Take a fresh look at your lifestyle.

شذرات من سيرة السبط الشهيد الإمام الحسن(ع) وفكره الرسـالي

0 207

                     الحمد لله الذي دل على ذاته بذاته. وتنزه عن جميع مخلوقاته، ومنَّ خاصة عباده بخالص توحيده.
الحمد لله الذي لا يبلغ مدحه القائلون ولا يحصي نعماءه العادّون الذي لا يدركه بعد الهم ولا يناله غوص الفطن، الذي ليس لصفته حدود ولا نعت موجود ولا وقت معدود ولا أجل محدود.

والصلاة والسلام على خيرة خلقه نبيه وصفوة خلقه الذي أرسه بالحق ليخرج عباده من عبادة الأوثان إلى عبادته ومن طاعة الشيطان إلى طاعته وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحبه الأخيار المنتجبين.

وبعد فهذه صفحات كلَّ فيها القلم وعجز فيها البيان وأنا أجد نفسي استمطر شآبيب الرحمة وأتنسم نفحات القدس، إذ أنا في حضرة سيد شباب أهل الجنة أقتبس من نوره الوضاء ومن كرائم حكمه هذه الشذرات

توطئة
إن طبيعة المهمة الجليلة التي يتولاها الإمام(عليه السلام) تحتاج إلى ابتداء إلى شيء من البيان قبل الخوض في شذرات من حياته الشريفة وللكشف عن أهم ملامح هذه المهمة نبتدئ القول ببيان حقيقة الإمامة وقد عرفت بوجوه.

ففي اللغة: قال الجوهري (الصحاح 5: 1865 وابن منظور في لسان العرب، 14: 289) أممت القوم في الصلاة إمامةً وائتم به: اقتدى به، والإمام: الذي يقتدى وجمعه أيمة وأصله أممة على فاعلة مثل إله وآلهة وقال السيد المرتضى: الإمامة تجري في اللغة على معنى الإتباع والاقتداء.

أما في الاصطلاح: فمن وجوه تعريفها: قال السيد المرتضى: هي الولاية العامة على جميع أمور المسلمين، وهي أعلى منازل الدين بعد النبوة (رسائل ص65، 169).
وقال الأيجي: الإمامة رئاسة عامة في أمور الدين والدنيا.

وقال: الأمانة خلافة الرسول في إقامة الدين بحيث يجب إتباعه على كافة الأمة الموافق 345.
وقال العلامة الحلي هي خلافة شخص من الأشخاص للرسول(صلى الله عليه وآله) في إقامة قوانين الشرع وحفظ حوزة الملة على وجه يجب إتباعه على كافة الأمة (الألفين، ص2).

وقال المادردي: خلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا (الأحكام السلطانية) وخلاصة ما تقدم فإمام هو الإنسان الذي له الرياسة العامة في أمور الدين والدنيا بالأصالة في دار التكليف فلابد فوق يده فيما يتصرف فيه على سبيل الخلافة والنيابة له(صلى الله عليه وآله).
وقد اختلف في الفرق بين الإمامة والخلافة على رأيين:

الرأي الأول
قول الإمامة بوجود الفرق بين الإمامة والخلافة واستدلوا على ذلك بـ:
1ـ أن الإمام قد يتنازل عن خلافته مع الاحتفاظ بإمامته وهذا ما حصل للإمام الحسن(عليه السلام) عند تنازله لمعاوية عن الخلافة والإمام الرضا(عليه السلام) عند توليته ولاية العهد فجمع بين المنصبين الإمامة ونيابة الخلافة (المرتضى، تنزيه الأنبياء، 172ـ 174).
2ـ إن الإمامة هي الولاية العامة على جميع أمور المسلمين، بينما الخلافة هي الولاية على أمور المسلمين (المرتضى، الشافي، 118، 249).
3ـ إن الإمام يجوز له أن يستخلف على جميع رعيته خليفة وخلفاء فيجعل إليهم التصرف فيحال التصرف فيه.

