Take a fresh look at your lifestyle.

بحيرة ساوة من معاجز المولد الخالدة

0 609

         كان الوجود على موعد مع وليد قُدّر له أن يملأ الدنيا نوراً ويزيح عن صدر الدنيا عهوداً من الظلام الدامس الذي تخبطت به بين التيه والضلالة، بين عبادة الأوثان وحياة الجهل والضياع.

          ومن الطبيعي أن يكون لمثل هذا الوليد بما سيضفي وجوده من نعم وبركات علامات تمهد السبيل أمام انطلاقته الأولى المتمثلة بولادته، فهو ليس كغيره يدخل الدنيا دون أن تسلط عليه الأضواء، بل يُفترض أن تحتفل به السماء فتظهر على الأرض معجزات بينات يتلمسها البعيد والقريب، وأن تكون تلك المعجزات متوازنة مع هيبة هذا المولود وعظمته وما سيؤدي من دور خالد ينقل الدنيا من أود الحضيض إلى أوج الشموخ، إذ ستكون رسالته السماوية خاتمة لرسالات سبقته ومبشرة بالإسلام، الدين الذي ارتضاه الله جل وعلا لعباده، دين السماحة والعدالة حيث لا يُحاف مظلوم ولا يتسلط ظالم.

            كانت أول علامة وقعت يوم ميلاد الرسول الأعظم محمد(صلى الله عليه وآله) سقوط الأصنام وانقلابها على وجوهها، ثم تلا ذلك تزلزل إيوان كسرى وسقوط أربع عشرة شرفة من شرفاته بعدد الملوك الذين سيحكمون بلاد فارس لحين زوال دولتهم، ثم خمدت نيران فارس، هي التي لم تخمد منذ ألف عام، ثم غاضت وجفّت بحيرة ساوة وفاض وادي السماوة.

            بعض هذه العلامات التي أدت دورها منذرة الظالمين والمستبدين بمجيء المنقذ الأعظم، ظلت كما هو الحال مع طاق كسرى الذي انقصم من وسطه الذي مازال باقياً ليومنا هذا، والبعض منها كان مؤشراً لشيء سيحدث، فتزامنت مع المولد الشريف ثم عاد لسابق عهده، لتكن تلك الحادثة نادرة لم يسبق لذلك الأثر أن عاصرها، منها بحيرة ساوة التي غاض ماؤها وانقطع، وقد عهده الناس فيّاضاً يملأ جوانبها وتترقرق فيها أمواجه.

           حملنا هذا المشهد معنا وزرنا هذه البحيرة لتكن محطة نسلط فيها الضوء على هذه الظاهرة ونحن نعيش أيام المولد المحمدي الشريف.

           عموماً فمصطلح البحيرة يطلق على طبقة مائية محبوسة في حوض أو منخفض طبيعي أو صناعي واسع المساحة ومتوسط العمق(1).

 

   ساوة جغرافياً

           لم يكن موقع بحيرة ساوة وما يحيط بها من أرض في يوم من الأيام مسكناً ولا ندري سبب ذلك، والظاهر أن ماء البحيرة غيّر الجيد لم يشجع العرب كي يتخذوها مسكناً ترتع فيه دوابهم ويهنؤون بالقرب منه حيث الماء غاية البدو و الأعراب.

          مهما يكن من أمر فالجغرافيون يطلقون اسم ساوة على مكانين، أولهما مدينة جميلة في إيران بين الري(طهران) وهمدان، واليوم تعد من محافظات إيران المعروفة كما برز منها قديماً عدد من الشخصيات، وثاني المكانين البحيرة التي نحن بصدد الحديث عنها وهذه البحيرة مرتبطة بذكر المولد النبوي الشريف.

          يقول الصالحي(2): كانت أكثر من ستة فراسخ تركب فيها السفن ويسافر منها إلى ما حولها من البلاد والمدن فأصبحت ليلة المولد ناشفة كأن لم يكن بها شيء من الماء وفي ذلك يقول الشاعر:

          غارت وقد كانت    جوانبها تفوت الميلا(3)

          من قول الصالحي نستدل على أن طولها يبلغ حوالي 6 فراسخ، فإذا كان الفرسخ يساوي 4827 متراً فإن طولها بالأمتار إذاً يبلغ 28902 أي 29 كم تقريباً، وما يؤيد ذلك قول الشيخ محمد باقر الكجوري(4) في وصف البحيرة: ومحيطها 25 فرسخاً غار ماؤها ليلة ولادة النبي الخاتم، وكان العبور فيها عسيراً قبل أن تجف قيل إذا غرق فيها أحدٌ سكنت وهدأ هيجانها و أمكن العبور فيها)(5) ومن القول أعلاه نستنتج أموراً منها:

