(43) دائرة المعارف الإسلامية، 3/264.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.