الرأي الثاني
وهو ما ذهبت إليه بقية الفرق الإسلامية أنه لا يوجد فرق بينهما فكلاهما يشير إلى شخص واحد.
قال القاضي عبد الجبار لم يروَ من الصحابة ذكر للإمامة وإنما كانوا يذكرون الأمير والحاكم (المغني، 30، 1: 129).
يقول الإمام الرضا(عليه السلام) في بيان معنى الإمامة (الإمامة منزلة الأنبياء وإرث الأوصياء، الإمامة خلافة الله وخلافة الرسول(صلى الله عليه وآله) والإمامة زمام الدين ونظام المسلمين وصلاح الدنيا وعز المؤمنين… الإمام يحل حلال الله ويحرم حرام الله ويقيم حدود الله ويذب عن دين الله) (الصدوق: عيون الأخبار، الكافي: 1/ 200)

وإذا كانت الإمامة على هذا استمرار لوظيفة النبوة كلها عدا تحمل الوحي الإلهي فمقتضى ذلك اتصاف الإمام بالشروط المشترطة في النبي(صلى الله عليه وآله) سوى الوحي ولقد كان النبي(صلى الله عليه وآله) يملأ فراغاً عظيماً في حياة الأمة الإسلامية ولم

تكن مسؤولياته وأعماله مقتصرة على تلقي الوحي وتبليغه وإنما كان يقوم بالمهام الجليلة الآتية:

1ـ يفسر الكتاب العزيز ويشرح مقاصده وغاياته ويكشف رموزه وأسراره.
2ـ يبين أحكام الموضوعات التي كانت تحدث في زمن دعوته.
3ـ يرد على الحملات التشكيكية والتساؤلات العويصة المريبة التي كان يثيرها أعداء الإسلام من يهود ونصارى وغيرهم.
4ـ يصون الدين من التحريف والدس ويراقب ما أخذه عنه المسلمون من أصول وفروع حتى لا تزل فيه أقدامهم.
وقد كان لرحلته(صلى الله عليه وآله) وغيابه أن يخلفا فراغاً هائلاً ومفزعاً في هذه المجالات الأربعة فيكون التشريع حينئذ أمام محتملات ثلاثة:

الأول: أن لا يهتم الشارع بسد هذه الفراغات.
الثاني: أن ترتقي الأمة بفضل جهود النبي(صلى الله عليه وآله) في إعدادها إلى حد أن تقدر بنفسها على سد ذلك الفراغ.
الثالث: أن يستودع صاحب الرسالة ما تلقاه من معارف وأحكام وما يسد تلك الثغرات شخصية مثالية رسالية لها كفاءة تقبل هذه المعارف والأحكام وتحملها لتقوم بسد الفراغ بعد رحيله(صلى الله عليه وآله).

والاحتمال الأول ساقط لأنه لا ينسجم مع غرض البعثة ومؤد إلى قطع الطريق أمام رقي الأمة وتكاملها.
والاحتمال الثاني لم يتحقق حيث لم يقدر للأمة بلوغ تلك الذروة لتقوم بسد الثغرات التي خلفها النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) في جانب التفسير أو التشريع أو رد التشكيكات الهدامة أو صيانة مسيرة الأمة عن الانحراف.

ويبقى الاحتمال الثالث المتعلق بضرورة توجيه القائد الحكيم عنايته بالأوضاع الاجتماعية للأمة ويلاحظ الظروف المحيطة بها ويرسم على ضوئها ما يراه صالحاً لمستقبلها ومقتضى ذلك تعيين القائد والمدبر.

وفضلاً عن النصوص الواردة في تأكيد هذا المعنى فإن الفعل يدرك ضرورة الإيمان بالإمامة وتعيين الاصطفاء من قبل الله تعالى لصاحبها ممن هو أهل للاضطلاع بمهامها.

قال تعالى (الله يعلم حيث يجعل رسالته) (الأنعام، الآية: 124) ويفهم من هذا أن العقل يحكم بوجوب نصب الإمام على الله تعالى (لطفاً) لئلا يقع الخلاف وتتفرق السبل بأمة محمد(صلى الله عليه وآله) من بعده.
وإن وجود إنسان مثالي في مؤهلاته عارف بالشريعة ومعارف الدين ضمان لتكامل المجتمع وخطوة ضرورية في سبيل ارتقائه الروحي والمعنوي فهل يسوغ على الله سبحانه أن يهمل هذا العامل البناء الهادي للبشرية إلى كمالها.