   1ـ الظاهر من كلام الكجوري أن البحيرة كانت تستخدم لأغراض الملاحة بالرغم من عبارة (وكان العبور فيها عسيراً) ولم يوضح الكجوري سبب ذلك العسر؟

    أحاط الكجوري البحيرة بنوع من الغموض حينما قال: (قيل إذا غرق فيها أحد سكنت وهدأ هيجانها وأمكن العبور فيها)، وبذا فقد دخلت البحيرة ضمن الأساطير وما يحكى عن ذلك كونها تستقر بمجرد أن يغرق فيها أحد، وقد يكون هذا الاعتقاد السبب الذي جعل الناس يبتعدون عنها ولا يسكنون على ضفافها خوفاً من هذه الحكاية.

          كما جرى ذكر البحيرة في بعض قصائد الشعراء التي أشارت إلى ذكر المولد النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) منها(6):

       لمولده نيران فارس أخمدت               فنورهم إخماده كان حينه

       لمولده غاضت بحيرة ساوةٌ             وأعقب ذاك المد جزراً يشينه

      كأن بالأمس لم يكن ريّاً لناهلٍ            وورد العين المستهام معينه

            كما ذكرها السيد صادق الفحام في قصيدة مدح فيها النبي الأعظم(صلى الله عليه وآله) فقال(7):

      سما ليلة الميلاد ساطع نوره                  فأخمد نور العرب نار الأعاجم

      وزلزل من أرجائه عرش فارس            وقد سيم رعباً باضطراب القوائم

      وغاضت وقد عبّت بحيرة ساوة             فردت وقد ريدت بغلة حائم

             ولنا مع البيت الثالث وقفة حيث لم يحدثنا أحد أن ماء البحيرة كان رياً لناهل بل هو شديد الملوحة فلم يستفد منه أحد.
وقد خلط البعض في هذه البحيرة فقالوا إنها موجودة في ساوة المدينة الإيرانية ومنهم (كي لسترانج) في كتابه حيث يقول: (إن ساوة كانت في قديم الزمان على ساحل بحيرة غاضت عند مولد النبي فقد غاض ماؤها في باطن الأرض ابتهاجاً وفرحاً بالبشرى السعيدة على ما في كتاب المستوفي)(8)

            بينما لم تحدثنا كتب البلدان بوجود بحيرة في مدينة ساوة الإيرانية، ولو كانت لتشبث الإيرانيون بهذه المنقبة وجعلوا من ساوة مزاراً مقدساً، بينما ساوة العراقية مهملة مهجورة لم تتشفع لها السمة الإعجازية ولم تنفعها الصفة السياحية.

             تعد بحيرة ساوة من أهم المعالم المميزة في (القطر) العراقي وذلك لتكوينها الفريد والظواهر الطبيعية التي صاحبتها، فهي تتميز عن البحيرات الأخرى بأمور عديدة منها: عدم وجود مجرى مائي سطحي يغذيها، بل تعتمد على العيون وما يتدفق من مياه من الشقوق في أسفلها.

           إن مستوى المياه في هذه البحيرة ثابت رغم مرور زمن طويل على وجودها، ثم ارتفاع البحيرة عن مستوى سطح الأرض المجاورة لها بحوالي خمسة أمتار مما يحول دون رؤيتها إلا من مسافات قريبة جداً، وتحيطها سداد طبيعية من صخور الجبس وكبريات الكالسيوم وترتفع مياه هذه البحيرة أحد عشر متراً فوق مستوى نهر الفرات، لذلك يمكن تصريف المياه الموجودة في هذه البحيرة عن طريق الانحدار بفعل الجاذبية(9).

 

   شكل البحيرة

           (شكل البحيرة يشبه الكمثرى أو لنقل يشبه البطة، وتبلغ مساحتها السطحية 12،5 كيلو مترات. وطولها يقارب 4،75 كم وعرضها في أوسع منطقة 1،75 كم، وفي أضيق منطقة لا يتعدى (5كيلومترات). أما عمقها فهو ذو نطاقين، الأول وهو المحاذي لجدارها الخارجي يتراوح بين (5-4.2 متر) والثاني (5-5.5 متر) وهو يغطي أكثر من 70% من مساحة البحيرة، وقد يكون عمقها أكثر من ذلك في أماكن متعددة.

