Take a fresh look at your lifestyle.

آراء الإمام علي(عليه السلام) في السياسة المالية

0 210

أولاً: مفهوم السياسة المالية.
وهي عبارة عن مجموعة من الإجراءات التي ينصب اهتمامها على دراسة النشاط المالي للدولة وما يتبع هذا النشاط من آثار بالنسبة لمختلف قطاعات الاقتصاد القومي، وتتضمن تكيفاً كمياً لحجم الإنفاق العام والإيرادات العامة ونوعياً لأوجه هذا الإنفاق ومصادر هذه الإيرادات. بغية تحقيق أهداف محددة، أبرزها تنمية الاقتصاد القومي وتحقيق الاستقرار الاقتصادي والعدالة في توزيع الدخول والثروات.

 

ثانياً: آراء الإمام علي(عليه السلام) في السياسة المالية قبل خلافته.
تتمثل السياسة المالية للإمام علي(عليه السلام) في حرصه الشديد على أموال المسلمين، وفي كيفية تحصيلها وأنفاقها في مجالاتها الصحيحة، سواء أكان ذلك في عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله) عندما بعثة إلى اليمن لجباية الصدقة عندما منع أصحابه أن يركبوا إبل الزكاة ليربحوا إبلهم وقال(عليه السلام) لهم: (إنما لكم منها سهم كما للمسلمين)،

أو في عهد الخلفاء الذين سبقوه من خلال تقديم النصح والمشورة لكثير من الأمور التي واجهتهم في هذا المجال، وقد أشاروا بدقتها وسلامتها فذلك معاوية بن أبي سفيان يقول لمحقن بن أبي محقن: (ويحك كيف تقول أنه ابخل الناس، وهو الذي لوملك بيتا من تبر وبيتا من تبن لأنفق تبره قبل تبنه، وهو الذي كان يكنس بيوت الأموال ويصلي فيها، قال يا صفراء ويا بيضاء غري غيري، وهو الذي لم يخلف ميراثاً سوى العلم وكانت الدنيا كلها بيده إلا ما كان من الشام). ونستطيع أن نعرض بعض الآراء في ذلك وكما يأتي:

1ـ عندما حصلت الدولة الإسلامية على أموال كثيرة في عهد الخليفة الثاني فسأل عن الطريقة المثلى لتوزيعها، فأشار إليه الإمام علي(عليه السلام) قائلاً: (قسم كل سنة مااجتمع إليك من المال ولا تمسك منه شيئاً) وهذا الرأي هو بمثابة قاعدة مالية قدمها الإمام علي(عليه السلام) تؤكد على ضرورة توزيع أموال المسلمين (الإيرادات العامة) في كل سنة على المسلمين وعلى المصالح العامة ولا يبقى منها شيئاً.

2ـ روي أن قوماً من أصحاب عمر بن الخطاب أشاروا إليه بأخذ حلي الكعبة واستخدامها في تجهيز جيوش المسلمين يكون ذلك أعظم إجراء مما لو تركت هذه الحلي على الكعبة المشرفة، فسأل الخليفة عمر أمير المؤمنين(عليه السلام) قبل أن يقوم بذلك، فقال الإمام علي(عليه السلام): (إن القرآن أنزل على النبي (صلى الله عليه وآله) والأموال أربعة: أموال المسلمين فقسمها بين الورثة في الفرائض، والفيء فقسمه على مستحقيه، والخمس فوضعه الله حيث موضعه، والصدقات فجعلها الله حيث جعلها، وكان حلي الكعبة فيها يومئذ، فتركه على حاله، ولم يتركه نسياناً ولم يخف عليه مكاناً، فأقره حيث أقره الله ورسوله،

فقال له عمر: لولاك لافتضحنا. وترك الحلي بحاله) وبهذا الرأي فإنه قدم قاعدة ماليه تؤيد عدم جواز صرف الأموال العامة، إلا ضمن الحدود التي رسمها الله جل جلاله في كتابه العزيز وسنة نبيه المصطفى(صلى الله عليه وآله).