ونلاحظ فلسفة وجود هذا الخلف ومدى تأثيره في تكامل الأمة من خلال كلمات الأئمة(عليهم السلام).
يقول الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام): (اللهم بلى لا تخلو الأرض من قائم لله بحجة، إما ظاهراً مشهوراً وإما خائفاً مغموراً لئلا تبطل حجج الله وبيناته) (نهج البلاغة الحكم: 147)

ويقول الإمام الباقر(عليه السلام): إن الله لم يدع الأرض بغير عالم، ولولا ذلك لما يعرف الحق من الباطل (الكافي، 1: 178).
ويقول الإمام الصادق(عليه السلام): إن الأرض لا تخلو وفيها إمام، كيما إذا زاد المؤمنون شيئاً ردهم وإذا نقصوا شيئاً أتممه لهم) (الكافي، 1: 178)

وهكذا كانت الإمامة واجبة وهو أمر اتفق عليه المسلمون جميعاً وإن اختلفوا في طريقة تنصيبه بالتعيين أم بالاختيار.
وقد روى البخاري في صحيحه في كتاب الأحكام بسنده إلى جابر بن سمرة أنه سمع النبي(صلى الله عليه وآله) يقول يكون اثنا عشر أميراً … كلهم من قريش (ورواه أيضاً الإمام أحمد في مسنده)

وفي كتاب الإمارة من صحيح مسلم: أن جابر بن سمرة قال: دخلت مع أبي على النبي(صلى الله عليه وآله) فسمعه يقول: إن هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش.

وجاء في رواية أبي نعيم في (حلية الأولياء ص86 مجلد 1) بسنده إلى عبد الله بن عباس(رضي الله عنه) أن رسول الله(صلى الله عليه وآله) قال: من سره أن يحيا حياتي ويموت مماتي ويسكن جنة عدن فليوال علياً بعدي ويقتد بالأئمة من بعدي فإنهم عترتي خلقوا من طينتي ورزقوا فهماً وعلماً وويل للمكذبين بفضلهم من أمتي القاطعين فيهم صلتي لا أنالهم الله شفاعتي.

السيرة العطرة
في الخامس عشر من شهر رمضان المبارك للسنة الثالثة من الهجرة أشرقت على الدنيا طلعته المباركة حيث أعلن البيت النبوي من مهبط الوحي نبأ الميلاد السعيد للسبط المجتبى وتلقى جده المصطفى النبأ بالبشر والسرور وهب إلى بيت الزهراء البتول(عليها السلام) ليحمل تهانيه ويفضي لها بمسراته وقدم إليه الوليد المبارك لتحتضنه يديه الحانية وتستقبله النفس المصطفاة بكل كيانها الطاهر فقبله وضمه إلى صدره الشريف ثم أجرى عليه السنة فأذن في أذنه اليمنى وأقام في اليسرى ليكون صوت الحق وشهادة التوحيد أول صوت يطرق سمعه وكيانه وليتحقق الالتحام بين الذات الطاهرة والهم الرسالي الذي سيطبع حياته الشريفة.

التفت الرسول(صلى الله عليه وآله) إلى الوصي(عليه السلام) قائلاً: أي شيء أسميت ابني؟
قال(عليه السلام): ما كنت لأسبقك بذلك.
فقال(صلى الله عليه وآله): ولا أنا سابق ربي ولم ينتهي الحوار إلا والوحي يهبط على المصطفى(صلى الله عليه وآله) بنزول التسمية السماوية له بـ(الحسن).

ولتبدأ بعد ذلك المراسيم من لدن المصطفى حينما عقه بكبش في اليوم السابع وعمد إلى رأسه فحلقه وتصدق بزنة شعره فضة وطلاه بالخلوق، ثم أمر به فختن. وتتحول هذه المراسيم سنة يستن بها المسلمون جميعاً فيما بعد.
وقد قال من وصفه(عليه السلام) إنه كان أشبه الناس برسول الله(صلى الله عليه وآله) خلقاً وخلقاً وسؤدداً وهدياً قال الغزالي في إحياء علوم الدين: إن النبي(صلى الله عليه وآله) قال له: لقد أشبهت خلقي وخلقي.
وقال أنس بن مالك: لم يكن أحد أشبه برسول الله(صلى الله عليه وآله) منه.
قد كان(عليه السلام) يلقب بـ: (الطيب، التقي، الزكي، الولي، السبط، المجتبى).
ويكنى بـ(أبي محمد).
نشأ في أحضان الرسول الله(صلى الله عليه وآله) وغذاه برسالته وتعاليم الإسلام وأخلاقه ويسره وسماحته وظل معه في رعايته إلى أن اختاره الله إلى جواره حتى أصبح مفطوراً على خلق جده وآدابه وتعاليمه.
روت زينب بنت أبي رافع أن فاطمةَ(عليها السلام) جاءت بالحسن والحسين(عليهما السلام) إلى أبيها في شكواه التي توفي فيها فقالت له: هذان ابناي فورثهما شيئاً. فقال(صلى الله عليه وآله): أما الحسن فله هيبتي وسؤددي، وأما الحسين فله جرأتي وجودي.
وكان عبد الله بن الزبير يقول: والله ما قامت النساء عن مثل الحسن بن عليّ(عليهما السلام).