          وبالمقارنة مع ما ذكرنا من قول الكجوري فإن أبعاد البحيرة قد تغيرت لا كما يقول البعض إن أبعاد البحيرة ثابتة لم تتغير، وقد ذكرها التاريخ وعرفها أهل السماوة محبّو الصيد قبل غيرهم منذ الأربعينيات من هذا القرن، وتوافدوا عليها خلال السنوات الماضية.

         وقد اشتهرت بحيرة ساوة على مستوى (القطر) إثر إرسال بعثة علمية لدراسة البحيرة، وهي بعثة سوفييتية لدراسة إمكانية إقامة مدينة سياحية عليها، ووضع التصاميم لها وفق أحدث الأسس، وعُهد إلى المكتب العربي للمقاولات الهندسية تنفيذ مقاولة المسح الطبوغرافي في مطلع عام 1976، وقد تحولت هذه البحيرة في ما بعد إلى موقع سياحي جميل يرتاده أهل السماوة، وكذلك العوائل العراقية التي تذهب لزيارتها من محافظات (القطر) المختلفة بعد أن شيدت واستكملت كل المتطلبات الضرورية لها والتي جعلتها من المناطق الجميلة في (القطر))(10).

           تبعد البحيرة حوالي 31كم إلى الجنوب الغربي من مدينة السماوة، وقد يُفسّر التلازم في علامة مولد سيد الكائنات نبينا الأكرم محمد بن عبد الله(صلى الله عليه وآله) وبين جفاف بحيرة ساوة وفيضان وادي السماوة، التقارب المكاني بين ساوة والسماوة من جهة، ولحدوث ظاهرة نادرة لم تكن مألوفة من ذي قبل، حيث غار ماء البحيرة وجفت منابعها حتى كأن الماء لم يكن من قبل يعلوها، وفيضان وادي السماوة الذي كان الجفاف علامته البارزة حيث الصحراء القاحلة.

          توجهنا إلى البحيرة تطوي بنا السيارة المسافات، حيث اجتاز سائقنا بنا الصحاري الشاسعة والقفار خلال طريق مبلط قديماً ومستمر يبلغ بنا ضفة البحيرة ويكون حزاماً فاصلاً وكأنه (كورنيش) يطل بنا على البحيرة.

           تمتد البحيرة في الصحراء وتحمي نفسها بواسطة جدار كلسي يحيط بجوانبها فيمنع ولوج الرمال إليها، كما يتميز ماء البحيرة بملوحته العالية وعدم الاستفادة منه في المشاريع الإروائية، فكلما أراد الفلاحون فتح سواقي مياه منها لري أراضيهم الزراعية يتكلس الماء ويتصلب ويكون طبقة حاجزة تمنع الماء من الوصول، ومع ملوحة الماء العالية نلاحظ وجود أسماك من نوع واحد فقط لا يتجاوز طولها 10 سم شفافة اللون عمياء كما أخبرنا بذلك بعض الأخوة الذي تواجدوا هناك،

           وقد حاولنا جاهدين الحصول على معلومات هناك فلم نلتق بأحد يعرف شيئاً عن البحيرة وما يتناقل عنها من حكايات لذا اعتمدنا على ما ذكرته الكتب.

          وعن مصادر تغذية هذه البحيرة ذكر الباحث الدكتور صفاء جاسم(11):

        (إن هذه البحيرة التي تسكنها الأشباح اليوم، كما يقال، ضاع العلماء في تفسير تكوينها ومصادر المياه التي تغذيها، ولم يعثروا على حل لغموضها، فهي لا مجرى مائياً لها، وذلك أول غرائبها، فلا عيون ماء تغذيها، ولا مجرى سطحيّاً يزودها بالماء)(12).