3ـ عندما فتح العراق والشام ومصر في عهد الخليفة الثاني، ظهر اختلاف في الرأي حول مصير هذه الأراضي المفتوحة، هل تبقى عند أهلها أم تقسم كغنائم على جند المسلمين، ولكن عندما طلب من أمير المؤمنين أعطاء رأيه بهذا الموضوع، أشار(عليه السلام) بعدم تقسيم الأرض بين المقاتلين، وقال لعمر: (إن قسمتها اليوم لم يكن لمن يجيء بعدها شيء لكن نقرها في أيديهم يعملونها فتكون لنا ولمن بعدنا) ومن هذا الرأي، الذي أخذ به عمر بن الخطاب، أن تكون البلاد المفتوحة مورداً مالياً ثابتاً للدولة الإسلامية، وأكد أيضاً على الملكية العامة لأنها تحقق الإيرادات العامة،

التي لا يستفيد منها الجيل الحالي فقط، وإنما الأجيال المستقبلية وأيضاً للحد من التفاوت في الدخول ولضمان استثمار هذه الأراضي بصوره جيدة، لأن توزيعها على أفراد لا معرفة لهم قد يساء استغلالها.

 

ثالثاً: السياسة المالية للإمام علي (عليه السلام) في خلافته.
اتضحت سياسة الإمام علي(عليه السلام) في جانب النفقات العامة من اليوم الأول من خلافته، حيث خطب في الناس، وأوضح فيها أنه سيتبع نظام المساواة في العطاء بين الناس وأنه هو كأحدهم، إذ نراه (صلوات الله عليه) يقول: (ألا لا يقولن رجال منكم غداً قد غمرتهم الدنيا فاتخذوا العقار، وفجروا الأنهار، وركبوا الخيول الفارهة، واتخذوا الوصائف الروقة، فصار ذلك عليهم عاراً وشناراً، إذا ما منعتهم ما كانوا يخوضون فيه، وأصرتهم إلى حقوقهم التي يعلمون،

فينقمون ذلك، ويستنكرون ويقولون: حرمنا ابن أبي طالب حقوقنا! ألا وأيما رجل من المهاجرين والأنصار من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) يرى أن الفضل له على من سواه لصحبته، فإن الفضل النير غداً عند الله، وثوابه وأجره على الله، وأيما رجل استجاب لله وللرسول، فصدق ملتنا، ودخل في ديننا، واستقبل قبلتنا، فقد استوجب حقوق الإسلام وحدوده، فأنتم عباد الله، والمال مال الله، يقسم بينكم بالسوية، لا فضل فيه لأحد على أحد) (شرح نهج البلاغة 7/ 37).

وتأتي دعوة الإمام علي(عليه السلام) إلى نظام المساواة في العطاء الذي أقرّه الإسلام وطبقة رسول الله(صلى الله عليه وآله) من أن عدم تطبيقه من قبل الخلفاء الذين سبقوه أدى إلى ظهور تمايز طبقي كبير، والى رفع ما لا يستحق أن يرفع، لذلك سعى الإمام علي(عليه السلام) إلى أن يعيد الأمور إلى مجاريها الصحيحة مهما كلفه ذلك، والعطاء هو نظام قسمت الأموال بين الناس، سواء أكانوا جنوداً أم من عامة الناس، ويصرف النظر عن دور الفرد في النضال سابقاً مع الإسلام أو ضده، وبغض النظر عن انتمائه أكان من أصل عربي أم كان من الموالي وبدأ التمييز في العطاء مع خلافة عمر بن الخطاب،