الإمام السبط(ع) في القرآن والسنة:
القرآن:
تحمل المعجزة القرآنية الخالدة العديد من الآيات الكريمة الناطقة بمكانة أهل البيت(عليهم السلام) ومنهم الحسن(عليه السلام) ومن أهم تلك الآيات:
1ـ قوله تعالى: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً) (الأحزاب، الآية: 33). إذ ورد في سبب نزولها أن النبي(ص) دعا بعباءة خيبرية وجلل بها علياً وفاطمة والحسن والحسين(ع) ثم قال: (اللهم إن هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً) (صحيح مسلم والترمذي والنسائي).
فنزلت آية التطهير استجابة لدعائه(ص) وهي تحمل شهادة الحق تعالى بطهارتهم وعصمتهم.
2ـ آية المباهلة: قوله تعالى: (فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندعُ أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين) (آل عمران، الآية: 61).
3ـ آية المودة: قوله تعالى: (قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى…) (الشورى، الآية: 23).

ومن الروايات:
1ـ روى البخاري ومسلم عن البراء قال رأيت رسول الله(صلى الله عليه وآله) والحسن بن عليّ(عليهما السلام) على عاتقه وهو يقول: الله إني أحبه فأحبه.
2ـ وروى الترمذي عن عبد الله بن عباس أنه قال: كان رسول الله(صلى الله عليه وآله) حاملاً الحسن بن علي(عليهما السلام) فقال رجل: نعم المركب ركبت يا غلام، فقال النبي(صلى الله عليه وآله): ونعم الراكب هو.
3ـ والسيدة عائشة قالت: إن النبي(صلى الله عليه وآله) كان يأخذ حسناً فيضمه إليه ثم يقول: اللهم هذا ابني وأنا أحبه فأحبه وأحب من يحبه.
4ـ وعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) من سره أن ينظر إلى سيد شباب أهل الجنة فلينظر إلى الحسن بن علي.
5ـ وقال(صلى الله عليه وآله): الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا.

ملامح من شخصيته الشريفة
كان للإعداد الروحي السامي الأصيل الذي توفر للإمام الحسن(عليه السلام) في منزل الوحي، أن وفر لكيانه الروحي سمواً بلغ به الذروة العليا وكان إنشداده إلى الباري سبحانه وتعالى وتقربه إليه أمر تخشع له النفوس وينبهر به الوجدان.
يقول الإمام الصادق(عليه السلام): إن الحسن بن علي(عليهما السلام) كان أعبد الناس في زمانه وأزهدهم وأفضلهم.
وقيل له(عليه السلام) وقد كانت تأخذه الرعشة إذا توضأ فترتعد مفاصله ويصفر لونه فقال: حق على كل من وقف بين يدي رب العرش أن يصفر لونه وترتعد مفاصله.

وكان(عليه السلام) إذا بلغ باب المسجد يرفع رأسه فيقول: (إلهي ضيفك ببابك يا محسن قد أتاك المسيء فتجاوز عن قبيح ما عندي بجميل ما عندك يا كريم).

وكانت أخلاقه السامية انعكاس للخلق النبوي ونموذج أخلاق أهل البيتِ(عليهم السلام) قيل له مرة: لأي شيء لا نراك ترد سائلاً؟ فقال(عليه السلام): إني لله سائل وفيه راغب، وأنا أستحي أن أكون سائلاً وأرد سائلاً، وإن الله عودني عادة أن يفيض نعمه عليّ، وعودته أن أفيض نعمه على الناس فأخشى إن قطعت العادة أن يمنعني العادة.

وروت كتب السيرة أنه(عليه السلام) مر على جماعة فقراء ووضع على وجه الأرض كسيرات من الخبز كانوا قد التقطوها من الطريق وهم يأكلون منها فدعوه لمشاركتهم في أكلها، فأجاب دعوتهم قائلاً: (إن الله لا يحب المتكبرين).

مكانته العلمية وجهاده في ترسيخ العقيدة
لم يحدثنا التاريخ قط أن الحسن(عليه السلام) أو باقي أئمة أهل البيت(عليهم السلام) قد أشكل عليهم أمر أو تعذرت عليهم الإجابة عن سؤال أو استفسار أو أخذوا العلم عن أحد من الناس على ما هم عليه من عظيم المعرفة وواسع الإحاطة بالعلوم.