         كما قال: (اعتقد بعض العلماء أن هنالك ينابيع مجهولة تغذيها، تنبع من قاعها من الصخور الصلدة، إضافة إلى أن مستوى المياه فيها ثابت في أغلب الأحيان، رغم مرور الزمن، فكيف يتناسب ما تضخّه هذه الينابيع المجهولة مع نسبة التبخر طيلة هذه القرون؟، كما أن هذه الينابيع، إن وجدت، لا تجد تفسيراً لها، ولاستمراريتها المنتظمة، وسرّ وجودها في هذه الصحراء القاحلة المترامية الأطراف،

           ولكي لا تتسرب هذه المياه، وتذوب في رمال الصحراء، كوّنت لنفسها تلقائياً حواجز كلسية، لا يعرف من أين أتت، هي عبارة عن سياج يحيط بها، لا يُعرف كيف نشأ، أو كيف تَكوّنَ، أو كيف أوجد نفسه، وما يميز هذا السياج الكلسي هو احتواؤه على ظاهرة الكهوف التي تنتشر على طول كتفها، وتبلغ مساحة هذه الكهوف مابين مترين إلى ثلاثة أمتار، إلى جانب أنها تحوي صخوراً ملحية تشبه زهرة القرنبيط توجد داخل البحيرة وعلى مقربة من الكتف الكلسي،

         ولا أحد يعرف كيف حافظت على شكلها كل هذه القرون، وهذه الكهوف الصغيرة والأشكال الكلسية غير المنتظمة تبعث الجمال مع زرقة المياه ونقاء الطبيعة)(13).

          بالرغم مما تتمتع به هذه البحيرة من عجائب إلا أننا لم نلاحظ فيها ما يجذب السياح إذ إنها مهملة لا تحتوي على مرافق سياحية، والكثير لا يعرف عن وجود هذه البحيرة بهذه الكيفية، حيث لم يسلط الإعلام الأضواء على هذه البحيرة لتكون مركزاً سياحياً يجذب الوافدين، ولتدر على محافظة المثنى وارداً مالياً يساعد في تنمية المدينة، فلو قارنا البحر الميت في الأردن مع هذه البحيرة لوجدنا تميزها، وأهم ما في ذلك صفة ارتباطها بمولد رسول الإنسانية وكونها إحدى علامات ولادة النبي الأكرم،

          وكما يقول البعض إنها ستغور يوم ظهور المصلح الأكبر الحجة بن الحسن(عليه السلام) لتسجل بذلك علامة أخرى ولتعيد للناس معجزة حدثت يوم ميلاد منقذ البشرية، فبين محمد الجد الأكبر(صلى الله عليه وآله) ومحمد الحفيد (عجل الله فرجه) ثمة صفات مشتركة، وطوبى لمن سيعاصر الحفيد ليلاحظها بنفسه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لبيب، علي، قاموس الجغرافيا، ص37.
(2) محمد بن يوسف الصالحي الشامي المتوفى سنة 942 هـ قال عنه الشعراني : كان الشامي مفنناً في العلوم، أي له في كل علم فن وقد ألف كتابه سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد حيث جمعه من ثلاثمائة كتاب، ولما كانت معجزة جفاف بحيرة ساوة من علامات ميلاده(صلى الله عليه وآله) فقد ذكرها في كتابه.
(3) سبل الهدى والرشاد، 1/357.
(4) المصدر السابق.
(5) محمد باقر بن محمد مهدي الكجوري، نزيل كربلاء، فاضل جليل من أعلام القرن الثالث عشر له إلمام بالكلام والفقه وغيرهما من العلوم الإسلامية له عدة مؤلفات منها الخصائص الفاطمية، تناول فيها خصائص السيدة فاطمة الزهراء(عليها السلام)، وقد أورد ذكر بحيرة ساوة في هذا الكتاب ضمن الخصيصة الثامنة والثلاثين التي تضمنت تفسير قوله تعالى: (مرج البحرين يلتقيان) فقد تعرض لذكر البحار والبحيرات منها بحيرة ساوة.
(6) الخصائص الفاطمية، 2/372.
(7) الحلبي، السيرة الحلبية، 1/119.
(8) الفحام، ديوان، ص69.
(9) بلدان الخلافة الإسلامية، ص232.
(10) موسوعة المدائن العراقية، ص292-293، إصدار مركز دراسات الأمة العراقية (ميزوبوتوميا)، بغداد
(11) الدكتور صفاء جاسم، عميد كلية التربية في جامعة المثنى سابقاً، والتدريسي في جامعة القادسية حالياً، وهو أول من كتب عن بحيرة ساوة، حيث ألف كتاب (بحيرة ساوة دراسة طبيعية بيئية سياحية) ويقع في 610 صفحة
(12) جاسم، صفاء، بحيرة ساوة، دراسة طبيعية بيئية سياحية، ص140.
(13) المصدر السابق.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.