إذ قرر أن لا يجعل من قاتل رسول الله(صلى الله عليه وآله) كمن قاتل معه، فصنف الناس حسب أدوارهم فالرجل وبلاؤه في الإسلام، والرجل وقدمه في الإسلام، والرجل وحاجته في الإسلام، وإذا كان الخليفة الثاني قد اجتهد في مسألة العطاء وكان ما كان من تفاوت في الدخول بين فئات المجتمع من تطبيق هذه السياسة، إذ إنه نفسه قد عزم على تغييرها في أواخر خلافته، إلا أنه لم يتمكن من ذلك وتزايد التمايز في العطاء كثيراً في عهد الخليفة الثالث كما حدث توسع في منح القطائع، مما أدى إلى زيادة حدة التفاوت في الدخول والثروة، وعندما تولى الإمام علي(عليه السلام) الخلافة قرر العدول عن سياسة التمييز في العطاء بين الناس التي استمرت فترة طويلة بلغت (21) سنة والعودة إلى نظام المساواة وقد واجهت هذه السياسة المالية معارضة شديدة من أغنياء

وشيوخ قريش، إلا أن الإمام علي(عليه السلام) لم يتغير موقفه من قرار التسوية في العطاء حتى مع أخذ بعض رجال قريش بالامتناع عن مبايعته أو العدول عنها والتسلل إلى الشام والانضمام إلى جيش معاوية، واعتبر هؤلاء خارجين عن الحق وعن أمر خليفة المسلمين المنتخب لذا نراه يكتب إلى (سهل بن الأحنف الأنصاري) عامله على المدينة يقول(عليه السلام) له: (أما بعد فقد بلغني أن رجالاً ممن قبلك يتسللون إلى معاوية. فلا تأسف على ما يفوتك من عددهم ويذهب عنك من مددهم فإنما هم أهل دنيا مقبلون عليها قد عرفوا العدل ورأوه وعلموا أن الناس عندنا في الحق أسوة فهربوا إلى الأثرة فبعداً لهم وسحقاً).

وعندما طلب منه بعض الصحابة أن يميز في العطاء، وأن يبذخ الأموال على الذين يخشى منهم العداء لكسب ولائهم ومودتهم إليه، ولمنعهم من الفرار إلى معاوية. فكان(عليه السلام) يقول: (أتأمرونني أن أطلب النصر بالجور فيمن وليت عليه؟! والله ما أطور به ما سمر سمير ـ أي ما أمر به ولا أقاربه، مبالغة في الابتعاد عن العمل بما يقولون وما سمر سمير أي مدى الدهر ـ وما أنجم في السماء نجماً، لو كان المال لي لسويت بينهم، فكيف وإنما المال مال الله).

ويستمر الإمام علي(عليه السلام) في خطبته معللاً عدم قيامه بهذا الأمر، لأنه عمل مخالف لكتاب الله وسنة نبيه محمد(صلى الله عليه وآله) فهو إنفاق لأموال المسلمين في وجوه غير شرعية وغير صحيحة فهو(عليه السلام) يقول: (ألا وإن إعطاء المال في غير حقه تبذير وإسراف، وهو يرفع صاحبه في الدنيا ويضعه في الآخرة ويكرمه في الناس ويهينه عند الله).

وروى حبة العرني قال: قسم الإمام علي(عليه السلام) وأخذ خمسمائة درهم كواحد منهم، فجاءه إنسان لم يحضر الواقعة، فقال: كنت شاهداً معك بقلبي، وإن غاب عنك جسمي فأعطني من الفيء شيئاً، فدفع إليه الذي أخذه لنفسه، وهو خمسمائة درهم ولم يصب شيئاً. هذه بعض من السياسة المالية التي تميز بها الإمام علي(عليه السلام) لم ولن يعتمدها أحد على مرّ التاريخ، والتي أهم أركانها العدالة ونكران الذات وعدم التفرقة بين الناس، حيث لا يفضل شريفاً على مشروف ولا عربياً على غير العربي في العطاء فالكل سواء عنده في مالهم.

نشرت في العدد 20

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.