تعتقد الإمامية باشتراط أن يكون الإمام أعلم أهل زمانه وتتمثل حدود هذه الأعلمية عندهم في (وجوب كونه عالماً بجميع ما إليه الحكم فيه) (الشريف المرتضى، الناسخ والمنسوخ، مخطوط) وإذا علمنا أن للإمام الولاية العامة في أمور الدين والدنيا تبين لنا مدى السعة المفتوحة لآفاق علمهم والتي تعلل كما يقول السيد المرتضى: (… أنه… لو لم يكن عالماً لم يؤمن أن يقلب الأحكام والحدود وتختلف عليه القضايا المشكلة فلا يجيب عنها أو يجيب عنها بخلافها) (المحكم والمتشابه: 79 ـ 80).

ومما وردت فيه إشارتهم(عليهم السلام) إلى مدى علمهم أن الإمام محمد الباقر(عليه السلام) قال في تفسير قوله تعالى: (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) (الزمر، الآية: 9). قال: إنما نحن الذين يعلمون.

ويقول الصادق(عليه السلام): (إنا أهل بيت عندنا معاقل العلم وآثار النبوة وعلم الكتاب وفصل ما بين الناس).
ويقول(عليه السلام) عن حدود هذا العلم: (والله لقد أعطينا علم الأولين والآخرين) (ابن شهراشوب، مناقب آل أبي طالب). ويعلل الإمام الصادق(عليه السلام) هذه السعة من علمهم بطبيعة مهمة الإمامة حيث يقول: (إن الله لا يجعل حجة في أرضه يسأل عن شيء فيقول لا أدري) (الصدوق، التوحيد 275).

ومن أجلى مصاديق هذا العلم ما تمثل في علمهم(عليهم السلام) بالقرآن وتفسيره وتأسيس أصول العقيدة انطلاقاً من آياته الكريمة أليسوا هم عدل القرآن لن يفترقوا عنه حتى يرث الله الأرض كما يشير حديث الثقلين فهم في معيته لا انفكاك لأحدهما عن الآخر ويعبر الإمام الحسن(عليه السلام) عن هذه العلاقة مع القرآن في حديثه عن أهل البيت(عليهم السلام) إذ يقولُ(عليه السلام): (وهم أحد الثقلين اللذين خلّفهما رسول الله(صلى الله عليه وآله) في أمته والثاني كتاب الله فيه تفصيل كل شيء لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فالمعول علينا في تفسيره لا نتظنى تأويله بل نتيقن حقائقه فأطيعونا فإن طاعتنا مفروضة إذ كانت بطاعة الله مقرونة) (الطوسي، الأمالي، 1: 121).
ولقد تصدى الأئمة(عليهم السلام) والحسن(عليه السلام) منهم إلى توظيف علومهم هذه في خدمة عقيدة الإسلام والحفاظ على بيضة الدين وترسيخ أسس المنظور القرآني في الواقع الفكري الإنساني.
أول ما يتجلى من ملامح الدور الذي أداه الإمام الحسن(عليه السلام) سيرته على نهج أبيه(عليه السلام) في حمل راية الدين والحفاظ على مسيرته في فترة حالكة شهدت أحداثاً جساماً ومواقف استدعت منه تلك الوقفة الرسالية الرائدة في التخطيط الاستراتيجي لمسيرة الأمة وتوحيد كلمتها… كما تمخضت عن دور واضح في بيان أصول العقيدة نجد آثاره واضحة في مناظرات ومحاججات تناولت أغلب المباحث العقائدية وخصت الإمامة منها بمساحة كبيرة وقد حفلت بها المجاميع الحديثية وكتب العقيدة كالكافي والتوحيد والاحتجاج والبحار… الخ ومن ذلك مثلاً:

1ـ في التوحيد والتنزيه:
ـ جاءه رجل فقال له: يا ابن رسول الله صف لي ربك حتى كأني أنظر إليه، فأطرق الحسن(عليه السلام) ملياً ثم رفع رأسه فقال: (الحمد لله الذي لم يكن له أول معلوم، ولا آخر متناه، ولا قبلٌ مدرك، ولا بعد محدود، ولا أمد بحتى، ولا شخص فيتجزأ، ولا اختلاف صفةٍ فيتناهى فلا تدرك العقول وأوهامها ولا الفكر وخطراتها ولا الألباب وأذهانها صفته فتقول: متى: ولا بدئ مما، ولا ظاهر على ما، ولا باطن فيما، ولا تارك فهلا، خلق الخلق بديئاً بديعاً، ابتدأ ما ابتع وابتدع ما ابتدأ، وفعل ما أراد، وأراد ما استزاد ذلكم الله رب العالمين) (التوحيد، 45).

ـ عن الإمام الحسين(عليه السلام) قال كان الحسن(عليه السلام) يصلي فمر بين يديه فنهاه بعض جلسائه فلما انصرف من صلاته قال له: لِمَ نهيت الرجل؟ قال: يا ابن رسول الله حظر فيما بينك وبين المحراب، فقالَ(عليه السلام): ويحك إن الله عز وجل أقرب إليّ من أن يحظر بيني وبينه أحد) (التوحيد، 184).

ـ ومن كلامه(عليه السلام) لما جاءه الناس مبايعين بعد وفاة أبيه(عليه السلام) قال: (الحمد لله على ما قضى من أمره، وخص من فضل وعم من أمر، وجلّل من عافية حمداً يتمم علينا نعمه ونستوجب به رضوانه، إن الدنيا دار بلاء وفتنة وكل ما فيها إلى زوال، وقد نبأنا الله إليها كما نعتبر، فقدم إلينا بالوعيد كي لا يكون لنا حجة بعد الإنذار، فازهدوا فيما يغنى وارغبوا فيما يبقى وخافوا الله في السر والعلانية…).

فكره السياسي
سأله رجل عن السياسة فقال(عليه السلام): (السياسة أن ترعى حقوق الله وحقوق الأحياء والأموات فأما حقوق الأحياء فهي أن تقوم بواجبك نحو إخوانك ولا تتأخر عن خدمة أمتك وأن تخل لولي الأمر ما أخلص لأمته، وترفع عقيرتك في وجهه إذا ما حاد عن الطريق السوي، وأما حقوق الأموات فهي تذكر خيراتهم وتتغاضى عن مساوئهم فإن لهم رباً يحاسبهم.

وسأله معاوية يوما: ما يجب لنا في سلطاننا، فقال(عليه السلام): ما قال سليمان بن داود(عليه السلام)، فقال معاوية: ما قال سليمان يا ابن رسول الله؟ قال(عليه السلام): لقد قال لبعض جلسائه: أتدري ما يجب على الملك في ملكه وما لا يضره إذا أدى الذي عليه، إذا خاف الله في السر والعلانية وعدل في الغضب والرضا واقتصد في الفقر والغنى ولم يأخذ الأموال غصباً ولم يأكلها إسرافاً وتبذيراً ولم يضره ما تمتع به من دنياه إذا كان من حله.

الإمام(ع) في خلافته
في الحادي والعشرين من رمضان المبارك عام (40هـ) استشهد الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) بعد أن أوصى بالخلافة للإمام الحسن(عليه السلام) وقد تمت له البيعة ذلك اليوم وأقبل عليه الناس بالرضا وعن معرفة، وشمر الإمام(عليه السلام) عن ساعديه متأهباً للأمر حاملاً مسؤوليته الرسالية عازماً متوكلاً نافذ البصيرة ورقي المنبر فخطب في الناس قائلاً: ( أيها الناس من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن علي وأنا ابن النبي وأنا ابن الوصي وأنا ابن البشير وأنا ابن النذير وأنا ابن الداعي إلى الله بإذنه وأنا ابن السراج المنير وأنا من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً وأنا من أهل بيت افترض الله مودتهم على كل مسلم فقال تبارك وتعالى: (قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى ومن يقترف حسنة نزد له فيها حُسناً إن الله غفور شكور) فاقتراف الحسنة مودتنا أهل البيت) (باقر القريشي، حياة الحسن، 2).

فأبان(عليه السلام) ملامح شخصيته النسبية والدينية والفضائلية فإذا هو الوريث الشرعي لكل المميزات الخاصة بأهل البيت(عليهم السلام) فهو جدير بالإمامة دون البدائل الأخرى فلا تصلح الخلافة إلا له ولا تستقيم إلا به وهي دعوة إيجابية إلى مبايعته بمنطق الاحتجاج الإيجابي ضمنه حمل الناس على بيعته طواعية فأقبلوا على البيعة الشرعية زرافات ووحداناً.

وتناهت الأخبار إلى معاوية في الشام بهذه البيعة فتملكه القلق وساوره الفزع فالحسن(عليه السلام) ابن أبيه وقد كانت بينهما الحروب وانتهت صفين بخدعة رفع المصاحف وطلب التحكيم وازداد هذا القلق بعد أن بايع للحسنِ(عليه السلام) مكة والمدينة والبصرة ومشرق الدولة فبدأ التفكير الجدي عنده يقلب وجوه التفكير الممكنة ليقلب الأمور فكان ذلك بالأساليب العديد من دس الرجال للاحتيال وبث العيون وشراء الذمم في مكر ودهاء عظيمتين لصرف القلوب عن الحسن(عليه السلام) ولم تنفع دعوات الحسنِ(عليه السلام) لمعاوية بضرورة إتباعه لأنه مع الحق والحق أحق أن يتبع فما رضخ معاوية وأبى إلا الحرب فكانت.

وكان الإمام(عليه السلام) جريئاً دون تسرع ومبادراً دون تهور اتخذ التعقل ميزاناً لمتابعة الأحداث واعتمد الحكمة حليفاً في تهدئة العواطف.
وقد اتضحت للإمام(عليه السلام) نوايا جيشه في كره القتال وخَبِر إرادة أفراده في الموادعة ولمس خيانة بعض قيادته. وسرت الإشاعات التي سبقت الأحداث بأن الحسن(عليه السلام) يكاتب معاوية على الصلح لتثبيط الهمم وتشتيت العزائم.

وهنا يتجلى ما ينبغي للإمام(عليه السلام) أن يفعله بحزم وجدية ودون تردد وأن يعيد نظره وحساباته للموقف العسكري الهش وأن يتدارك الأمر لصاح الإسلام والحفاظ على بيضته.

 

خطاب الصلح
بعد أن تم الصلح على جملة من الفقرات والشروط عاد الإمام(عليه السلام) من المدائن حيث كان يداوي جرحه حتى شفي منه ودخل الكوفة وارتقى المنبر خاطباً فقال: (أيها الناس أن أكيس الكيس التقى، وأحمق الحمق الفجور، إن معاوية نازعني حقاً هو لي دونه، فنظرت لصلاح الأمة وقطع الفتنة وقد كنتم بايعتموني على أن تسالموا من سالمت وتحاربوا من حاربت فرأيت أن أسالم معاوية وأضع الحرب بيني وبينه وقد رأيت أن حقن الدماء خير من سفكها ولم أرد بذلك إلا صلاحكم وبقاؤكم وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين) (الأربلي، كشف الغمة، 170).

وفي هذه الظروف العصيبة والموقف الرهيب كان صدى كلمات جده الرسول(صلى الله عليه وآله) وصوت الأذان ناطقاً بالشهادة يملأ سمعه ويتذكر كلمات أبيهِ(عليه السلام) في وصيته حين قال: صن دينك وعِلمَنا الذي أودعناك ولا تُبدِ علومنا لمن يقابله بالعناد واستعمل التقية في دينك فإن الله يقول: (لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة) وقد أذنت لك في تفضيل أعدائنا إن ألجأك الخوف إليه وفي إظهار البراءة إن حملك الوجل عليه فإن تفضيل أعدائنا عند الخوف لا ينفعهم ولا يضرنا وإظهار البراءة منا عند التقية لا يقدح ولا ينقصنا …

إلى قوله(عليه السلام)… لِتبقِ على نفسك روحها التي بها قوامها ومالها الذي بها قيامها وجاهها الذي به تمسكها وتصون من عرف بذلك من أوليائنا وإخواننا فإن ذلك أفضل من أن تتعرض للهلاك وتنقطع به عن عمل في الدين وصلاح لإخوانك المؤمنين…) (هادي كاشف الغطاء، مستدرك الوسائل، ص137).

أمام هذه الظروف والدواعي لم يكن هناك جدوى للقتال الذي لا يؤدي إلا إلى إبادة البقية الباقية من المؤمنين وقد بيّن الإمام الحسن(عليه السلام) الدواعي إلى عقد الصلح إذ قال: (والله لو قاتلت معاوية لأخذوا بعنقي حتى يدفعوني إليه سلماً، والله لئن أسالمه وأنا عزيز أحب إليّ من أن يقتلني وأنا أسير ويمن عليّ فتكون سبة على بني هاشم).
وقال وقد سمع(عليه السلام) من يناديه يا مذل المؤمنين: (لست مذلاً للمؤمنين ولكني معزهم ما أردت بمصالحتي إلا أن أدفع عنكم القتل عندما رأيت تباطؤ أصحابي ونكولهم عن القتال).

وقال(عليه السلام): (إني خشيت أن يجتث المسلمون عن وجه الأرض فأردت أن يكون للدين واعٍ).
وقال(عليه السلام) مخاطباً أبا سعيد الخدري: ( يا أبا سعيد علة مصالحتي لمعاوية علة مصالحة رسول الله لبني ضمرة وبني أشجع ولأهل مكة حين انصرف من الحديبية) (القرشي، 2: 281).

وهكذا كان الصلح الذي اشترط الإمام(عليه السلام) في وثيقته على معاوية أن يعمل بكتاب الله وسنة نبيه وأنه ليس لمعاوية أن يعهد بالأمر من بعده عهداً وأخذ على معاوية العهد أن يكون أصحاب عليّ(عليه السلام) وشيعته آمنين على أنفسهم وأموالهم ونسائهم وأولادهم.

لكن الأحداث أثبتت فيما بعد خيانة معاوية لهذا العهد وعدوله عن كتاب الله وسنة نبيه وبدأ خرق الوثيقة، وهكذا نجد الإمام يضطر إلى الصلح المشروط ويستأثر بالحياة الرسالية لتغيير الواقع فما استقرت الدار بأبي محمد الحسنِ(عليه السلام) في مدينة جده حتى بدأ ممارسة مهمته ومسؤوليته الرسالية بنمط جديد ليبني ركائز كيان الأمة من جديد فإذا كان بالأمس حاكماً يدير شؤون الأمة ويخطط مستقبلها من خلال منصب الإمامة السياسية فإنه بعد الوثيقة اختط أسلوباً آخر حيث أنشأ مدرسة وقيادة فكرية كبرى لتكون محط إشعاع للهدى والفكر والإسلامي، وقد أتت هذه المدرسة الحسنية أكلها ضعفين حين تخرج في أروقتها جهابذة العلماء وكبار الرواة وعظماء الفقهاء والأصوليين .

وهكذا حقق الإمام الحسن(عليه السلام) نصره المعنوي المؤزر بمحافظته على وحدة المسلمين وصونه لبيضة الدين ونختم الحديث بما خطه قلم الإمام المصلح محمد حسين كاشف الغطاء في تصوير صلح الإمام(عليه السلام) معاوية إذ يقول: ( إن كل الصلاح وصلاح الكل فيما فعله الإمام الحسن(عليه السلام) لا من حيث التعبد والتسليم والخضوع للأمر الواقع مهما كان خيراً أو شراً، ولا من حيث الاعتقاد بالعصمة، وإن عمل المعصوم لابد وأن يكون موافقاً للحكمة، كلا بل لو تدبرنا الواقعة ونظرنا لها من جميع أطرافها وظروفها وملابساتها ونتائجها ومقدماتها لا تضح لنا على القطع واليقين بأن ما فعله سلام الله عليه هو المتعين لا يقع غيره نعم هو الحزم بعينه، وهو الظفر بخصمه، وهو عين الفتك بعدوه من حيث الفنون الحربية والسياسية الزمنية، فعل فِعل القائد المحنك والحازم المجرب، فحارب عدوه بالسلم، وغلب عليه بالصلح، فأخمد ناره وهتك أستاره وأبدى للناس عاره وعياره، وما كان من الصلاح إلا أن يحاربه بالصلح لا بالسلاح، ويذبحه بأعماله لا بقتاله ونباله، وهذا أتم للحجة، وأقطع للمعاذير، وابلغ في دفع الريب والشبهة).

فحقق الإمام(عليه السلام) بذلك ما لا يحققه الفاتحون في القتال مما كانت معه صحوة الشعوب الإسلامية عامة.
فسلام عليه يوم ولد ويوم استشهد ويوم يبعث حياً.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

شهــادته(ع)
سمته زوجته جعدة بنت الأشعث 7 صفر سنة 50 هجرية بعد اتفاق مع معاوية أن يزوجها يزيد ومبلغ كبير، والأشعث والدها اشترك في دم أمير المؤمنينَ(عليه السلام)، ومحمد بن الأشعث اشترك في دم الحسين(عليه السلام).
وكان دخول الإمام علي(عليه السلام) الكوفة في رجب سنة 36هـ وعمر الحسن(عليه السلام) 33 سنة.

أبنــاؤه
8 ذكور، 4 أناث، ومن أولاده (القاسم، عبد الله بن الحسن، زيد الأبلج، الحسن الأنور والد السيدة نفيسة، يحيى المتوج، الحسن بن الحسن (المثنى) وغيرهم

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.